كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فيروس الكورونا عالميا وشرق اوسطيا

فيروس الكورونا عالميا وشرق اوسطيا

تاريخ النشر: 2020-03-23 | 15:18

نبيل فهمي
نبيل فهمي

  بعد تجاوز عدد المصابين بفيروس كورونا الجديد الاسبوع الماضي نصف مليون نسمة، ووصل عدد الوفيات إلى ما يزيد عن ٥٣٠٬٠٠٠، وهزت الأحداث نمط الحياة الطبيعية التي اعتدنا عليها، فلعله من المناسب التطرق إلى الاحتمالات المستقبلية الواردة بعد تجاوز الازمة بمشيئة الله، وتلك التي يجب أن تتطلع إليها بعد دروس هذه التجربة القاسية، مع الأخذ في الاعتبار بعض تداعياتها المختلفة، وخاصة على الشرق الأوسط والعالم العربي.

وتتلخص الاحتمالات اساساً في ثلاث.  

   العودة مرة اخرى إلى الوضع الدولي المعاصر، والذي شكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكان يواجه تحديات التعامل مع معدلات التغير السريع لعصر العولمة بدرجات متفاوتة من النجاح، نظراً لتطور وتغير الخريطة المجتمعية والسياسية والأمنية والاقتصادية،   وهو أحتمال وخيار غير منطقي وغير مجدي.

            والاحتمال الثان فهو الإسراع في إجراءات لإبطاء معدلات العولمة، لصالح إجراءات وطنية تارة ومحلية تارة أخرى، بالتركيز على القضايا والتحديات والمصالح قصيرة الأجل و"الانعزالية"، مدفوعين بالضغوط الآنية ،وهو خيار محكوم عليه حتماً بالفشل، لأن عصر العولمة وتكنولوجياته لا يتسق مع الانعزالية طويلة الأجل، كما أن التحديات العالمية مثل الأوبئة أو التغيير المناخي أو حتى الاقتصاد العالمي لا تتعثر طويلا أمام الحواجز أو تقف طواعية عند الحدود.        

      والخيار الثالث هو الاستفادة من التجارب المتعددة والمشتركة لتحدي فيروس كورونا الجديد، لإعادة هندسة النظام الدولي بقوانينه، ومؤسساته، وبروتوكولاته، بحيث يكون أكثر توافقاً مع عالمتا  المعاصر في القرن ال-٢١، وهو البديل الأكثر طموحاً ، وإنما الأصعب تحقيقاً، لأنه يفترض التغير في مفاهيمنا السياسية والمجتمعية والاقتصادية.

      ولعلي أضيف وبصراحة كاملة، أن حدة التحدي الذي شكله فيروس كورونا الجديد ،ومدة استمرار هذه الجائحة، هو الذي سيحكم ويحسم تحركنا وتصرفاتنا، وهل ننتهي إلى الخيار الأول قصير النظر ،والذي لا يتمشى مع الواقع الدولي، أو مزيج من الخيارات الأخرى الأكثر واقعية وحكمة.
[1] 

      وأتطلع وأمل أن ينتهي المجتمع الدولي إلى الخيار الثالث في نهاية المطاف، بعد المرور بمرحلة التعامل مع الموقف بانعزالية، بل حتي  بين الحين والأخر  حتى داخل الدولة الواحدة، والذي لم يكن غريباً أو مستغرباً،  وهو موقف مؤلم كثيراً فرضته الظروف والأخطاء السابقة.    

      والمبدأ الأساسي الحاكم في الخيار الثالث هو ضرورة النظر "بمفهوم شامل وتكاملي" للقضايا، بما يعني التعامل مع جوانبها الاجتماعية بنفس قدر تعاملنا مع الاعتبارات الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية، ومراعاة ظروف ومصالح المنظومة الدولية عامةً وداخل الدولة الواحدة وبمختلف فئاتها، فلم يفرق الفيروس الجديد بين الدول العظمى حينما اصاب الولايات المتحدة والصين وبشدة، أو الغنية فلم يرحم إيطاليا أو أسبانيا أو حتى سويسرا وفرنسا، وأصاب أنظمة مختلفة وبعنف مثل إيران ، وهناك مؤشرات كثيرة أن معدلات الإصابات أو تداعياتها في تصاعد في أفريقيا.

      والحمد لله، شهدنا أخيراً، وبعد تأخر لا مبرر له، بوادر تغيراً في نمط التعامل الدولي بين المسؤولين والتجمعات والدول، فتحدث سكرتير عام الأمم المتحدة جوتيريز عن خطورة الفيروس على المجتمع الدولي باكمله، وضرورة التصدي له جماعة، ورجح صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد العالمي خلال العام الحالي، وأصدرت منظمة العمل الدولية تقريرا يتضمن أن الخسائر الاقتصادية قد تصل إلى٤,٣ تريليون دولار هذا العام، وأعلنت مجموعة ال -٢٠٢0 التي تشمل أقوى اقتصادات العالم بعد اجتماعها عبر الوسائل الالكترونية، برئاسة عربية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان ابن عبد العزيز آل سعود أنها ستضخ ب٥ تريليون دولار أمريكي في الاقتصاد الدولي، وتتخذ بإجراءات محددة وموجهة لتوفير برامج للتصدي للتداعيات الاجتماعية، والاقتصادية، والمالية لفيروس الكورونا  بالتعاون مع المنظمات الدولية المعنية.

      وإذ ارحب بهذه الخطوة والدعم المالي المعلن، فأكثر ما رحبت به كان الإشارة إلى "التداعيات الاجتماعية"، بل بالتعامل معها على حد السواء مع  التداعيات الاقتصادية والمالية، لقناعتي أن أهم وأخطر مشاكل عصر العولمة التي نعيشه، هي غياب ”الضمير الاجتماعي" لتلك العصر، وفي تعامل المستفيدين منه، والتركيز المبالغ فيه على الجانب المادي، وهو قصور خطير وعميق، لم نلحظه كافياً إلا بعد الدرس القاسي لفيروس كورونا الجديد، وألان علم الكبير قبل الصغير أن العالم مترابط ومتكامل وأن النظرة الشمولية هي طريق النجاح التصدي له على الأمد القريب.

          وأمل أن نستخلص من هذه التجربة الأليمة، أن علينا إعادة هيكلة بناء النظام الدولي المعاصر، بشكل يجمعنا ويحمينا، ويعطي لكل صاحب حق حقه، دون أن نغفل مسؤوليتنا نحو الاخر، كان ذلك عبر الحدود والقارات أو من طبقات اقتصادية أقل وفراً وثراءً، والثقافات والمجتمعات المتعددة عبر المعمورة.

      إن صحة الإنسان هي أول الأولويات التي يجب أن نضعها عين الاعتبار في التعامل مع فيروس الكورونا، عالمياً وإقليمياً بين دول الشرق الأوسط، خاصة والكل لم يتعامل مع الفيروس سريعاً، وبشكل احترازي كاف في المرحلة الأولى من المواجهة، ومما صعب التحدي بشكل خاص في الشرق الاوسط أمام الذين لا يتوافر لديهم نظم طبية متقدمة، ومنها العراق وسوريا واليمن ،أو التي تأخرت في إجراءاتها الاحترازية مثل ايران،  واعجني توفير دولة الإمارات العربية الشقيقة لمساعدات إنسانية لبعض هذه الدول رغم الاختلافات السياسية القائمة.

      وأشهد أنه في طريق عودتي من الهند في النصف الأخير من فبراير، استقبلت بإجراءات احترازية دقيقة وسريعة في مطار القاهرة، لم اشهدها في مطار دلهي حينذاك أو مطار الترانزيت، وهو أمر سعدت وفخرت به ،وأرجو أن تستمر تلك الجهود وغيرها داخل مصر وفي دول عربية شقيقة أخرى لتنجح في التصدي للمخاطر والتحديات الصحية.

       ويجب أن تحظاظيظ التداعيات ىالتداعيات الاقتصادية بالاهتمام المبكر[2] ، بعضها نتيجة لوقف أو تخفيض النشاط التجاري والاقتصادي عالمياً وإقليمياً، بما في ذلك على منطقة الشرق الأوسط وغرب اسيا، التي تواجه الأن صدمة اقتصادية من آثار الإغلاق الاقتصادي الكوروني والانخفاض الشديد في سعر البترول نسبة تجاوزت ٥٠٪ خلال أشهر معدودة، وسيترتب عليهما انكماش سوقي، وانخفاض في الإيرادات المتاحة للحكومات والقطاع الخاص، ومن النتائج المباشرة السريعة ايضا رفع معدلات البطالة، خاصةً في الدول التي تعتمد على اقتصادات توظيفية، مثل السياحة التي انكمشت أكثر من ٨٠٪، أو الأسواق التجارية الجزئية،  ستكون للتداعيات الدولية والاقليمية أثر على إيرادات الدول عامة، وبما في ذلك البترولية، مما يضع ضغوط إضافية في تسديد الديون الخارجية خلال عام ٢٠٢٠ التي ستصل إلى ٣٥ مليون دولار.

      هذا وستتاثر كذلك دول المنطقة المصدرة للسلع والمنتجات نتيجة لانخفاض الاحتياجات والقدرات الاستيرادية لأسواقها الخارجية، وبما قد يحد من قدرتها على تشغيل مصانعها لتوفير المنتجات والسلع المطلوبة للتصدير، في ظل الظروف والإجراءات الاحترازية القائمة، وينتظر أن نشهد انخفاضاً وانكماشاً في معدلات النمو الاقتصادي لعدد من دول المنطقة، خاصةً إذا امتدت الظروف الحالية، وهو ما صرحت به المؤسسات الدولية  ،وكذلك وزيرة التخطيط المصرية منذ ايام معدودة، ويجب ألا نفاجئ إذا شهدنا هروباً لبعض الاستثمارات الأجنبية والمحلية إلى مناطق أخرى أقل تعرضاً للتداعيات الاقتصادية، وتشير بعض التقارير إلى خروج أكثر من ٢ بليون دولار أمريكي من الشرق الأوسط منذ شهر فبراير.

      وفي سياق التعامل الإنساني والاستراتيجي مع الأوضاع الحالية على القيادات السياسية بالمنطقة وعالمياً  يجب اتخاذ عدة خطوات في آن واحد، أولها مزيد من الإنفاق على الرعاية الصحية لتمكين الأوطان من التعامل مع أهم الأولويات وهي صحة الانسان، على المستوى الوطني وعبر العالم في المناطق الأكثر تضرراً، فلن نستطيع العودة حتى إلى فتح الحدود والتبادل السلعي دون كبح جماح الفيروس جوهرياً.

      والخطوة الثانية والواجب اتخاذها، والتي لها طابع اقتصادي هي العمل على تجنب دخول العالم في مرحلة ركود اقتصادي ممتدة، وبإجراءات عامة مثل توفير الحكومات لمزيد من الموارد، وتسهيلات من البنوك لتخفيض العبء الاقتصادي، فضلاً عن إجراءات موجهة، تستهدف الفئات والطبقات الأكثر تضرراً من الأوضاع، من خلال الإعفاءات الضريبية والدعم النقدي الموجه، وقد اتخذت العديد من دول المنطقة خطوات في هذا السبيل لإعادة وجدولة الديون على الشركات والأفراد.

      وإذا شهدنا إنكساراً في حدة الأزمة الفيروسية، بما يسمح بتخفيض ما تطلبه من ترتيبات احترازية، يجب النظر في بعض الخطوات الاقتصادية التقليدية لتنشيط اقتصادات المنظمة، مثل الإنفاق على البنية الأساسية.

      وغنى عن القول أن مؤسسات المنظومة الدولية يجب أن تلعب دور رئيسي في دعم قرارات الدول في تخطي العقبة والأزمات الحالية، ولمنظمة الصحة العالمية الدور الرئيسي في المجال الطبي والصحي، كما يمكن لصندوق النقد الدولي العمل  مع دول لبلورة السياسات الملائمة، ولتوفير الدعم المالي الضروري في هذه الظروف الصعبة.

وهيا بنا نعمل سوياً برؤية جديدة وشاملة وتكاملية ،نتعامل فيها بكل جدية مع التحديات في عصر  العولمة، النشط والثري بأفكاره وفرصه،ا وانما الذي يحمل ايضا في طياته مخاطر جمه، اذا سقطنا في فخ الطمع والنظرة قصيرة الجل وانحياز للمصلحة الذاتيه حتي علي حساب الغير، نتطلع لعصر اليقظة والحكمة والضمير الاجتماعي الذي يوفر مستقبل أفضل للجميع.

نبيل فهمي

 وزير خارجية سابق

 [1]

Already mentioned that there are economic issues, so don’t have to mention: ينتظر أن تكون هناك

Should mention right away the impact.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط