كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في الاردن حين نطقت العدالة بلسان الشهداء : القصاص العادل دفاعاً عن الوطن وحمايةً للمجتمع

لم تعرف المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها تحدياً أكثر خطورة من الجريمة لما تسببه من تهديد للأمن والاستقرار والسلم المجتمعي ورغم تطور القوانين وتعدد وسائل المكافحة بقيت العقوبة إحدى أهم أدوات الدولة لحماية المجتمع وصون الحقوق وردع المعتدين وحيث لا تكتسب العقوبة مشروعيتها الحقيقية إلا حين تكون متناسبة مع جسامة الجريمة وقادرة على تحقيق العدالة وإعادة التوازن الذي اختل بفعل الاعتداء على الأرواح والممتلكات ومن هذا المنطلق جاءت عقوبة الإعدام في الجرائم الأشد خطورة باعتبارها إحدى وسائل حماية المجتمع وإنصاف الضحايا وترسيخ هيبة القانون

في لحظة حاسمة حملت الكثير من الدلالات القانونية والأمنية والوطنية أعلنت الحكومة الأردنية تنفيذ أحكام الإعدام بحق ستة مجرمين أدينوا في قضايا إرهابية وجنائية أودت بحياة عدد من أبناء الوطن من منتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وذلك بعد استكمال جميع الإجراءات القضائية والدستورية واكتساب الأحكام الدرجة القطعية وقد أكد رئيس الوزراء جعفر حسان خلال جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في محافظة الزرقاء أن تنفيذ هذه الأحكام يشكل رسالة واضحة ومستمرة لكل من يجرؤ على الاعتداء على نشامى القوات المسلحة والأجهزة الأمنية مشدداً في الوقت ذاته على توجه الحكومة نحو تعديل التشريعات بما يوسع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام بحق كبار تجار ومهربي المخدرات المرتبطين بالعصابات الخارجية التي تستهدف أمن الأردن واستقراره

القرارات التنفيذية النهائية جاءت في توقيت بالغ الحساسية وفي ظل تنامي المخاطر التي تواجه المجتمع الأردني سواء من الإرهاب أو من عصابات المخدرات التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى كابوس وتهديد حقيقي للأمن الوطني والسلم المجتمعي حيث لم يكن تنفيذ الأحكام مجرد إجراء قانوني عابر بل مثّل إعلاناً واضحاً بأن الدولة بهيبتها لا تزال تمتلك أدوات الردع والحسم وأن دماء الشهداء الذين سقطوا أثناء أداء واجبهم المقدس لن تضيع أو تتحول إلى أرقام منسية في سجلات المحاكم والملفات القضائية

باستعادة الذاكرة للأحداث المؤسفة نجد ان قضية خلية السلط الإرهابية التي وقعت عام 2018 تم تنفيذ حكم الإعدام بحق المدانين المسؤولين عن الجريمة التي استشهد فيها المقدم معاذ خميس الدماني والوكيل علي عدنان قوقزة والرقيب هشام عبد الرحمن ضيف الله العقاربة والعريف محمد أحمد بني ياسين والعريف محمد خالد الهياجنة والعريف أحمد إدريس الزعبي وهي أسماء ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن وتاريخه باعتبارها نماذج مشرفة للتضحية والفداء في مواجهة الإرهاب والتطرف

كما شمل تنفيذ الأحكام ايضا المدان المسؤول عن الجريمة الإرهابية التي أدت إلى استشهاد العميد عبد الرزاق الدلابيح عام 2022 الذي هز استشهاده حينها وجدان الأردنيين جميعاً وشرفاء العالم وأعاد التذكير بحجم التحديات التي تواجهها الدولة في معركتها المستمرة ضد دعاة الفوضى والعنف والكراهية

الأحكام امتدت كذلك إلى عدد من كبار تجار المخدرات الذين لم يكتفوا بتسميم المجتمع وتخريب مستقبل الشباب بل أقدموا على قتل رجال الأمن أثناء أداء واجبهم حيث استشهد العريف حسام طالب العبادي عام 2014 والوكيل محمد سلامة السقرات عام 2017 والملازم أول أحمد خالد الرواحنة عام 2018 وهي جرائم بشعة تؤكد أن المخدرات لم تعد مجرد تجارة محرمة وإنما تحولت إلى مشروع إجرامي متكامل يستهدف الإنسان والأمن والدولة في آن واحد

اللافت إن أهمية هذه الأحكام لا تكمن فقط في معاقبة الجناة وإنما في إعادة الاعتبار لمفهوم الردع الذي يشكل أحد أهم أهداف العقوبة في أي نظام قانوني فحين يشعر المجرم أن أقصى العقوبات قد جمدت أو أصبحت حبراً على ورق تتراجع رهبة وهيبة القانون وتتزايد الفوضى والجرأة على ارتكاب الجرائم الخطيرة أما حين يعلم المجرمين أن الدولة تنفذ أحكامها بحزم وعدالة فإن الرسالة تصل بوضوح إلى كل من يفكر بالاعتداء على الأرواح أو العبث بأمن المجتمع

من هنا تبدو المطالبة بتوسيع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام على كبار تجار ومهربي المخدرات مطلباً منطقياً ومبرراً في ظل التحولات الخطيرة التي تشهدها المنطقة خاصة وان هؤلاء لا يختلفون في جوهر أفعالهم عن القتلة المباشرين لأنهم ينشرون الموت البطيء بين الشباب ويدمرون الأسر ويهدرون الطاقات الوطنية ويحولون آلاف الضحايا إلى مشاريع دمار وانهيار اجتماعي وصحي وأمني ولذلك فإن التعامل معهم يجب أن يكون بمستوى حجم الخطر الذي يمثلونه على الدولة والمجتمع

بموازاة ذلك لا يقل أهمية إعادة النظر في السياسة الجنائية المتعلقة بجرائم القتل العمد التي شهدت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً وأخذت في بعض الأحيان أشكالاً صادمة من الوحشية والاستهتار بحرمة الحياة الإنسانية الأمر الذي يستوجب مراجعة تشريعية شاملة للقوانين وبما يضمن تشديد العقوبات وعدم السماح بتحول الجريمة إلى خيار سهل أمام أصحاب السوابق والمجرمين الخطرين

لا يخفى على احد ان المجتمعات البشرية لا تستقر بالنوايا الحسنة وحدها وإنما ببسط سيادة القانون وفرض هيبة الدولة واليقين بأن من يعتدي على حياة الآخرين سيدفع ثمناً يتناسب مع حجم جريمته ولذلك فإن توسيع نطاق عقوبة الإعدام في جرائم القتل العمد والجرائم المنظمة والاعتداءات المسلحة الخطيرة وأعمال البلطجة التي تفضي إلى القتل أو تهدد أمن المجتمع يجب أن يكون جزءاً اساسيا من رؤية وطنية متكاملة لحماية المواطنين وصون السلم الأهلي وتعزيز الثقة بمنظومة العدالة

العامل المهم في هذا المسار أن استمرار تنفيذ الأحكام القطعية وعدم إبقائها مجمدة لسنوات طويلة يحقق هدفاً بالغ الأهمية يتمثل في ترسيخ الثقة بالقضاء وإيصال رسالة واضحة بأن العدالة ليست شعاراً نظرياً وإنما ممارسة فعلية تنصف الضحايا وتحمي المجتمع وتمنع تكرار الجرائم وان القانون الذي لا يطبق يفقد أثره الرادع ومكانته المجتمعية مهما بلغت صرامة نصوصه وغلظة قراراته

التجارب العملية في مختلف دول العالم أثبتت أن التهاون مع الجرائم الكبرى لا ينتج أمناً ولا استقراراً بتاتا بل يشجع المجرمين على التمادي والجراءة بينما الحزم والالتزام القانوني يؤدي إلى تعزيز هيبة الدولة وتقليص مساحة الجريمة وحماية الفئات الأكثر عرضة للاستهداف وفي مقدمتها الشباب الذين باتوا يواجهون حرباً مفتوحة من شبكات المخدرات والجريمة المنظمة

الرسالة الواضحة والمفتوحة التي حملها تنفيذ هذه الأحكام تتجاوز الأشخاص الذين نالوا جزاءهم القانوني لتصل إلى كل من تسول له نفسه العبث بأمن الأردن أو استهداف أبنائه أو الاعتداء على رجاله الذين يسهرون على حماية حدوده واستقراره والدولة التي تكرم شهداءها بالقصاص العادل وتنتصر لسيادة القانون هي دولة واثقة من نفسها وهي تؤكد أن الأمن ليس شعاراً سياسياً وإنما عقداً وطنياً مقدساً يحمي الجميع

حقيقة لا يمكن انكارها ان أخطر ما يميز ملف المخدرات اليوم أنه لم يعد مجرد نشاط إجرامي يسعى إلى تحقيق الربح غير المشروع بل تحول في كثير من الحالات إلى أداة تستخدمها شبكات عابرة للحدود تستهدف إضعاف المجتمعات واستنزاف طاقات الشباب وضرب الاستقرار الداخلي للدول ومن هنا فإن التعامل مع كبار المهربين والمتعاونين مع العصابات الخارجية يجب أن ينظر إليه بوصفه جزءاً مهما من معركة الدفاع عن الأمن الوطني لا باعتباره مجرد ملف جنائي تقليدي لان المخدرات حين تستهدف العقول وتدمر الأسر وتستنزف الموارد البشرية تصبح تهديداً استراتيجياً لا يقل خطورة عن الإرهاب أو الاعتداء المسلح على مؤسسات الدولة وكيانها

عمليا لم تعد قوة الدول تقاس بما تمتلكه من مؤسسات وأجهزة وإمكانات فقط بل أيضاً بقدرتها على إنفاذ القانون بعدالة وحزم وحين يتيقن المواطن أن حقوقه مصونة وأن حياة أبنائه محمية وأن المجرم لن يفلت من العقاب تتعزز الثقة بالدولة وتتراجع مظاهر الفوضى والعنف أما حين تتراخى العقوبات أو تتأخر العدالة فإن ذلك يفتح الباب الواسع أمام شعور خطير بالإفلات من العقاب ولذلك فإن استمرارية تنفيذ احكام الاعدام القطعية في الجرائم الكبرى بات يمثل ضرورة قصوى لحماية السلم المجتمعي وترسيخ هيبة القانون وصون أمن المواطنين

ختاما : إن تنفيذ القصاص العادل ليس انتقاماً كما يحاول البعض تصويره بل هو أحد أركان العدالة وحماية المجتمع وصيانة الحق في الحياة والرحمة الحقيقية التي يطالب بها البعض يجب ان تبدأ بحماية الأبرياء قبل الشفقة على المجرمين وحفظ دماء المواطنين قبل البحث عن الأعذار لمن استباحوها وعندما تنتصر العدالة لدماء الشهداء فإن الوطن كله يشعر بأن القانون ما زال قادراً على حماية الحاضر وصناعة مستقبل أكثر أمناً واستقراراً ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ صدق الله العظيم

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط