كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فن الكلام (بين واصل بن عطاء و"ديموستيني")

فن الكلام (بين واصل بن عطاء و"ديموستيني")

تاريخ النشر: 2019-02-18 | 12:01

 قصتان لا بد أن نعرج عليهما يفيداننا في التغلب على القصور والعياء[1] او التلعثم أوخوف المواجهة واليكم هاتين القصتين من مصادرهما التاريخية:
عاش "ديموستيني" خلال العصر الذهبي لليونان، عندما كانت تسوى كل النزاعات العامة بالخطابة، وعندما كان شاباً صغيراً، ذهب إلى الهيئة التشريعية في اثينا – وهي هيئة تشريعية فوضوية مؤلفة من حوالي 6000 عضو من الرجال – كي يتحدث في قضية مهمة. ويمكننا القول بان "ديموستيني"، قد صعق، فقد كان صوته ضعيفاً، وأفكاره مشوشة. وكلما تحدث لوقت أطول نال ما لا يريد، ونزل من المنصة مشبعاً بصيحات الاستهجان.
أقسم "ديموستيني" بأن ذلك لن يتكرر مرة أخرى.
أولاً، تعلم كتابة الخطب، وسرعان ما أصبح الأثرياء يتعاقدون معه لكتابة خطبهم.
ثم ذهب إلى شواطئ بحر إيجة، حيث قام بتقوية صوته عن طريق الصياح بشدة في الرياح لعدة ساعات في كل مرة. ولتحسين قدرته على الالقاء، تدرب على الكلام مع وجود حصى في فمة.
وليتغلب على خوفه، تدرب مع وجود سيف معلق فوق رأسه، ولكي يوضح طريقة العرض والخطاب قام بدراسة أساليب الخطباء العظماء السابقين في هذا المجال.
بعد ذلك بسنوات، تقدم "ديموستيني" إلى الهيئة التشريعية ليحذر القادة من الخطر الداهم الذي يمثله فيليب الثاني ملك مقدونيا. فألهب حماس الحضور بفصاحته ووضع أمام أعضاء الهيئة بعض الأفكار ذات الحجج القوية للتعامل مع المقدونيين. وعندما انتهى من خطابه، وقف الحاضرون يهتفون في آن واحد: " لنذهب ونحارب فيليب".
أما عن قصة واصل بن عطاء وهو من هو في التاريخ الاسلامي فهو مؤسس مذهب المعتزلة الذي طارت شهرته وتبناه الخلفاء لمدة طويلة من الزمن، فكيف يكون لمن مثله ألا يكون فصيحا؟! بل أنه بالحقيقة لديه علّة في النطق! وكل المذهب يعتمد على العقل والحجة والاقناع ما يحتاج معه للّسان والفصاحة فكانت هذه النقيصة المتمثلة بتلعثم واصل بحرف الراء أن دفعته دفعًا للامام، ولننظر كيف حلّها، مما يقول فيه الكاتب ربيع السملالي:
كان واصلُ بن عطاء (ابوحذيفة)[2] المعتزلي بارعًا في اللّغة، حافظًا لها، مجيدًا لأساليبها، مشهورًا بالبلاغة، ومعروفًا بسُرعة الجواب، وحضور البديهة.. وكان مع ذلك كلّه قبيحَ اللَّثغة شنيعَها لا يستطيع النّطق بالرّاء، يتجنّبها في كلامه، ويأتي بما يرادفها في الخُطب الطويلة، حتّى قال فيه بعضهم:
عليم بإبدال الحُروف وقامع / لكلّ خطيب يبلغُ الحقَّ باطلُه.
كان يُضرب به المثل في إسقاطه حرف الرّاء من كلامه، واستعملَ الشّعراء ذلك في شعرهم كثيرًا، فمنه قول أبي محمد الخازن من جملة قصيدة طنّانة طويلة يمدح بها الصّاحب أبا القاسم إسماعيل بن عبّاد وهو:
نعم تجنّبَ "لا" يومَ العطاء كما /تجنّبَ ابنُ عطاء لفظة الرّاء
ويذكرعنه الجاحظ صاحب كتاب "البيان والتبيين": رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه وإخراجها من حروف منطقه، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه، ويناضله ويساجله، ويتأتى لسَتره والراحة من هجنته، حتى انتظم له ما حاول، واتسق له ما آمل، حتى صار لغرابته مثلا، ولظرافته معلما.
وإن أردت أن الحق بالركب المتلعثم أعلاه، فلكم أن تعلموا انني كنت ممن يتخفّى خلف الآخرين خوف المواجهة أو مقابلة الجمهور، رغم أنني كنت مجتهدا في دراستي، فجاهدت حتى شقيت للتخلص من هذه الآفة، أي مهابة المواجهة للجمهور خاصة على المسرح، ليس لخلل في اللسان أو لقصر في المعلومات، وإنما لضعف السمة الاتصالية ما نجحت في تجاوزه بعد زمن.

الحواشي
________________________________________
[1] يذكر الجاحظ في البيان والتبيين أن: اللثغة أربعة هي القاف والسين واللام والراء. فاللثغة التي تعرض للقاف يجعل صاحبها القاف طاء فيقول طلت بدل قلت. واللثغة التي تعرض للسين يجعل صاحبها السين ثاء، فيقول: أبو يكثوم بدل أبي يكسوم، ويقول بثم الله بدل باسم الله. أما اللثغة التي تقع في اللام، فيجعل بعض أصحابها اللام ياء ويقول اعتييت بدل اعتللت، وجمي بدل جمل. ويجعل بعضهم الآخر اللام كافا فيقول مكعكة في هذا بدل ما العلة في هذا. وأما اللثغة التي تقع في الراء فتتم بأربعة أحرف هي الياء والغين والذال والطاء. ويقول أصحابها عمي بدل عمرو، أو يقول عمغ بدل عمرو، أو يقول مذة بدل مرة، أو يقول مظة بدل مرة.

[2] كنيتُه أبو حُذَيْفَة وكان يُلقّب بالغزّال لأنّه كان يُلازم الغزّالين بسوق البصرة ليعرفَ المُتعفّفات من النّساء فيجعل صدقته لهنّ.وكان طويلَ العُنق جدّا، وقد هجاه بشّار بن بُرد المذكور آنفًا بقوله:
ماذا مُنيت بغزّال له عنق /كَنقنقِ الدّوّ إن ولّى وإن مَثُلا
عُنْقَ الزّرافة ما بالي وبالكم/تكفّرون رجالاً كفّروا رجلاً؟
ذكرها ابن خلّكان في وفياته، وفي رواية عند الجاحظ: مالي أشايعُ غزّالاً له عنق.. الأبيات.
ووصفه الذّهبي بقوله: وكانَ صموتًا . (أنظر جلال الصمت وهيبته، مع فصاحة البيان)

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط