كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في إسرائيل اليوم لم يبقَ مكان لنعي محمد بكري

في إسرائيل اليوم لم يبقَ مكان لنعي محمد بكري

تاريخ النشر: 2026-01-02 | 09:12

أول أمس، كانت القاعة الملاصقة للمسجد في القرية الجليلية "البعنة" مليئة بالبشر. آلاف المعزين، أصحاب الوجوه الحزينة، جاؤوا وذهبوا، ولم يكن بينهم يهودي واحد سواي إن المجتمع الفلسطيني- الإسرائيلي ينعي وفاة أحد أعظم أبنائه، الذي كان ممثلاً ومخرجاً وبطلَ ثقافة، وطنياً فلسطينياً وإنساناً نبيلاً في روحه، محمد بكري. وإسرائيل أدارت له ظهرها، في موته كما في حياته، هناك قناة تلفزيونية واحدة فقط خصصت له تقريراً، قلّة من اليهود  جاؤوا لتعزية عائلته، لكن ظهرَ يوم الجمعة، لم يُشاهَد أحدٌ منهم. دُفن بكري في ساعات الليل، بناءً على طلب عائلته، وفي إسرائيل، لم يبقَ مكانٌ لرثائه، لشكره على إبداعه، لإحناء الرأس أمامه تقديراً، وطلب مغفرته. كان جديراً بذلك. كان بكري فناناً ومقاتلَ حرية من النوع الذي يُكتب عنه في كتب التاريخ وتُسمى الشوارع باسمه. في إسرائيل القومية، لم يكن له أيّ مكان، حتى بعد موته. سحقته إسرائيل لمجرد أنه تجرّأ على التعبير عن معاناة الفلسطيني كما هي. قبل فترة طويلة من أيام بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير الظلامية، وقبل عشرين عاماً من السابع من أكتوبر والحرب على غزة، عاملته إسرائيل بفاشيةٍ لا تُخجل يوآف كيش ولا شلومو كرعي؛ والمؤسسة القضائية المرموقة فيها، تجنّدت كرجل واحد لتجريم عمله؛ قاضية المحكمة المركزية في اللد حظرت عرض فيلمه "جنين، جنين"، والمستشار القضائي انضم إلى الحرب، والمحكمة العليا "المستنيرة" قررت أن فيلمه صُنع بدوافع "غير مشروعة"- هكذا كان مستوى الحجج لدى "منارة العدل"، وهذا كله بسبب حفنة من جنود الاحتياط الذين "تضرروا" من فيلمه وجاؤوا ليحاسبوه. لم يتضرر سكان مخيم جنين، بل الضابط نسيم مغناجي الذي نال مبتغاه ودمّر بكري. وهذا كله كان قبل أيام الظلام الكبير. قلةٌ فقط هبّت لنصرته آنذاك؛ الفنانون صمتوا، ونجم "من خلف القضبان" الوسيم ألقيَ للكلاب، ولم يتعافَ قط. في وقتٍ ما ظننت أن "جنين، جنين" سيُعرض يوماً في جميع مدارس الدولة، لكن اليوم، بات واضحاً أنهم لن يفعلوا ذلك، لا في إسرائيل اليوم، وربما ليس في المستقبل أيضاً، غير أن بكري الذي عرفته لم يغضب، ولم يكره. لم أسمع منه قط تعبيراً واحداً عن كراهيةٍ لمن نبذوه، لمن أذوه وأذوا أبناء شعبه. قال ابنه صالح ذات مرة: "إسرائيل دمرت حياتي وحياة أبي وحياة شعبي." أشك في أن والده كان سيتحدث بهذه الصيغة؛ أول أمس، وقف هذا الابن المهيب منتصب القامة، والكوفية على كتفيه، وهو وإخوته- الذين كان أبوهم فخوراً بهم إلى حد كبير- يستقبلون المعزين بوفاة أبيهم أحببته كثيراً. في ليلة شتوية ماطرة في حرم جبل المشارف في الجامعة العبرية في القدس حين صرخوا علينا "خوَنة"، بعد عرض "جنين، جنين"؛ وفي مهرجان السينما الإسرائيلية في الـJCC في نيويورك الذي كان يُدعى إليه كلّ عام، وهناك أيضاً صرخوا؛ وفي "كافيه تمار" الذي كان يرتاده يوم الجمعة أحياناً، وفي المقالات المؤلمة التي نشرها في "هآرتس". بلا سخرية، كان بريئاً ومفعماً بالأمل كطفل. أمّا فيلمه القصير الأخير "Le monde"، الذي كتبته ابنته يافا، فيدورُ في حفلة عيد ميلاد في فندق فاخر؛ طفلة توزع وروداً على الضيوف، وعازف كمان يعزف "عيد ميلاد سعيد"، وعلى التلفاز، ترى غزة وهي تُقصف، وبكري ينهض من مكانه بمساعدة شابة كانت تجلس معه ويغادر. كان أعمى. قبل ثلاثة أسابيع، كتب لي أنه ينوي المجيء إلى المركز للمشاركة في جنازة شخص عزيز، على حد تعبيره، المخرج رام ليفي، فأجبته أنني كنت مريضاً ولن نتمكن من اللقاء، وبحسب علمي، لم يكن يستطيع المجيء إلى الجنازة. "تماثل للشفاء وانتبه لنفسك"، كتب لي الرجل الذي لم ينتبه لنفسه يوماً. مات بكري، ودُمّر مخيم جنين، وطُرد جميع سكانه وتحولوا مجدداً إلى أناس بلا مأوى في جريمة حرب أُخرى. وظل الأمل في قلب بكري يخفق حتى موته؛ لم نتفق على ذلك

*صحفي إسرائيلي

عن هآرتس العبرية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط