كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فلسطين والنخب اليهودية

يستمد الحديث عن النخب اليهودية وعن موقفها من القضية الفلسطينية مشروعيته من المفارقة التي تميز مواقف هذه النخب فيما يتعلق بالحديث عن الحق في الاختلاف والدفاع عن حقوق الإنسان، وحق الشعوب في المساواة والديمقراطية وحرية المعتقد، مع الإيمان في اللحظة نفسها بما يسمى بالاستثناء الذي تمثله "إسرائيل" في تعاملها مع محيطها العربي - الإسلامي . لقد بحّت أصوات النخب اليهودية وهي تدافع عما تصفه حق الشعوب ومنها الشعوب العربية في الحرية والمساواة والديمقراطية، لكنها تخاذلت عندما كان الأمر يتعلق بحق الشعب الفلسطيني في الحصول على الحرية والاستقلال، وغاب دفاعها عن حقوق الإنسان عندما كان الأمر يتعلق بارتكاب "إسرائيل" لجرائم ضد الإنسانية في غزة وغيرها، بل إن الأمر تحول إلى ما يشبه المهزلة عندما سعت هذه النخب للدفاع عما تسميه "حق" هذه الدولة في الدفاع عن نفسها ضد "الإرهاب" الذي تمارسه "حماس"، وسكتت عن المجازر الفظيعة والإبادة الجماعية التي كان يقوم بها جيش الاحتلال الصهيوني .

ونحن لا نريد هنا، أن نعمِّم، في كل الأحوال، هذه الحالة أو الوضعية الفصامية على كل المثقفين اليهود، فقد أبدى بعضهم مواقف جد مشرفة بشأن الثوابت العربية وبخاصة ما تعلق منها بحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال، ولعل نعوم شومسكي يشكل الاستثناء والمثال الأكثر دلالة في نضاله ضد كل أشكال الهيمنة والاستعمار بما فيها الاستيطان اليهودي للأراضي الفلسطينية . وقد استطاع هذا المثقف اليهودي أن يفضح الممارسات الصهيونية المعتمدة على الدعم غير المشروط من الإدارة الأمريكية، واستطاع أن يتجاوز الحصار الإعلامي الذي ضُرب على مواقفه وأفكاره وتمكن من إحراج قادة البيت الأمريكي ومعهم قادة تل أبيب في مناسبات عدة رغم التهميش الذي مورس ضده من طرف المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، وهذه الفئة من المثقفين اليهود التي ينتمي إليها شومسكي والتي تمثل ما يوصف باليسار اليهودي، تُنعت في الأغلب من قبل يهود "إسرائيل" ويهود الشتات، بأنها عنصرية ومعادية للسامية، لمجرد أنها تمتلك الجرأة الكافية في انتقاد الممارسات القمعية التي يقوم بها قادة تل أبيب ضد الشعب الفلسطيني الأعزل . وهناك، في الجهة المقابلة، مثقفون يهود يحاولون إمساك العصا من الوسط من خلال إبراز تمسكهم بدولة "إسرائيل" التي يعتبرونها ملاذهم الأخير في حال انتشار المشاعر المعادية للسامية في أوروبا والعالم، ويرون أن دعمهم لهذه الدولة يظل مستمراً لكنه يجب ألا يُنظر له، وكأنه دعم غير مشروط لأن هؤلاء المثقفين يريدون المحافظة على الطابع "الكوني" و"الإنساني" لأفكارهم ويعبّرون - على الأقل - من خلال وسائل الإعلام عن رفضهم للقوة "المفرطة" التي يستعملها الجيش "الإسرائيلي" ضد الشعب الفلسطيني .

بيد أن المشكلة في كل ذلك هو أن الاستثناء لا يلغي القاعدة، حيث إن القسم الأكبر من الأنتليجينسيا اليهودية تناضل من أجل الإبقاء على ما يسمى الخصوصية "الإسرائيلية" فيما يتعلق بالدفاع عن حقوق الإنسان، وكان لافتاً أن المثقفين اليهود في فرنسا رفضوا مؤخراً وبقوة، مبادرة البرلمانيين الاشتراكيين من أجل مطالبة الحكومة الفرنسية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، وذهب الكثير منهم إلى حد القول إن هذا الاعتراف، إن حدث، سيمثل دعماً مجانياً ل "الإرهاب" الذي تمثله حركة حماس في قطاع غزة، وكتب برنار هنري ليفي، الذي لُقب في فرنسا بعرّاب الثورات العربية، مقالاً يعدّد فيه ما يعتبره أسباباً وجيهة تحول دون المبادرة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، من منطلق أن قسماً معتبراً من هذه الدولة يرفض في الأصل مبدأ وجود دولة يهودية، كما هو الشأن بالنسبة للتنظيمات الإسلامية .

ونعتقد في هذه العجالة أنه لا يمكن في كل الأحوال لمثقف يهودي أن يكون إنسانياً وكونياً، وصهيونياً في اللحظة نفسها، لأن الصهيونية ليست في واقع الأمر سوى أيديولوجيا شمولية تتنافى بشكل مطلق مع مبادئ المساواة والحرية والديمقراطية، بل هي كما نصّت على ذلك إحدى لوائح الأمم المتحدة في السبعينات من القرن الماضي، شكل من أشكال العنصرية، وبالتالي فلا شك أن الدولة التي تتبنى مقولة "شعب الله المختار" بوصفها أيديولوجيا مهيمنة على كل مؤسساتها، لا يمكنها أن تؤمن بالديمقراطية والمساواة والحق في الاختلاف . وهذا التماهي أو التطابق ما بين الصهيونية والشمولية أو النزعة "التوتاليرية" هو الذي دفع الفيلسوفة اليهودية حنة أرنت إلى تطليق الصهيونية بعد أن كانت قد انضمت إليها لأسباب تتعلق بممارسات هتلر ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، فقد فهمت أرنت في وقت مبكّر أي منذ مرحلة الأربعينات، أن تحوّل فكرة الصهيونية إلى برنامج سياسي يجعل منها آلة شمولية وقاتلة تخطط للإقصاء الكامل والإبادة الشاملة لكل مواطن عربي فلسطيني . ونبّهت أرنت بشكل لا لبس فيه، إلى أن الصهيونية تستعمل فكرة معاداة السامية من أجل تحقيق مكاسب سياسية واستندت في ذلك إلى مقاطع من تصريحات منظّر الحركة الصهيونية تيودور هرتزل . وتحدث في السياق نفسه إدغار موران عن الممارسات الصهيونية التي تعتمد على توظيف أسطورة المحرقة من أجل توسيع النشاط الاستيطاني في فلسطين، وبالتالي فإن فكرة "الهلوكوست" أو المحرقة تعبّر - في رأيه - عن رغبة النخبة الصهيونية في توسيع دائرة ما يمكن تسميته بالهوس المتعلق بالمركزية اليهودية أو المركزية العبرية التي تسعى إلى أن تجعل من المذبحة اليهودية الشكل الوحيد والمطلق للبربرية والفظاعة في كل تاريخ الإنسانية .

ونستطيع القول إن المشكلة الكبرى التي ستظل تطارد الأغلبية الكبيرة من النخب اليهودية هي تلك الازدواجية في الخطاب عندما يتعلق الأمر بالدفاع عما يسمى أمن "إسرائيل"، فالمؤلفات والأطروحات النظرية لهؤلاء المثقفين تُظهر على السطح مبادئ إنسانية وقيماً في غاية السمو والإشراق، أما مواقفهم السياسية المباشرة المتعلقة بالصراع العربي الصهيوني، فيغلب عليها الطابع العنصري الذي يرفض أن يساوي بين معاناة البشر، حتى تظل أسطورة اليهودي المستضعف راسخة في الأذهان وقابلة للاستثمار السياسي في كل مناسبة .

عن الخليج الاماراتية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط