كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في الأردن: التفتيت لضمان هيمنة النظام

في الأردن: التفتيت لضمان هيمنة النظام

تاريخ النشر: 2016-12-01 | 09:30

الثقة المريحة التي حصلت عليها الحكومة الأردنية في مجلس النواب الأسبوع الماضي، لا تعكس تأييداً شعبياً لا على السياسات الخارجية ولا الداخلية، وهي حقيقة لا يمكن أن تكون غائبة عن القصر الملكي الذي تعَوَّد على إهمال الرأي العام مراهناً على رضا واشنطن وهيمنة الأجهزة الأمنية. فالمسألة لا تتعلق ببناء إجماع شعبي بقدر ما تتعلق بإحكام السيطرة وتضييق المساحة على التحرك المعارض أو حتى على الصوت المخالف، بأساليب في معظمها «ناعمة» المظهر وغير مباشرة، لكن في مجموعها ليست أكثر من قفاز مخملي يُخفي يداً حديدية تهوي بقسوة إن كَبُرَ التحدي.
عنوان السياسات الأساسي هو التبعية والإمعان في التبعية؛ فالسياسات الاقتصادية لا تخرج عن شروط صندوق النقد الدولي المعروفة، في ظل غياب برنامج وطني للتنمية أو لوقف هدر مالي هائل هدفه توسيع قاعدة المتنفذين، وفي ظل عدم وجود سياسة خارجية واضحة، علماً أن الوجود العسكري والاستخباري الأميركي أصبح أقرب إلى تحويل البلاد قاعدة أميركية.
كشفُ الصحف الأميركية أن ثلاثة مدربين قتلوا جراء تبادل لإطلاق النار قرب قاعدة عسكرية أردنية، دلّ على تكتم الأردن على طبيعة الوجود العسكري الأميركي، وإن كانت قيادة الجيش اكتسبت احتراماً لبيانها الأول الذي أعلنت فيه أن حارس القاعدة العسكرية الأردنية قام بواجبه بإطلاق النار على مركبة الأميركيين بعد رفضها التوقّف، قبل أن يُسدَل الستار على الرواية تحت ضغوط أميركية.
غياب الشفافية والمكاشفة يدفع المواطن الأردني إلى انتظار المعلومات من الإعلامَين الأميركي والإسرائيلي، فيما يستمر الرضوخ الرسمي لمطالب أميركية، حيث ارتضى الأردن توقيع اتفاقية تلزم شركة الكهرباء بشراء غاز «إسرائيلي» (هو فعلياً غاز فلسطيني مسروق) لمدة خمسة عشر عاماً، من دون مراعاة للبعد غير الأخلاقي للصفقة ولخطرها الاستراتيجي على سيادة الأردن وأمنه الاقتصادي. فبرغم أن الحكومة حصلت على ثقة 84 نائباً من أصل 125، إلا أن رفض الاتفاقية كان لافتاً في معظم خطابات النواب. إذ اعتبرها كثيرون تمويلاً مباشراً للاحتلال الصهيوني ومشاركة في قمع الفلسطينيين وقتلهم. وهو ما يدلّ على نجاح «اللجنة الشعبية لمقاومة التطبيع»، بما في ذلك حركة مقاطعة إسرائيل (بي دي إس)، في إيقاظ الحس الرافض لتبعات معاهدة السلام الموقعة مع إسرائيل العام 1994.
المتابع لجلسات مجلس النواب الذي انتُخبَ في أيلول الماضي، يجد أن حجم التظلم واسعٌ حتى بين المغالين في «الموالاة» من الإجراءات الاقتصادية التي أدت إلى تصاعد متسارع في الأسعار وهبوط مقلق في مستوى المعيشة. لكن مشاعر الغُبْن هذه لم تنعكس في نتائج تصويت الثقة. إذ إن الثقافة السياسية المهيمنة تنبع من الخوف ومن سيادة المحسوبية وعقلية العصبية العشائرية والمناطقية، وحلولها مكان ثقافة التمثيل والمساءلة. فالنظام عملَ ولعقود على تقويض نفوذ الأحزاب والمشاركة السياسية، وجاءت التعديلات الدستورية في شهر نيسان الماضي لتقضي على الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، مركزة السلطات كافة بيد الملك، وموجّهة رسالة ضمنية الى المواطن بأن لا قرار له ولا تأثير للمشاركة السياسية بأشكالها كافة على قرارت متخذة مُسبقاً، وكأن لا صوت ولا وجود لمواطنٍ أو لمجلسِ نوابٍ أو حتى لحكومة.
في موازاة ذلك، تولّت العقلية العُرفية زرع الخشية من التعبير السياسي، خاصة في الجامعات الأردنية، ما مهّد لعنف جامعي غير مسبوق، إذ إن الأجهزة الأمنية تتعامل مع الاعتصامات الطالبية السلمية اعتراضاً على رفع الرسوم الأكاديمية كخطر أكبر من إدخال السلاح الأبيض والناري إلى داخل الحرم الجامعي، لأن منع التنظيم السياسي يحظى بالأولوية. لذا، فلا عجب أن تفرزَ الانتخابات نواباً، معظمهم غير مسيّس وفاقد القدرة على تقديم طرح سياسي أو اجتماعي، ما عدا قلة قليلة لا تتمثل بتيارات أو ائتلافات، وباستثناء التيار الإسلامي وتيار الدولة المدنية الذي يقوده النقابي البارز خالد رمضان، والذي يتمثل بنائبين هما رمضان وقيس زيادين حفيد القائد الشيوعي يعقوب زيادين. وكلا التيارين رفض إعطاء الثقة لأسباب متقاطعة ومتعارضة وفقاً للقضية المعنية.
لكن تأثير المعارضة داخل البرلمان يعتمد على قدرتها في تشكيل ائتلافات حول المواضيع المشتركة. إذ إن الانقسام الطولي بين تيار علماني وتيار الإسلام السياسي قد يُدخل النواب في معركة تحييد الاهتمام عن القضايا الاجتماعية والسياسية، خاصة أن النظام نجح في ذلك من خلال إدارته لـ«حملة تعديل المناهج» التي بدت وكأنها معركة ضد الدين، والتي وجد فيها الإسلاميون فرصة للتحشيد المقابل، ما خلق ثنائية تمنع تغييراً جذرياً لنظام تعليمي يكبت حرية التفكير النقدي على المستويات كافة.
العائق الثاني بوجه المعارضة هو ظاهرة الانقسام «الإقليمي» بين أردني وأردني من أصل فلسطيني، ما أدّى إلى توجيه جزء كبير من غضب مشروع في دوافعه إلى «الآخر» ووفقاً «للأصل والمنبت»، نتيجة لسياسة تفرقة ممنهجة، بدلاً من التركيز على جذور غياب المساواة الاقتصادية والاجتماعية.
في المحصلة أصبح النظام يدير الدولة كما يشاء من دون مساءلة حول السياسة الخارجية وبالأخص ملفات العلاقة مع الكيان الإسرائيلي وطبيعة الدور الأردني في سوريا والعراق. فجميعها «تُقَدَم» كمسائل لا جدوى من التعارض معها أو حتى النقاش فيها، لأنها من صلاحيات الملك عبدالله دون غيره من «علاة قومٍ» أو بقية «الرعية». فمفهوم المواطنة مرفوض ولا مكان سوى لمكرماتٍ بلا من حقوق. كما أن التعديلات التي جرّدت الحكومة من الولاية العامة تجعل من الجميع أدوات تطيع من دون تفكير. بالتالي، لا يمكن إحداث تغيير أو تأثير من دون تحدي هذه التغييرات التي أفقدت الدستور الأردني فعاليته، كضمانة لسيادة القانون وحماية الدولة، والتي أريد منها ضمان السيطرة الكاملة ومنع بروز معارضة منظمة. لكن هذه الرؤية قصيرة النظر. إذ لا حماية لنظام أو بلاد تبنى على استراتجية تفتيت مجتمعي في سبيل ولاء زائف.

عن السفير

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط