كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد شهيد لقمة العيش محمد رمزي رشدي موسى

في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد شهيد لقمة العيش محمد رمزي رشدي موسى

تاريخ النشر: 2026-07-20 | 10:33

سامي إبراهيم فودة
سامي إبراهيم فودة

ليست كل الشهادات تُصنع في ساحات القتال، فبعضها يولد في ميادين الجوع، وبعضها يُكتب على أرصفة الانتظار، وبعضها الآخر يُسطره شبابٌ خرجوا يبحثون عن رغيف خبزٍ لأهلهم فعادوا محمولين بأكفان المجد إلى السماء. وفي غزة الجريحة، حيث اختلط وجع الحصار بمرارة المجاعة، وحيث أصبح الطحين أمنيةً والرغيف حلماً، ارتقى الشهيد الشاب محمد رمزي رشدي موسى ليمنح لمعنى التضحية وجهاً جديداً، وليصبح رمزاً من رموز الكرامة الإنسانية في زمنٍ عزّت فيه الحياة.

في العشرين من تموز/يوليو عام 2025، دوّى الخبر كالصاعقة في قلب عائلته وأصدقائه ومحبيه. لم يكن محمد يحمل سلاحاً، ولم يكن في مهمةٍ قتالية، ولم يكن يسعى وراء مصلحة شخصية أو منفعة ذاتية؛ بل خرج للمرة الأولى في حياته إلى منطقة توزيع الطحين، مدفوعاً بإحساسه العميق بالمسؤولية تجاه أسرته المكونة من عشرة أفراد، والتي كانت تعاني كما يعاني أبناء غزة جميعاً من قسوة الجوع وضيق الحال.

خرج وهو يحمل أملاً بسيطاً؛ أن يعود بكيس طحين يخفف عن أهله شيئاً من قسوة الأيام. لكنه لم يعد حاملاً الطحين، بل عاد محمولاً على الأكتاف، مزفوفاً إلى السماء شهيداً، ليتحول اسمه إلى عنوانٍ موجع ومشرّف في آنٍ واحد: شهيد لقمة العيش.

وُلد محمد رمزي رشدي موسى في السادس عشر من تموز/يوليو عام 2004، ونشأ في كنف أسرةٍ فلسطينية أصيلة، يقودها والده المناضل القائد أبو رشدي الذي غرس في أبنائه قيم الانتماء والكرامة وتحمل المسؤولية. وكان محمد الثاني بين إخوته الذكور، والرابع بين أفراد الأسرة، لكنه كان أكبر من عمره بكثير في وعيه وأخلاقه وشعوره بواجباته تجاه من يحب.

عرفه كل من عرفه شاباً خلوقاً مهذباً، نظيف القلب واللسان، أنيق المظهر، حسن الهيئة، جميلاً في أخلاقه كما في طلعته. كان حضوره محبباً أينما حل، وكانت ابتسامته الصادقة تسبق كلماته إلى القلوب. لم يكن من أولئك الذين يبحثون عن الأضواء، بل كان من الذين يصنعون أثرهم بصمتٍ وهدوء واحترام.

أنهى دراسته الثانوية العامة "التوجيهي"، وكان من الشباب الفاعلين في صفوف الحركة والشبيبة الطلابية في مدرسته، يشارك في الأنشطة الوطنية والاجتماعية، ويؤمن بأن الشباب هم رصيد الوطن ومستقبله. حمل في قلبه أحلاماً كثيرة وطموحات واسعة، وكان يتطلع إلى مستقبلٍ يحقق فيه ذاته ويخدم أسرته ووطنه، لكن القدر اختار له طريقاً آخر، طريق الشهادة والخلود.

وفي يوم استشهاده، كتب الوفاء واحدةً من أجمل صفحاته. فحين سقط محمد شهيداً في منطقة زكيم، لم يتركه صديق طفولته ورفيق عمره وحيداً. حمله على كتفيه متحدياً الخوف والخطر، وسار به مسافات طويلة من منطقة زكيم حتى دوار السودانية، في مشهدٍ يختصر معاني الصداقة الحقيقية والوفاء النادر. ومن هناك جرى نقله إلى عيادة الشيخ رضوان، قبل أن يعود إلى منزله محمولاً كالعريس، تسبقه دموع الأحبة ودعوات الصابرين.

وفي مشهدٍ مهيب اختلطت فيه الدموع بالفخر، استقبلته أسرته للمرة الأخيرة. وقف والده المناضل أبو رشدي أمام جسد ابنه الطاهر بقلبٍ يعتصره الألم، لكنه قلب المؤمن المحتسب الذي يعلم أن الشهداء لا يموتون. صلّى عليه أهله وأحباؤه صلاة الجنازة، ثم شيعوه إلى مثواه الأخير في مقبرة الصفطاوي، حيث وارى الثرى جسده الطاهر، بينما بقيت روحه تحلق في فضاءات المجد والخلود.

لقد كان رحيل محمد خسارةً موجعة لعائلته ولكل من عرفه، لكنه في الوقت نفسه كان شهادةً عظيمة على نقاء هذا الجيل الفلسطيني الذي ما زال يقدم أبناءه قرابين للحياة والكرامة. جيلٌ كان يفترض أن ينشغل بالدراسة والعمل وبناء المستقبل، فإذا به يواجه الجوع والحصار والموت، ويضطر أحياناً إلى المخاطرة بحياته من أجل تأمين أبسط مقومات العيش لأسرته.

عامٌ كامل مضى على رحيل محمد، لكن الغياب لم يستطع أن ينتزع حضوره من القلوب. فما زالت صورته الأنيقة معلقةً في الذاكرة، وما زالت ابتسامته تضيء زوايا البيت، وما زال اسمه يتردد في أحاديث الأهل والأصدقاء والجيران بكل محبة وفخر. وما زال والده أبو رشدي يرى فيه الابن البار، والشاب النبيل، والرجل الذي حمل مسؤولية أسرته حتى آخر لحظة من حياته.

وفي ذكراه السنوية الأولى، لا نقف أمام قصة استشهاد فردٍ فحسب، بل أمام حكاية وطنٍ كامل، وأمام شهادة دامغة على قسوة هذا الزمن الذي جعل من الرغيف مشروع شهادة، ومن الطحين طريقاً إلى الخلود. نقف أمام سيرة شابٍ أحب الحياة، فأحبه الناس، وأحب أسرته، فوهب حياته من أجلها، وأحب وطنه، فبقي اسمه محفوراً في ذاكرته.

يا محمد...

يا شهيد الرغيف والكرامة...

يا صاحب الوجه الوضيء والخلق الرفيع والقلب النقي...

نم قرير العين في عليائك، فقد تركت خلفك سيرةً عطرة لا يطويها النسيان، وأثراً جميلاً لا تمحوه السنوات، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفك.

رحمك الله رحمةً واسعة، وأسكنك الفردوس الأعلى من الجنة، وجعل ذكراك نوراً يرافق أهلك ومحبيك، وألهم والدك المناضل القائد أبو رشدي، ووالدتك الكريمة، وإخوتك وأحبابك جميل الصبر والسلوان.

سلامٌ على محمد يوم وُلد، ويوم عاش كريماً نبيلاً، ويوم ارتقى شهيداً وهو يبحث عن لقمةٍ لأهله، ويوم يُبعث حياً عند رب العالمين.

فالشهداء لا يموتون... بل يتحولون إلى ذاكرة وطن، وإلى نجومٍ تضيء دروب الأحرار جيلاً بعد جيل.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط