كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فلسطين وتحديات الاقتصاد الإقليمي الجديد

فلسطين وتحديات الاقتصاد الإقليمي الجديد

تاريخ النشر: 2026-07-09 | 04:55

د. سمير أبو مدللة
د. سمير أبو مدللة

يشهد الشرق الأوسط تحولا يتجاوز خرائط السياسة وتوازنات القوة العسكرية، إذ تُعاد صياغة معالمه الاقتصادية بوتيرة متسارعة. فبينما تستمر الأزمات والصراعات في أجزاء من المنطقة تتشكل في الوقت ذاته خريطة جديدة تقوم على الممرات التجارية والمناطق اللوجستية والطاقة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد العالمية.

وتتجاوز معايير المنافسة بين الدول حجم الموارد الطبيعية لتشمل القدرة على جذب الاستثمار وتطوير البنية التحتية وإنتاج المعرفة وتعزيز الارتباط بالأسواق العالمية.

وبالتالي دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة عنوانها الاقتصاد. فالدول التي كانت تعتمد لعقود على الموارد التقليدية تسابق الزمن اليوم لتنويع اقتصاداتها وتأسيس صناعات متقدمة وتطوير موانئها وإنشاء مناطق اقتصادية خاصة واستقطاب رؤوس الأموال العالمية. حتى بات الحديث عن التنمية أداة لتعزيز المكانة الجيوسياسية وتحقيق النفوذ الإقليمي.

مفترق طرق

وفي المقابل، يقف الاقتصاد الفلسطيني أمام مفترق طرق تاريخي، فالحرب التي تعرض لها قطاع غزة لم تخلف دمارا إنسانيا هائلا فحسب وإنما أحدثت انهيارا اقتصاديا غير مسبوق، بينما تواجه الضفة الغربية تباطؤا اقتصاديا متزايدا وتراجعا في الاستثمار وارتفاعا في البطالة وتقلصا في النشاط التجاري نتيجة القيود المستمرة وحالة عدم اليقين.

وتشير التقديرات الصادرة عن البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى أن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة تتجاوز 53 مليار دولار، فيما بلغت الأضرار المباشرة في المباني والبنية التحتية نحو 30 مليار دولار، إضافة إلى خسائر اقتصادية تقدّر بنحو 19 مليار دولار نتيجة توقف الإنتاج وتراجع النشاط الاقتصادي.

كما شهد اقتصاد غزة انكماشا غير مسبوق خلال عام 2024 بنسبة 83% وفق تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، بينما تعرض اقتصاد الضفة الغربية لتراجع حاد الأمر الذي يعكس حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني في هذه المرحلة.

غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في حجم الدمار وحده، وإنما في خطر أن يبقى الاقتصاد الفلسطيني خارج التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المنطقة.

ففي الوقت الذي تبنى فيه شبكات نقل حديثة وتُطور موانئ ومناطق صناعية وتُعقد شراكات استثمارية عابرة للحدود، ينشغل الفلسطينيون بإدارة الأزمات اليومية، وهو أمر مفهوم في ظل الظروف الراهنة لكنه لا يجب أن يحجب التفكير بالمستقبل.

إن الاقتصادات لا تنهض بإعادة بناء الحجر فقط وإنما بإعادة بناء الإنسان والمؤسسات والقطاعات الإنتاجية.

ومن هنا، فإن إعادة إعمار غزة يجب أن تتحول من مشروع إنشائي إلى مشروع اقتصادي وتنموي شامل، يهدف إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وأكثر قدرة على الصمود وأقل اعتمادا على المساعدات الخارجية.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن المساعدات الإنسانية رغم ضرورتها القصوى لإنقاذ الأرواح، لا تستطيع وحدها بناء اقتصاد مستدام. فالاقتصاد الذي يعتمد على الإغاثة يظل اقتصادا هشا أما الاقتصاد القائم على الإنتاج والاستثمار والابتكار فهو القادر على خلق فرص العمل وتحقيق النمو وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.

ما المطلوب؟

ومن هنا، فإن الأولوية يجب أن تكون لإحياء القطاعات الإنتاجية وفي مقدمتها الزراعة والصناعة ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري لمعظم الاقتصادات الناجحة.

كما ينبغي الاستثمار في الاقتصاد الرقمي وتشجيع ريادة الأعمال وتطوير التعليم والتدريب المهني بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل الحديثة، خاصة في مجالات التكنولوجيا والخدمات الرقمية التي لا تتطلب بالضرورة بنية تحتية تقليدية ضخمة.

ولا يقل أهمية عن ذلك إصلاح البيئة الاقتصادية والمؤسسية، من خلال تبسيط الإجراءات وتعزيز الشفافية وتحسين مناخ الاستثمار وتمكين القطاع الخاص من أداء دوره كشريك رئيس في التنمية. كما أن الجامعات ومراكز الأبحاث مطالبة بأن تتحول إلى بيوت خبرة تقدم رؤى وسياسات عملية تسهم في رسم مستقبل الاقتصاد الفلسطيني.

إن ما يجري في المنطقة يؤكد أن الاقتصاد أصبح لغة السياسة الجديدة. فالممرات التجارية والموانئ والطاقة والاقتصاد الأخضر والذكاء الاصطناعي أصبحت أدوات للنفوذ الإقليمي والدولي لم تعد مجرد ملفات تنموية. ومن لا يجد له موقعا في هذه المنظومة الجديدة قد يجد نفسه خارج معادلات المستقبل.

ولا يعني ذلك أن الطريق أمام فلسطين مغلق، بل على العكس، فما يمتلكه الشعب الفلسطيني من رأس مال بشري وكفاءات علمية وخبرات مهنية وانتشار واسع في مختلف أنحاء العالم، يمثل ثروة استراتيجية يمكن البناء عليها.

لكن تحويل هذه الإمكانات إلى قوة اقتصادية يتطلب رؤية وطنية موحدة، تتجاوز إدارة الأزمة إلى التخطيط للمستقبل.

إن المرحلة المقبلة تستوجب إطلاق حوار اقتصادي وطني تشارك فيه الحكومة والقطاع الخاص والجامعات ومراكز الدراسات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني بهدف إعداد استراتيجية اقتصادية تمتد لعقد قادم، تحدد أولويات التنمية وآليات إعادة الإعمار ومجالات الاستثمار وكيفية الاندماج التدريجي في الاقتصاد الإقليمي متى توافرت الظروف السياسية المناسبة.

واليوم، بينما يعاد تشكيل الشرق الأوسط اقتصاديا، يبرز سؤال مهم، هل ستكون فلسطين جزءا من هذه الخريطة الجديدة أم ستظل خارجها؟

الإجابة لن تحددها الظروف وحدها بل قدرتنا على امتلاك رؤية اقتصادية شجاعة وإرادة سياسية ومؤسسات فاعلة وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع.

*جامعه الأزهر- غزة

عضو الامانه العامه لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين.

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط