تاريخ النشر: 2026-09-23 | 15:49
تاريخ النشر: 2026-09-23 | 15:49
لا تبدو إسرائيل، وهي تقترب من انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر/تشرين الأول، بصدد انتظار نتائجها لتحديد سياساتها تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل تعمل على استثمار الفترة السابقة عليها لفرض وقائع ميدانية وسياسية قد يصعب تغييرها لاحقا. وبينما يتحدث الرئيس ترامب عن إنهاء الحرب وترتيبات السلام، تتوالى التصريحات الإسرائيلية التي تربط مستقبل غزة باستمرار السيطرة العسكرية ونزع السلاح، وتعيد طرح التهجير بوصفه خيارا سياسيا قابلا للتنفيذ. السؤال ليس فقط ما إذا كانت إسرائيل تستعد لهجوم جديد، وإنما ما الذي تسعى إلى تحقيقه قبل الانتخابات، وما حدود الغطاء الذي توفره لها الإدارة الأمريكية.
جاء تهديد وزير جيش الاحتلال، يسرائيل كاتس، في 22 سبتمبر، بتدمير ما تبقى من مدينة غزة وإجبار نحو مليون فلسطيني على النزوح جنوبا، في حال اختطاف جندي أو مواطن إسرائيلي، ليكشف أن استهداف المدنيين وفرض العقاب الجماعي ليسا مجرد أدوات للضغط والردع، كما قد يذهب البعض، بل يندرجان في صلب الهدف الحقيقي لحرب الإبادة. أما الذرائع، سواء تعلقت بنزع السلاح أو اختطاف إسرائيلي أو غير ذلك، فليست سوى مبررات تستدعيها إسرائيل لتبرير استمرار هذا النهج أمام الرأي العام العالمي، ومن ثم توسيع نطاق التدمير والتهجير. بالطبع، لا ينبغي التعامل مع هذا التهديد باعتباره مجرد خطاب انتخابي، حتى إن كان يخدم تعبئة الجمهور الإسرائيلي. فهو ينسجم مع مسار أوسع يقوم على إبقاء غزة تحت الضغط العسكري، وتوسيع السيطرة على الأرض، وتحويل أي حادث أمني إلى ذريعة لاستئناف التدمير والنزوح.
لم يبق إلا التهجير!
وفي موازاة ذلك، انتقل إيتمار بن غفير من الدعوة العامة إلى التهجير إلى طرح خطة محددة أطلق عليها "فك الارتباط 710"، تستهدف إخراج 1.86 مليون فلسطيني من غزة خلال سبع سنوات، وإنشاء وزارة للهجرة، وتخصيص تمويل وآليات للتنفيذ. كما أعلن في 22 سبتمبر/أيلول خطة أمنية تشمل تشجيع الهجرة من غزة والضفة الغربية ونزع سلاح أجهزة الأمن الفلسطينية. بالطبع، هذه التطورات، وغيرها، تشير إلى أن التهجير لم يعد مجرد شعار هامشي لدى اليمين الإسرائيلي، بل أصبح مطلبا يجري تنظيمه وتقديمه إلى الجمهور والائتلافات السياسية. واستخدام تعبير "الهجرة الطوعية" لا يغيّر من حقيقة أن تدمير المساكن، وإطالة النزوح، وتقييد شروط البقاء يمكن أن تحول المغادرة إلى خيار مفروض تحت ضغط الضرورة. والأهم أن ذلك يجري في سياق أوسع من إعادة تشكيل الصراع نفسه. فعلى مدى عقود، نجحت إسرائيل في إضعاف منظمة التحرير وتهميش دورها، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى كيان محدود الصلاحيات، وتعميق السيطرة على الأرض في الضفة وغزة، فيما تعرضت الحركة الوطنية الفلسطينية للاستنزاف والانقسام وتراجع قدرتها على الفعل النضالي، بينما خفت تدريجيا حدة ردود الفعل الدولية أمام استمرار الأمر الواقع. من هنا يمكن فهم تصاعد خطاب التهجير، كونه يعالج المشكلة الأبرز وهي القنبلة الديموغرافية والوجود الفلسطيني المادي على أرض فلسطين، وباعتباره جزءا من تصور أوسع لمستقبل الصراع، لا مجرد استجابة مؤقتة لحرب غزة. فكلما تراجعت قدرتنا على تحويل وجودنا السكاني إلى قوة سياسية وطنية فاعلة، وكلما ترسخت السيطرة الإسرائيلية على الأرض، يصبح السؤال الديموغرافي أكثر حضورا في الحسابات الإسرائيلية. ولهذا يبدو أن قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي، لا يرضيها الاكتفاء بإدارة الصراع، بل تدفع نحو إعادة هندسة الواقع بين النهر والبحر بما يضمن أكبر قدر ممكن من الأرض وأقل قدر ممكن من السكان الفلسطينيين.
هل توفر واشنطن الغطاء؟
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها لا تدعم إخراج الفلسطينيين من غزة قسرا، وأن خطة ترامب تنص على عدم إجبار أحد على المغادرة. لكن هذا الرفض يواجه اختبارا عمليا مع استمرار الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، وامتناع واشنطن عن استخدام نفوذها للضغط عليها من أجل تنفيذ الالتزامات التي تنص عليها الخطة. فالإدارة الأمريكية لا تنظر إلى غزة باعتبارها قضية إنسانية منفصلة عن مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية. يكشف إنشاء ترتيبات دولية لإدارة القطاع، وما تردد عن خطط لبناء منشأة عسكرية كبيرة تستوعب نحو خمسة آلاف فرد، عن أن البعد الأمني والاستراتيجي حاضر بقوة في التصور الأمريكي للمرحلة المقبلة.
وفي الوقت نفسه، لم تختفِ تماما التصورات الاقتصادية التي طرحها ترامب لغزة، حتى وإن تراجع حضور مشروع "ريفييرا غزة" في الخطاب الإعلامي. فخطة ترامب التي أقرها مجلس الأمن بالقرار 2803 شرعنت "مجلس السلام" برئاسة ترامب نفسه، وأقرت ترتيبات دولية انتقالية للإدارة وإعادة الإعمار والأمن، وعلى إنشاء منطقة اقتصادية خاصة، مع تأجيل الحديث عن مسار واضح للدولة الفلسطينية إلى مراحل لاحقة مرتبطة بشروط سياسية وأمنية. أما صفقة السلاح الأمريكية المقترحة لإسرائيل بقيمة 2.8 مليار دولار، وتشمل 40 ألف قنبلة زنة ألفي رطل، فتقدم دليلا عمليا على استمرار الشراكة العسكرية، رغم الاعتراضات داخل الكونغرس بشأن احتمال استخدام هذه الأسلحة في مناطق مكتظة بالسكان. نحن لا نحتاج إلى إثبات وجود اتفاق أمريكي إسرائيلي على تهيئة المناخات لتهجيرنا عبر دمجنا اقتصاديا في الإقليم ما بعد انتهاء الحروب فيه. نحن على قناعة بأن الدعم الأمريكي غير المشروط يمّكن عمليا السياسات الإسرائيلية الإبادية التي تجعل بقائنا أكثر صعوبة سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو حتى في إسرائيل ذاتها.
ماذا عن الانتخابات؟
فإذا سقط نتنياهو ومعه ائتلافه اليميني في الانتخابات القادمة، فقد تفتح الحكومة الجديدة نقاشا حول إدارة الحرب والعلاقة مع واشنطن وترتيبات غزة، لكن ذلك لا يضمن تغييرا في المواقف الإسرائيلية الأساسية المتعلقة بالسيطرة الأمنية ونزع السلاح ورفض قيام دولة فلسطينية. أما إذا نجح نتنياهو في تشكيل ائتلاف يميني يعتمد على بن غفير وشركائه، فقد تزداد الضغوط لتوسيع الاستيطان في الضفة والقطاع، وتشديد الإجراءات ضد الفلسطينيين، وإدراج التهجير ضمن السياسات الحكومية بصورة أكثر صراحة. وأيضا، لن يقتصر الخطر على غزة والضفة الغربية. فتصاعد طلبات شطب القوائم والمرشحين العرب من انتخابات الكنيست يكشف عن استمرار محاولات تضييق المجال السياسي أمام فلسطينيي 48، وتحويل هويتهم الوطنية ومواقفهم السياسية إلى موضع اتهام انتخابي وقانوني، على طريق زعزعة قدرتهم على البقاء؛ ليس مجرد حطابين وسقاة ماء، وإنما مواطنين يتمتعون بقدر كاف من المساواة.
لهذا، فإن انتخابات 27 أكتوبر ليست بالنسبة للفلسطينيين مجرد موعد لمعرفة اسم رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبل، بل محطة لمعرفة أي اتجاه سيحكم المرحلة التالية. فإذا كان اليمين المتشدد يدفع نحو مزيد من السيطرة والتهجير، فإن سقوط نتنياهو لا يعني بالضرورة سقوط هذا الاتجاه، كما أن بقاؤه لا يعني أن كل ما يطرحه بن غفير قابل للتنفيذ. ما يبدو أوضح من ذلك أن إسرائيل تدخل الانتخابات وهي تحاول تثبيت وقائع جديدة في غزة والضفة، وتضييق المجال السياسي أمام فلسطينيي الداخل، فيما تواصل واشنطن توفير المظلة السياسية والعسكرية اللازمة. والخطر أن تتحول فترة الانتظار إلى فرصة لإتمام ما يصعب التراجع عنه لاحقا.