كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

علي الغائب الحاضر دوماً..

في الذكرى التاسعة لوفاة الشاعر والأديب "علي الخليلي"

في الذكرى التاسعة لوفاة الشاعر والأديب "علي الخليلي"

تاريخ النشر: 2022-11-17 | 09:47

قبل تسع سنوات صبيحة الثاني من شهر تشرين الأول عام 2013 رحل عنا أخي وصديقي ورفيق عمري علي "أبو سري" بعد معاناة شديدة من مرض أتعب جسده ولم يتعب روحه، التي ظلت تقاوم، حتى غفا غفوته الأخيرة صبيحة ذلك اليوم
مساء يوم الاثنين الماضي (14/11) أقام متحف محمود درويش ندوة لتكريم علي "أبو سري" الشاعر المبدع وكاتب التراث المميز، في إطار برنامجه (ذكرى مبدع)، شارك فيها الشاعر الكبير عبد الناصر صالح، والشاعر الدكتور وائل أبو عرفه، وتحدث كلاهما عن ذكرياته مع علي وعن مجالات إبداعه المتعدة ودوره في تنشيط الحركة الأدبية في فلسطين وتأطيرها ورعاية جيل من الكتاب والشعراء نما وشب على يديه.
وتحدثتُ في الندوة مبينا منابع علي الفكرية الأولى منذ الطفولة، ومحطات مساره الادبي منذ بدأ نشاطه الإبداعي من حارة الياسمينة في نابلس الى غربته للعمل والدراسة، ثم عودته واستقراره في الوطن.
جمعتني وأخي على رفقة وصداقة عميقة، كنا أخان لستة أخوة وثلاثِ أخوات، لعائلة امتهنت صنعَ الكعك والقرشلة في فرن صغير على أطراف حارة الياسمينة، هناك حيث بدأ علي مشوارَه الأدبي، في بئره الأولى، قارئا وملتهما كتبَ ومجلات مكتبة الوراق/ المغربي التي تقع على مقربة من الفرن وبيتِنا العتيق في حارة الياسمينة، هناك كون علي مخزونَه الأدبي والثقافي الذي راكم عليه وغذاه حتى آخرَ أيام عمره.

برز علي بداية كشاعر بفترة مُبكرة من عمره، ونشر أولى قصائده في فلسطين وهو لايزال طالبا في الصف الثالث الإعدادي أواخر الخمسينيات. وواصل نظمَ القصائد ونشرَها في الصحف المحلية، ولاحقا في مجلة الآداب اللبنانية.
بعد أن أنهى على دراسته الثانوية عام 1962 انتسب للدراسة في جامعة بيروت العربية، وذهب للعمل مدرسا في السعودية. وفي غربته التي زادت على أربعةِ عشر عاما، واصل تنمية وتطوير مشروعه الثقافي. كان علي ينهل من كل ما حوله، دائمَ الاطلاع، ودائم المراكمة والأرشفة، يُطور أدوات فكره ومصادره، ويحضر لمشروعه الأدبي المرتبط بالأرض والوطن، الشعر كان طريقه، والمعرفة كانت هدفه.
في العام 1973 أصدر الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين في بيروت الديوان الشعري الأول لعلي "تضاريس من الذاكرة" وخلال الأعوام الثلاثة اللاحقة (1974-1976) نشرت له دار العودة في بيروت عدةَ دواوين شعرية منها: جدلية الوطن، وحدك ثم تزدحم الحديقة، تكوين للوردة، ونابلس تمضي إلى البحر.

بالإضافة الى الشعر اهتم علي بدراسة التراث الشعبي الفلسطيني كالأمثال والأغاني الشعبية، التي جمعها من افواه الناس بشكل مباشر، كان دائما يحمل دفتره وقلمه ويسجل ويوثق، ومن ثم يفرز ما وثق ويصنفه بمنهجية علمية، وتحليل لمدلولاته الاجتماعية والطبقية. وكانت باكورةُ انتاجه في هذا المجال، كتابَه القيٍّم والمُميز (التراث الفلسطيني والطبقات، دراسة تراثية في طبقات المجتمع العربي الفلسطيني من خلال الأمثال الشعبية). وصدر الكتاب عن دار الآداب في بيروت منتصف عام 1977. وصدر له لاحقا عدةُ كتب في القدس وبيروت، حول جوانبَ عدة من التراث والموروث الشعبي الفلسطيني منها: أغاني العمل والعمال في فلسطين، وأغاني الأطفال في فلسطين والبطل الفلسطيني في الحكاية الشعبية. فعلي كان دائما يرى في دور المثقف أن يكون جزءا من حركة الجماهير، يأخذ منهم ويعطيهم، مندمجا في اليومي والعادي، يتعلم من التفاصيل والمعرفة الشعبية، فهي بالنسبة له مخزون فلسطين الثقافي الذي لابد من الحفاظ عليه وتطويره.
منتصف شهر آذار عام 1977 التقينا في تونس أثناء مشاركتنا في المؤتمر الثاني للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وهناك أخبرني علي بقراره النهائي إنهاءَ عمله في ليبيا حيث كان يعمل منذ عدة سنوات والعودةِ إلى الوطن، وليبدأ مرحلة جديدة في حياته، كما قال، وانه من هناك ومع الناس والجيل الجديد من المبدعين والمثقفين في الأرض المحتلة، سيكمل مشواره الأدبي ويواصل بناء وتطوير مشروعه الثقافي على أرض الوطن. أكبرت موقفه وتمنيت له التوفيق والنجاح.
بعد حوالي ثلاثة أشهر أنهى علي كافةَ أعماله في ليبيا، ومر بي في بيروت في طريق عودته الى الوطن، متشوقا للعودة مسرعا لرؤية الوالدة في نابلس، وكم كان مؤلما حين أخبرته خبر وفاتها قبل فترة وجيزة بعد اشتداد المرض عليها. بكينا كثيرا ليلتها، فقد كان خبرا صعبا علينا، وخاصة على علي. علي كان إبن أمه، كان رقيقا مثلها، حنونا وهادئا مثلها، قويا ومثابرا مثلها، كان علي طيبا وعنيدا، وطويل البال مثل أمه، ما مكنه دائما من الاستمرار والعمل تحت ظروفٍ وعواملَ صعبةٍ وقاسية.
غادر علي صباح اليوم التالي، واتفقنا أن نبقى على تواصل ما سمحت به الحال، هو في الداخل وأنا في الخارج، وكانت الرسائل هي طريقة تواصلنا عبر عنوان وسيط لأحد معارفنا في أوروبا.
بعد عودته بأشهر قليلة، جرى اعتقاله من قبل السلطات الإسرائيلية، ومكث في المعتقل عدة أشهر دون ـتوجيه أي تهمة له. بعد خروجه من السجن صفى المكتبة الصغيرة التي انشأها في دكان صغيرة وسط البلد لبيع الكتب والقرطاسية، ووجد عملا في جريدة الفجر المقدسية كمحرر ثقافي، وبعد فترة قصيرة تولى مسؤولية مدير التحرير فيها، وبعد أقل من سنتين أصدر مجلة "الفجر الأدبي" وتولى رئاسةَ تحريرها بنفسه، حيث شكلت منبرا لكل المبدعين من الشباب والشابات لنشر إبداعاتهم، والعمل على دعمهم ورعايتهم بالتوجيه والإرشاد، وكم من مثقف ومبدع من جيل الثمانينيات "نما وشب وتخلق بفعل متابعة علي الحثيثة ورعايته الأكيدة" كما قال الشاعر الكبير مراد السوداني، أو كما قال الشاعر الكبير المتوكل طه "نحن جيل الثمانينيات من الشعراء والكتاب كان لنا أستاذ واحد هو علي الخليلي".
وانطلاقا من رؤية على أن الثقافة لا تكتملُ بالفرد وإنما بالمجموعة والمجتمع، فبادر لتأطير الحركة الثقافية، وعمل بالتعاون مع عدد من الكتاب والصحفيين على تأسيس اتحاد للكتاب الفلسطينيين ورابطة للصحفيين تحت مسمى رابطة الصحفيين العرب. وعمل على تعزيز العلاقات مع الكتاب الفلسطينيين من فلسطينيي ألـــ 48، وتكثيف اللقاءات المشتركة معهم، بين حين وآخر. وبذلك اكتملت تقريبا، ركائز المشروع الثقافي الذي كان يحلم به علي، بتوفير أدوات نموه وتطوره.

واصلت مجلة الفجر الأدبي الصدورَ شهريا، وصدر منها أكثرُ من ستين عددا، وكانت أداة علي الثقافية لرعاية المبدعين من الشباب والشابات واحتضانهم، وتشكل المجلة حاليا مرجعا هاما حول تاريخ الحركة الثقافية في الأرض المحتلة خلال الثمانينيات من القرن الماضي. وبنفس الوقت واصل علي انتاجه الأدبي والكتابي في مختلف صنوف الكتابة الإبداعية من شعر ورواية وأدب أطفال ونقد ودراسات في التراث الشعبي والمقالة الصحفية. بحيث بلغ مجموعُ كُتبه المنشورة خلال أربعة عقود ما يزيد على أربعين كتابا، إضافة إلى مقالاته الصحفية في الصحف والمجلات المحلية والعربية.
علي " أبو سري" المعروف بتواضعه ودماثته وخلقه الرفيع كان قريبا من الجميع، وخدم وطنه والثقافة الفلسطينية بصدق وإخلاص "ولم يكن ليمتطي الثقافة من أجل وظيفة أو كسب من أي نوع" كما قال عنه مرة الناقد وليد أبو بكر. وعندما تم إنشاء السلطة الوطنية بعد أوسلو، لم يرغب في العمل مع السلطة الناشئة، وواصل عمله الصحفي في مجلة (Jerusalem Times) التي كانت تصدر في القدس، وبعد إغلاق المجلة وافق على العمل كمدير عام في وزارة الثقافة، ولم يجرٍ أي تغيير على وضعه الوظيفي حتى تقاعده.

قبل وفاته بسنتين، جرى تكريمه بمنحه وسام الاستحقاق والتميز، وسمته وزارة الثقافة الفلسطينية شخصية العام الثقافية للعام 2011، وبادرت الوزارة وبيت الشعر بطباعة أعمالَه الشعرية المنجزة وإصدارها في ثلاثة مجلدات. ورغم أهمية أن يشهد المثقف تكريمه، إلا أن علي دائما ما وجد تكريمه في الناس والمجتمع، وحين يذكره جيل المبدعين الذين رعاهم وأصبحوا الآن عماد الحركة الثقافية الفلسطينية.
عشية وفاته، أحضر له الشاعر مراد السوداني نسخة من المجموعة، تصفحها وهو بين غافٍ وصاحٍ. وفي صباح اليوم التالي غفا غفوته الأخيرة.
رحم الله أبا سري

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط