كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في اقبية التعذيب كانت فليتسا لانغر معي

في اقبية التعذيب كانت فليتسا لانغر معي

تاريخ النشر: 2018-06-22 | 14:46

لم تكن كأي امرأة، ولم تردعها قوانين الفاشية الاسرائيلية، انحازت لفلسطين وهي الاسرائيلية الجنسية، امنت بإنسانية الانسان لتُعلي مكانته فوق التمييز القومي والعرقي، وامنت بنضال الشعوب المقهورة من اجل التحرر، وفي مقدمتها شعبنا الفلسطيني .. ناضلت كما الحزب الذي انتمت اليه – الحزب الشيوعي الاسرائيلي – من اجل مبادئ الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة والتقدم، وضد الاحتلال، ومن اجل حقوق شعبنا الفلسطيني في التحرر الوطني واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وحق عودة لاجئي شعبنا لأراضيهم التي هجروا عنها عام 1948 .
"فليتسا لانغر" بولندية الاصل، عملت في مهنة المحاماة، حملت لواء الدفاع عن السجناء الفلسطينيين الذين سجنوا داخل اسرائيل، وعذبوا بكل قسوة في زنازين واقبية التحقيق، فكانت المحامية والاخت والرفيقة الانسانة بالنسبة لهم، عرفها كل من انكوى بسياط القهر الاسرائيلي، فكانت خير مدافع عن قضايا ابناء شعبنا السجناء، وكانت تعبر المرة تلو الاخرى عن استيائها وعارها من الانتماء لهذه الدولة التي تقمع شعبنا الفلسطيني وتصادر حريته وتلحق الاذى بأبنائه.
ملحمتها النضالية "بأم عيني" تجسد بسالتها المبدئية في الدفاع عن مناضلي وفدائيي الحركة الوطنية الفلسطينية في وجه القمع الاسرائيلي، هذه الملحمة شكلت احدى المواد التثقيفية لنا في الحزب مع بدايات انطلاق عملنا النضالي، وقد جسدت مضامينها احد الافلام الذي كنا نحرص على مشاهدته باستمرار، حيث شكل مادة تعبوية للتصليب الثوري في وجه اساليب المخابرات الاسرائيلية داخل زنازينه الفاشية واساليب قمعه العنصرية .. تربينا على تجربة الرفيق القائد سليمان النجاب وصموده الاسطوري اثناء التحقيق، وبتنا نردد مقولته الشهيرة لرجال التحقيق الاسرائيليين " ان شرفي ليس في جسد امراتي، بل شرفي في ان اقهركم ولا اعترف " كان ذلك عندما حاولوا كسر صموده، فهددوه بإحضار زوجته وانتهاك شرفها امامه .
هي ملحمة بطولية لمناصلي شعبنا جسدتها "فليتسا" كمناضلة للدفاع عنهم امام محاكم الاحتلال الفاشية، اختزنتها الذاكرة فكانت الزوادة التي تسلحت بها عندما خضت والمخابرات الاسرائيلية معركة طويلة وقاسية من التحقيق في "مسلخ" سجن غزة المركزي في يوليو 1986م، معركة امتدت لخمسة وثمانين يوما قضيتها ما بين "مسلخ" التحقيق وزنازين العزل والارهاب . بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي الفلسطيني، والقيام بنشاطات " تخريبية ".
هناك كانت معي "فليتسا لانغر" بمواقفها البطولية، بتجارب ابطالها المشرفة، وبدورها التي اعطاني صلابة اضافية استمديتها من رفاقا ليس في بلدي فحسب، وانما في كل العالم، حتى داخل دولة الاحتلال الاسرائيلي .. يقفون الى جانبي.. وينتظرون صمتي وصمودي وان لا اعترف، ليس من اجل حماية حزبي ورفاقي فحسب، وانما لان ذلك يجسد انتصارا اضافيا على جهاز المخابرات الاسرائيلي القمعي وعلى أيدولوجيته واساليبه الفاشية، ليضاف الى تجارب ورصيد المجد لشعبنا الفلسطيني، ولكل تجارب الاحرار في العالم .
هناك في قلب "المسلخ" ومن على كراسي الذل والاهانة، تذكرتها وتذكرت كل ما يعطيني دفعه معنوية لأجل الصمود وتحدي اساليب المخابرات الاسرائيلية.. وفي داخل الزنازين تمنيت ان تأتي لإنقاذي من هذا العذاب الوحشي ..من هذه العزلة التي امتدت لأسابيع طويلة لم ارى فيها احدا يصلب ارادتي، حتى تمنيت ان ارى وجهي في المرأة، وانا الذي ادرك ان المخابرات الاسرائيلية ومؤسسته يخشون لسانها وحجتها في تجريمهم .
سألني احد المحققين اثناء احدى جولات التحقيق القاسية، وكان يدعى "ابو علاء"، من محاميك – وكنت حينها لا اعلم من هو – فقلت له بتحدي " فليتسا لانغر" .. فتغيرت ملامح وجهه، فدارك ذلك قائلا، ستعترف وحينها لن تنفعك لا "فليتسا" الشيوعية ولا غيرها .. هم راهنوا على انكساري من خلال تحقيقهم الفاشي الذي يطول الحديث عنه، وعن تفاصيل ما واجهت خلال هذه التجربة القاسية جدا.. لكنهم انكسروا ولم انكسر .
كان حزبنا قد اوكلها للدفاع عني، وقد نجحت بزيارتي في سجن غزة بعد خمسة وستون يوما من بداية اعتقالي، عندما حضر السجان لاصطحابي لمقابلة المحامي كما اخبروني، حينها لم اكن اعرف من هو هذا المحامي، فاذا بي أفاجأ بالمحامية " فليتسا لانغر"، صافحتني بحرارة، وعرفتني بنفسها لأبادرها القول بانني اعرفها واكن لها احترام كبير.. ضحكت وقالت انا مبسوطة لأنك لم تعترف، وهم لن يستطيعوا مواصلة اعتقالك، وطلبت مني ان احدثها عن اساليب تعذيبهم لي.. حدثتها عن مواقف كثيرة، وقلمها لم يتوقف عن الكتابة موثقا التفاصيل كافة .
توقفت عند حديثي عن احد جولات التحقيق التي تعرضت لها باحثة عن التفاصيل، عندما اخبرتها بان رجال المخابرات احضروني في احدى جولات، وقاموا برسم المطرقة والمنجل باللون الاحمر على جبيني كرمز للشيوعية، واجبروني على الجلوس اعلى مسند كرسي خشبي، وطلبوا من مجموعة من الرفاق الذين اعتقلوا معي وكنت مسئولهم، وقد اعترفوا بالتهم الموجهة لهم، ان يصلوا "للينين الصغير" .. استفزها ذلك كثيرا، واستشاطت غضبا، وقالت لي بالحرف الواحد " سيدفعون ثمن ذلك ", حينها لم اعرف ما الذي كانت تنوي فعله.
افرج عني من زنازين سجن غزة المركزي دون أي اعتراف، وكان "لفليتسا" وضغطها دورا حاسم في ذلك، وعلمت لاحقا انها قد رفعت قضية لمحكمة "العدل" العليا الاسرائيلية ضد المحققين الاسرائيليين الذين حققوا معي بسبب اسليبهم الوحشية التي مارسوها تجاهي، وقد سلطت الضوء على حادثة المطرقة والمنجل، لتتهمهم بالعنصرية وبازدراء فكر الاخرين والحط من قيمته .
"فليتسا" ايتها الرفيقة المناضلة ..لم تستطيعي مواصلة البقاء في دولة الاحتلال، لتعودي الى موطنك الاصلي، اثرتي الرحيل بعدما اديتي رسالة انسانية ومبدئية بامتياز، اليوم ترحلين رفيقتنا الاممية، لتبقى ذكراك تكلل قلوب وعقول من عرفوكي، ومن دافعتي عنهم داخل اقبية الفاشية الاسرائيلية.. بالوفاء والتقدير والامتنان، وستبقى مواقفك مصدر اعتزاز لكل من عرفك او قراء عن تجربتك الكفاحية الخالدة، وبالنسبة لي ستبقين رفيقة مناضلة اعتز بها، لأنك نموذج قد تمرد على مؤسسة القمع الاحتلالية دون ان يرف لها جفن او تخشى قمعها، وواصلتي دون تردد التمسك بمواقفك العنيدة المنحاز للقضية الفلسطينية وحقوق شعبنا العادلة .
سلام لك رفيقتنا الباسلة، وسلام لكل الذين رسموا ويرسمون على طريق صمود ونصر شعبنا علامة .

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط