كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فلسطين وحل الدولة الواحدة

فلسطين وحل الدولة الواحدة

تاريخ النشر: 2017-09-24 | 12:00

أربعة عقود ونيف مرت دون أن ألتقي بصديقي الذي رافقته يوم كنا معاً على مقاعد الدراسة الجامعية ، وما أن إلتقينا حتى ذهبنا بعيداً وكأننا لم نفترق يوماً،أخذنا نستذكر بعضاً من حواراتنا، تلك الحوارات المرتبطة بقضيتنا الرئيسية وكعبة نضالنا المقدسة " فلسطين " ، غصنا معاً في جو من الحزن والإحباط لما آلت إليه الأمور ، وفي لحظة ، لمعت عينا صديقي وقال : لا حل إلا في تطبيق الأنموذج الجنوب إفريقي في أرض فلسطين التاريخية ، أنموذج لدولة واحدة تجمع شعبين ، ولما استهجنت كلمة شعبين من حيث وجود شعب فلسطيني وأناس يعتنقون اليهودية ديناً وتقودهم الصهيونية في كل مناحي حياتهم ، قال صديقي : لا يهم التسمية فالأهم هو الاتفاق على المبدأ .

تلك الكلمات كانت كافيةً لي ، فحل الدولة الواحدة موضوع طُرح سابقاً وربما يكون البديل العملي عن بدعة حل الدولتين ، ففي ظل الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لفلسطين الذي تجاوت غاياته كل غايات الإستعمار القديم والذي ليس له شبيهاً إلا إستعمار الأوروبيين لأمريكا واوقيانوسيا وذلك بإحلال الغرباء بدلاً من السكان الأصليين ، هذا الإستعمار الذي ارتكز على وعد من زعيمة الاستعمار القديم لرواد الحركة الصهيونية الإلحادية ، الحركة إلتي اتخذت من الدين ستاراً وقاعدة لسرقة أرض شعب بريء لا ذنب له إلا ملكيته لوطن كان مهبطاً للرسالات ، وتعرض في تاريخه القديم لغزوات وغزوات ومنها الغزو اليهودي .. وعدٌ التقت عليه مصالح الأوروبيين بطرد اليهود المكروهين في اوروبا مع مصالح الحركة الصهيونية ، إذا علمنا بأن المجري جوزيه إيشتوسي المعروف بكراهيته لليهود قد عرض على برلمان بلاده في عام 1878 مشروع قرار دعا فيه إلى تأييد ودعم إقامة دولة يهودية في فلسطين وسانده في ذلك كثير من الأوروبيين ، وقد تضمن اقتراحه قدرة " الأمة اليهودية " على إقامة دولة نموذجية ، وتبعه ثيودور هرتسل الذي اعتبر اللاسامية أمراً لا يمكن تغييره أو الخلاص منه عندما نشر كتابه عام 1896 بعنوان: دولة اليهود، محاولة لإيجاد حل عصري للمسألة اليهودية ، وذلك بتجميع اليهود في بلد واحد ليكون موقعاً للدولة اليهودية تحت مسمى " أرض اسرائيل " مضفياً عليها طابعاً قومياً ومعتبراً دعوته بمثابة حركة تحرر قومي ، ولقد نجح هيرتسل في عام 1897 بعقد أول مؤتمر للحركة الصهيونية في مدينة بازل في سويسرا داعياً فيه لإقامة دولة يهودية على "أرض اسرائيل" ورأى في نجاحه بعقد المؤتمر بداية لتحقيق أفكاره فناصره في ذلك الكثير من غير اليهود واللاساميين الراغبين في تخليص اوروبا من اليهود ، ولقد ساعدهم في ذلك سقوط فلسطين تحت هيمنة الاستعمار البريطاني ، الأمر الذي شكل رافعة قوية لتجسيد الفكرة على أرض الواقع ، ومن هنا برز موقف "بريطانيا العظمى وأم الاستعمار" التي تبنت الفكرة وأصدر وزير خارجيتها جيمس بلفور في الثاني من تشرين الثاني / نوفمبر 1917، تصريحه المشهور " بوعد بلفور" برسالته إلى اللورد روتشيلد والتي جاء فيها : يسرني جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته التصريح الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود الصهيونية , ولقد عرض الأمر على الوزارة التي أقرته (( إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية ... )) .

وبعد الوعد المشؤوم ، نشبت حروب متعددة بين الغزاة الصهاينة وبين الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين ومن حالفهم من اخوانهم ، هزائم متكررة حدثت على مراحل ، مرحلتها الأولى لم أبقت من الوطن 22% منه فيما تم تهجير غالبية سكان الجزء المغتصب وإحلال غرباء بدلاً منهم ، تبعتها مرحلة ثانية ، أحتلت النسبة الباقية من الأرض التاريخية فيما بقي غالبية قاطنيها فيها ، تبعها نشوء حركات تحرير خارج الوطن ، حاولت ، لكنها لم تستند إلى قواعد ثابتة فصاحبتها سلبيات كثيرة بعضها ذاتي وآخر خارجي ، قويت فترة وضعفت فترات ، ضاقت بها الأرض التي تقف عليها ، فانتفضت حركة شعبية على ما تبقى من الوطن ، التف عليها بعض من مدعي القيادة والتمثيل الحصري ، فعقدوا اتفاقات مع الصهاينة توجوها باتفاقية الذل في أوسلو على أمل تحقيق حلمهم بالدولة والرئاسة والوزراة والحظوة .

وبعد وعلى قاعدة أوسلو ، مفاوضات هزلية عبثية جرت لربع قرن دون نتيجة وما زالت نفس " القيادة الفلسطينية " مستمرة في سعيها للمفاوضات كخيار يتيم ووحيد ، ولكن لا شيء سيتحقق ، منحوا الأعداء المستعمرين 78% من أرض فلسطين واعترفوا بتلك الأرض دولة للغزاة مطالبين مقابل ذلك بدولة على نسبة ال 22 % من فلسطين أو جزء منها وابتكروا مسمى " حل الدولتين " ، فكان رد الغزاة وجوب الاعتراف بصبغة بيهودية دولتهم ليتمكنوا من طرد من بقي من السكان الأصليين وبما ينسف تماماً حق العودة للاجئين الفلسطينيين مقابل منح الفلسطينيين حكماً ذاتياً لا معنى له ، فحل الدولتين وحتى لو تحقق لن ينهي الصراع ولن يحل القضية ولن يرضي ملايين اللاجئين الفلسطينيين المنتشرين في أصقاع الأرض والذين لا حلم لهم إلا العودة لأرض آبائهم وأجدادهم .

المنطق يقول وبما لا يدع مجالاً للشك بأن صراعنا مع الصهاينة سيستمر ، فما العمل ؟ وحتى تستقر الأمور فإن الصراع لا بد له من نهاية ، حل الدولتين حل محكوم عليه بالفشل ، عدا عن أن ربع قرن كان كافياً ليثبت للجميع بأن تلك المفاوضات عبثية ولن توصل لدولتين أبداً وهو مشوه ومنقوص ولن يحل أصل المشكلة ، وهو حل وفيما لو تحقق فلن يستمر ولن يكتب له النجاح طالما تجاهل حق العودة .

وفي ظل حالة الضعف الفلسطيني والوهن العربي ، والتراجع عن تبني فكرة الكفاح المسلح ، ومع فشل نظرية حل الدولتين بشكل كامل ، فإن تبني ما ذهبت إليه بعض من فصائل المقاومة الفلسطينية في بداية السبعينات من القرن الماضي قد يكون هو الحل العملي والوحيد القابل لإنهاء الصراع وقد يحقق قدر كاف من العدالة ، وهو حل الدولة الواحدة ، الذي يقوم على إنشاء دولة واحدة في فلسطين يكون فيها مواطنة وحقوق متساوية للسكان العرب واليهود على حد سواء ، موقف سبق وأن طرحه الشيوعيون الفلسطينيون سنة 1944 ونادت به عصبة التحرر الوطني التي ضمت الشيوعيين العرب في العام نفسه وذلك "بانهاء الانتداب البريطاني واقامة حكومة ديمقراطية فلسطينية مستقلة" ، فيما أعلنت عدد من الفصائل الفلسطينية بأن الوصول إلى حل الدولة الديمقراطية الواحدة هو ضمن أجندتها ومنها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، كما قدمت حركة فتح أجندة بعنوان "الدولة الديمقراطية العلمانية" في السبعينات من القرن الماضي، واعتبر الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة أحمد جبريل أن الحل المعقول هو إقامة دولة واحدة .

وهنا لا بد من القول بأن طرح هذا الحل قد كان على شكلين :

-        الدولة الواحدة ثنائية القومية : هو نظام سياسي يحافظ فيه كل من الفلسطينيين واليهود على الشخصية السياسية لهما كشعبين أو قوميتين ، ومن يتبنى هذا هذا الطرح يراه ضروريا لحماية وطمئنة الطرفين وحماية مصالحهما .

-        الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية : هو حل يقوم على إنشاء دولة واحدة ديمقراطية، فلكل مواطن صوت يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات ويعني الغاء التنافس القومي والفصل الاجتماعي الوارد في الدولة ثنائية القومية .

ربما كان ذلك حلماً ، ربما كان صعب التحقيق ، ولكنه ليس مستحيلاً ، وسيبقى هو الحل الوحيد الذي يكفل عدم استمرارية الصراع ، طرح ليس بالجديد ، بذرت فكرته الأولى منذ عقود ولكن البذرة لم تجد تربة ملائمة ولا محيطاً مناسباً لكي تنمو وتزدهر ، ولكن ، قبل إعادة البذر لا بد من توفر النوايا ، لا بد من تجهيز المحيط اللازم للتقبل والاحتضان ، حل سيواجه رفضاً في البداية ، ومقاومة عنيفة أحياناً لدى الغاصبين ، سينسف أفكار حركة مضى على تأسيسها ما يزيد على قرن من الزمان ، جهد كبير لا بد أن يبذل من كافة الأطراف ، توعية لا بد منها ، مرتكزة على فكرة رفض تسييس الدين والاعتراف بأن الدين شيء والقومية شيء آخر ، فحرية المعتقد الديني مكفولة للجميع ، والانتماء الوطني سيكون للدولة الواحدة كأساس لنجاح هذا الحل ، انتماء لدولة أساسها المساواة وتقبل الآخر ، وستكون الكفاءة هي الأساس لتولي المناصب بعيداً عن أي محاصصة وتمييز .

فكرة تبدو وكأنها من أفكار الخيال العلمي ، ولكن كم من الأفكار كانت خيالاً قبل أن يحققها العلم ، ففلسطين الواحدة أو الدولة الواحدة هي الحل القابل للديمومة وهو الحل الذي سيكفل إنهاء الصراع والعيش بسلام في محيط يتقبل الدولة الناشئة بسهولة ويسر .

فهل حان الوقت لتبني هذا الحل والعمل من أجله ؟؟ سؤال نطرحه على من يتبنى حل الدولتين الوهمي كخيار يتيم وأوحد .

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط