كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فورين بوليسي: واشنطن لا تخوض "حروباً أبدية" فحسب بل تصنع "أعداء أبدياً"

فورين بوليسي: واشنطن لا تخوض "حروباً أبدية" فحسب بل تصنع "أعداء أبدياً"

تاريخ النشر: 2026-08-26 | 16:34

أمد/ واشنطن: تتعامل الولايات المتحدة، في كثير من الأحيان، مع خصومها انطلاقًا من اللحظة التاريخية التي تحولوا فيها إلى أعداء، فتظل تلك اللحظة حاضرة في صياغة السياسة تجاههم حتى بعد مرور عقود وتغير الدول والمجتمعات والظروف التي أنتجت الصراع أساسًا.

 هذه هي الأطروحة التي يقدمها آدم واينستين، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد كوينسي، في مقال رأي نشرته مجلة Foreign Policy في 24 أغسطس/آب 2026، محذرًا من أن واشنطن لا تخوض فقط «حروبًا أبدية»، بل تصنع أيضًا «أعداء أبديين».

ويرى واينستين أن المشكلة لا تكمن في وجود خلافات أو تهديدات حقيقية، وإنما في ميل السياسة الأمريكية إلى «تجميد» فهم الخصم عند اللحظة التي أصبح فيها عدوًا. ونتيجة لذلك، تتحول أحداث مثل ثورة أو أزمة رهائن أو حرب أو هجوم عسكري إلى عدسة دائمة تُقرأ من خلالها دولة بأكملها، حتى لو تغيرت بنيتها السياسية والاجتماعية أو تبدلت المصالح الاستراتيجية المحيطة بها.

ويضع الكاتب كوبا وليبيا والعراق وإيران ضمن أبرز الأمثلة على هذه الظاهرة. فقد ظلت كوبا مرتبطة في المخيلة السياسية الأمريكية بصراع يعود إلى أكثر من ستة عقود، فيما ارتبطت ليبيا لعقود بنظام معمر القذافي، وظل العراق يحمل جانبًا من إرث صدام حسين حتى بعد سقوط نظامه، ولا سيما بفعل علاقته اللاحقة بإيران.

إيران.. النموذج الأوضح

تمثل إيران، وفق المقال، الحالة الأكثر وضوحًا لكيفية صناعة «العدو الأبدي». فبالنسبة إلى أجيال من صناع القرار الأمريكيين، لا تزال أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران عام 1979 حاضرة باعتبارها لحظة إذلال وطني، ثم تراكمت فوقها أحداث أخرى، من بينها تفجير ثكنات مشاة البحرية الأمريكية في بيروت عام 1983 الذي أسفر عن مقتل 241 عسكريًا أمريكيًا، واختطاف أمريكيين في لبنان، ومقتل رئيس محطة وكالة الاستخبارات المركزية في بيروت ويليام باكلي عام 1985، وصولًا إلى سنوات المواجهة مع ميليشيات مدعومة من إيران في العراق.

هذا التراكم انعكس تدريجيًا على اللغة السياسية الأمريكية. ففي عهد بيل كلينتون أُدرجت إيران ضمن «الدول المارقة»، قبل أن يضعها جورج بوش الابن عام 2002، إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، ضمن «محور الشر».

لكن واينستين يشدد على أن الذاكرة التاريخية ليست أمريكية من جانب واحد. فلإيران بدورها سجل من المظالم تجاه واشنطن، من بينها إسقاط طائرة الخطوط الجوية الإيرانية الرحلة 655 عام 1988 ومقتل 290 شخصًا كانوا على متنها، ودعم الولايات المتحدة لصدام حسين خلال الحرب العراقية–الإيرانية، فضلًا عن نظام العقوبات الذي يرى الكاتب أنه لم يميز دائمًا بصورة واضحة بين السلطة والمجتمع.

والنتيجة، بحسب المقال، هي حلقة صراع تعيد إنتاج نفسها: كل طرف يحتفظ بذاكرته الخاصة عن الإهانة والخسائر والعدوان، بينما تتحول هذه الذاكرة تدريجيًا إلى أحد محددات السياسة الراهنة.

مشكلة «نظام الملالي»

يذهب الكاتب إلى أن تجميد صورة إيران تاريخيًا أدى أيضًا إلى تبسيط طبيعة النظام الإيراني داخل الخطاب الأمريكي، حيث استمر التعامل معه بوصفه مجرد «نظام ملالي»، بينما تطور فعليًا إلى دولة هجينة دينية–أمنية تتوزع فيها القوة بين رجال الدين والحرس الثوري والمؤسسات التكنوقراطية.

ويشير إلى أن الحرس الثوري والمؤسسات غير الدينية باتت تمتلك نفوذًا يوازي، أو يتجاوز أحيانًا، نفوذ كثير من رجال الدين الذين يحكمون البلاد اسميًا. وفي الوقت نفسه، حافظ النظام على تشدده في ملفات سياسية وأمنية، فيما أظهر مرونة نسبية في بعض القضايا الاجتماعية، وهي تحولات يرى الكاتب أن السياسة الأمريكية لم تستوعبها بما يكفي.

ومن هذا المنظور، يرى واينستين أن سوء فهم طبيعة النظام ربما ساهم في الاعتقاد بأن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي سيعني «قطع رأس النظام» بأكمله، وليس مجرد تغيير قيادته. وبالنسبة إليه، فإن استمرار النظر إلى إيران من خلال مظالم الماضي يحجب فهم مصادر تماسك النظام وقدرته على البقاء.

أفغانستان.. عدو جديد قيد التصنيع

المشكلة نفسها، وفق المقال، بدأت تتكرر مع أفغانستان. فبعد عشرين عامًا من الحرب، انتهت واشنطن إلى التفاوض مع طالبان على انسحابها، ثم غادرت البلاد وعادت الحركة إلى الحكم. لكن الولايات المتحدة رفضت بعد ذلك الانخراط السياسي الطبيعي مع الحكومة التي تفاوضت معها على الانسحاب.

ويصف الكاتب الوضع الناتج عن ذلك بأن أفغانستان وُضعت على «أجهزة الإنعاش»: مساعدات وإعفاءات من العقوبات تكفي لمنع الفئات الأكثر فقرًا من المجاعة، لكنها لا تسمح بتنمية اقتصادية حقيقية يمكن أن يستفيد منها النظام القائم.

ويرى واينستين أن جزءًا من المشكلة يعود إلى الطريقة التي فهمت بها واشنطن المجتمع الأفغاني خلال وجودها العسكري، إذ تعاملت مع طالبان بوصفها جسمًا غريبًا يمكن إزالته وإعادة تشكيل المجتمع وفق قيم أقرب إلى القيم الأمريكية أو إلى تصورات النخب الأفغانية الأكثر تقدمية. وحين انهار هذا التصور، انسحبت واشنطن، لكنها لم تنتقل إلى صياغة علاقة جديدة مع الواقع الذي تركته خلفها.

ويزداد الأمر تعقيدًا بفعل الطريقة التي ترسخت بها صور الانسحاب من كابول في الوعي الأمريكي. فقد قورنت مشاهد أغسطس/آب 2021 بسقوط سايغون، ووصف دونالد ترامب الانسحاب بأنه من أكثر لحظات الإذلال في تاريخ الولايات المتحدة، مقارنًا إياه بأزمة الرهائن في إيران. وهكذا، يخشى الكاتب أن تتحول أفغانستان تدريجيًا من حرب انتهت إلى جرح سياسي مفتوح يحدد العلاقة الأمريكية معها لعقود.

فيتنام.. النموذج المضاد

في المقابل، يقدم المقال تجربة فيتنام باعتبارها دليلًا على إمكانية الخروج من أسر الذاكرة التاريخية.

فبعد سقوط سايغون، لم تقدم واشنطن تقريبًا مساعدات مباشرة للحكومة الشيوعية الجديدة لنحو عقدين، وفرضت عليها حصارًا اقتصاديًا واسعًا. لكن نهاية الحرب الباردة، وفقدان هانوي للدعم السوفياتي، وتعاونها في ملف الجنود الأمريكيين المفقودين، فتحت تدريجيًا نافذة أمام المصالحة.

وكان العامل السياسي والشخصي حاسمًا. فقد تعاون السيناتوران جون كيري وجون ماكين، وكلاهما من قدامى حرب فيتنام، لدفع واشنطن نحو التطبيع. وكان موقف ماكين ذا دلالة خاصة، إذ أمضى سنوات أسيرًا في فيتنام الشمالية وتعرض للتعذيب، ومع ذلك أصبح من أبرز الداعمين لتجاوز إرث الحرب.

وفي مايو/أيار 1995، التقى كيري وماكين الرئيس بيل كلينتون وحثاه على المضي في التطبيع رغم المعارضة، قبل أن تُطبع العلاقات خلال الصيف نفسه. وبعد عامين أصبح دوغلاس بيترسون، وهو أيضًا أسير حرب أمريكي سابق في فيتنام، أول سفير أمريكي في هانوي بعد الحرب. والنتيجة أن فيتنام تحولت، بعد عقود من واحدة من أكثر الحروب إيلامًا في التاريخ الأمريكي، إلى واحدة من أكثر الدول الآسيوية تقاربًا مع الولايات المتحدة.

من ذاكرة الهزيمة إلى حسابات المصالح

المفارقة التي يلفت إليها المقال هي أن مجرد الدعوة إلى مراجعة سياسة «الأعداء الأبديين» كثيرًا ما تُقابل داخل الولايات المتحدة باتهامات بالاسترضاء أو السذاجة. وهكذا يصبح فتح قنوات دبلوماسية مع الخصم مكلفًا سياسيًا، حتى عندما تكون هناك مصلحة استراتيجية في ذلك.

لكن واينستين لا يجادل بأن المصالحة سهلة، ولا بأن كل خصم يمكن أن يتحول إلى حليف. بل إن جوهر أطروحته يقوم على ضرورة الفصل بين الذاكرة التاريخية والحسابات الاستراتيجية الراهنة.

وفي الحالة الإيرانية، يرى أن انخراطًا أمريكيًا أكبر خلال العقود الخمسة الماضية كان يمكن أن يمنح واشنطن فهمًا أدق لمصادر قوة النظام الإيراني واستمراره، وأن إدراك رغبة قطاع واسع من الإيرانيين في بديل عن الجمهورية الإسلامية لا يعني تلقائيًا وجود الظروف اللازمة لانتفاضة ناجحة، كما لا يمنح بالضرورة شرعية لقادة المعارضة في الخارج، ولا يعني استعداد الإيرانيين لتقبل قصف بلادهم.

والأمر نفسه ينطبق على أفغانستان؛ فالكاتب يقر بأنه أخطأ سابقًا في تقدير حجم التيار البراغماتي داخل طالبان ومدى استعداده لتقديم تنازلات مقابل الاعتراف الدولي، لكنه يرى أن سياسة إبقاء البلاد دولة منبوذة ومعزولة لم تثبت فعاليتها.

الانخراط لا يعني المصالحة

الخلاصة التي يصل إليها المقال ليست الدعوة إلى نسيان التاريخ أو تجاهل سلوك الخصوم، وإنما منع التاريخ من التحول إلى بديل عن الاستراتيجية.

فأفغانستان وكوبا وإيران وفيتنام حالات مختلفة جذريًا، لكنها تكشف، من وجهة نظر الكاتب، صعوبة أمريكية متكررة في تجاوز مشاعر الإذلال والمظالم والهزيمة المتصورة. وفي بعض الحالات، أدى تجاوز تلك المشاعر إلى بناء علاقات جديدة، كما حدث مع فيتنام، بينما أدى استمرارها في حالات أخرى إلى قطيعة استمرت لعقود.

ومن هنا يخلص واينستين إلى أن الانخراط البراغماتي، مهما كان بطيئًا وغير كامل، يظل أكثر احتمالًا لإنتاج نتائج سياسية أفضل من تحويل الخصوم المؤقتين إلى أعداء دائمين.

وتكتسب هذه الأطروحة دلالتها من موقع الكاتب نفسه؛ فالمقال منشور ضمن قسم ARGUMENT في Foreign Policy، أي بوصفه مقال رأي، فيما ينتمي واينستين إلى معهد كوينسي المعروف بتبني مدرسة «التقييد» في السياسة الخارجية، التي تدعو إلى تقليل التدخل العسكري الأمريكي وتوسيع مساحة الدبلوماسية والانخراط مع الخصوم. ولذلك ينبغي قراءة المقال باعتباره مرافعة فكرية وسياسية لصالح هذا النهج، لا تقريرًا إخباريًا محايدًا عن السياسة الأمريكية.

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط