كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في الموقف من سياسات السلطة الفلسطينية

في الموقف من سياسات السلطة الفلسطينية

تاريخ النشر: 2018-03-04 | 18:19

أثارت مقالتي في صحيفة العربي الجديد "عن خطبة عباس... كفى" (25/ 2/ 2018) تعليقات مختلفة من زملاء وأصدقاء، تضمنت تساؤلات عدة عن جدوى انتقاد مواقف الرئيس محمود عباس والسلطة الوطنية الفلسطينية، في وقت أعرب فيه الرئيس عن معارضته قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، ورفضه صفقة القرن التي وصفها في خطبته أمام المجلس المركزي بأنّها صفعة القرن، ومراجعة الاعتراف بالولايات المتحدة الأميركية راعيا وحيدا لعملية السلام، والمطالبة بإشراك جهات أخرى، وإيجاد مرجعية دولية عبر مؤتمر دولي للسلام، كما قال في خطابه في 20 فبراير/ شباط الماضي أمام مجلس الأمن الدولي. وهي أسئلة مشروعة بحق، ولها منطقها، وتحتاج إجابة واضحة عليها، وإن كان صاحب هذه السطور تناول ذلك في مقالات سابقة عدة، مع ضرورة التمييز بين مقالة في صحيفة، مهمتها التركيز على نقطة رئيسة واحدة، ودراسة أو بحث في مجلة محكّمة يجمع فيها الباحث نقاط موضوعه كلها.

بداية، ينبغي التوضيح أنّ أي نقد أو احتجاج أو معارضة لمواقف السلطة الفلسطينية ورئيسها لا يتعلّق إطلاقًا بشخوصها، فبين رجالات السلطة الفلسطينية إخوة وأصدقاء ورفاق درب، والرئيس محمود عباس كان يومًا من مؤسسي حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وقائدًا مهمًا فيها عبر مسيرتها الطويلة. ولذا فإنّ أي نقد يوجّه، أو أي خلاف في الرأي، يمتد أولًا إلى السياسات المعمول بها والنهج المتبع فيها. وهو أيضًا، بطبيعة الحال، لا يعفي القائمين عليهما من مسؤوليتهم التاريخية عمّا يفعلونه أمام شعبهم وأمام الله، لما لسياساتهم هذه من تأثير عميق في قضيتنا. بل ويجعلهم عرضة للمساءلة، إن قصّروا أو انحرفوا، وللثناء إن قاموا بما يتوجب عليهم.

نعم، عارض الرئيس محمود عباس قرار ترامب، واعتبره إخراجا للقدس المحتلة من المفاوضات، وبداية لتنفيذ صفقة القرن التي رفض ما تسرّب إليه منها عبر رسميين عرب أو أميركان، لعلمه أنّها تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وتفرض حلًا لا يستطيع الرئيس عباس أن يوافق عليه أو أن يمرّره. الرئيس عباس واضح تمامًا في موقفه، فهو ليس ضدّ المفاوضات ويسعى جاهدًا إلى العودة إليها، واعترض أخيرا على مرجعيتها الأميركية المنحازة (متى كانت غير ذلك؟)، فأراد أن يضيف إليها أطرافًا أخرى، مثل الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين.

مشكلة الرئيس عباس هي في طبيعة الحل الذي تحاول الإدارة الأميركية وإسرائيل وبعض الأطراف العربية فرضه عليه، وهو حل قائم على اعتبار القضية الفلسطينية منتجا ثانويا يمكن التعاطي معه في ظل قيام حلف عربي إسرائيلي ضدّ إيران و"الإرهاب"، ويحافظ على بعض الأنظمة العربية ويضمن أمنها، أمّا الفلسطينيون فلا بواكي لهم، ولن يتاح لهم في هذا الحل سوى كانتونات متفرقة في مدنهم الكبرى، تعيش تحت وطأة الحصار الإسرائيلي، وترتبط ببعض النواحي مع الأردن، المطلوب زجّه في ذلك رغمًا عنه.

قطعًا، ومن دون تردد، لن يوافق الرئيس عباس على ذلك. لكن هل هذا يكفي؟ وما هي السياسة التي اتبعها عباس لمعارضة هذا الحل التصفوي؟ وهل هي سياسة ناجحة؟ وإلى ماذا ستؤدي؟ وكيف نفسّر التناقض في مواقفه وتصريحاته ما بين خطبته في المؤتمر الإسلامي والمجلس المركزي وخطبته في مجلس الأمن؟ يدرك الرئيس عباس صعوبة مواجهة قرار ترامب وصفقته، وارتباط ذلك بأنظمة عربية مؤثرة. لذا فإنّ خياره كان الالتفاف على هذا القرار، والاعتراض على جزئياتٍ واردة فيه، ومحاولة كسب الوقت، لعل شيئا ما يتغير، وإعاقته عبر طرح صيغ تمثيلية ومرجعيات أخرى، تشارك الولايات المتحدة إشرافها على أي مفاوضات محتملة، وعبر إعادة الحديث عن مؤتمر دولي ينظم هذه العملية، كان قد سبق اقتراحه بعد حرب عام 1973، وعقد جلسةٍ واحدةٍ في جنيف، ثمّ استمر وسيلةً لابتزاز تنازلات متكرّرة من منظمة التحرير، تحت شعار تأهيلها لعملية السلام. على أن يقترن ذلك بامتناع الأطراف عن تغيير الوقائع على الأرض، خلال فترة مفاوضات جديدة مقترحة.

تتكرر المقترحات نفسها التي ثبت فشلها في ظل اتفاق أوسلو، واستغلال إسرائيل السلام للقيام بتكريس احتلال بلا تكلفة، وتعميق الاستيطان، ومصادرة الأراضي والمياه، وزجّ آلاف في المعتقلات والسجون. بل ولأنّه لا يوجد للشعب الفلسطيني ما يغيّره من وقائع سوى الثورة والتمرد، فإنّ القيادة الفلسطينية تقدّم بادرة "حسن نية"، تُلزمها أمام المجتمع الدولي بأسره، من خلال تعهدها عدم الانضمام إلى 22 منظمة دولية، كانت سابقًا قد التزمت شفويًا للإدارة الأميركية بها، ثمّ اعتبر الرئيس عباس، في خطابه أمام المجلس المركزي، أنّه أصبح في حِل من ذلك، ليعود ويؤكد هذا الالتزام أمام العالم أجمع، الأمر الذي يعني عدم نيّته تصعيد المواجهة السياسية ضدّ إسرائيل أمام العالم.

وأمام تجميد قرارات المجلس المركزي، الخاصة بوقف التنسيق الأمني الذي أصبح يشكّل وصمة عار في جبين السلطة الفلسطينية، وتعثّر المصالحة الفلسطينية، والإصرار على التمسك بنهج أوسلو وخيار المفاوضات مع " الجار" الإسرائيلي، فذلك كله لا يمكن تفسيره سوى بأنّنا أمام معارضة مدجّنة لقرار ترامب، لن تسعى باتجاه السعي إلى قلب الطاولة على المشروع  برمته، بل وأمام الاستياء الأميركي والإسرائيلي والبعض العربي من الطريقة التي جرت بها معارضة قرار ترامب بداية. فقد أشهرت القيادة الفلسطينية "حُسن" نيّتها، عبر التقدّم بمبادرتها أمام مجلس الأمن، وبتراجعها عمّا سبق وأعلنته عن عزمها الدخول في مواجهةٍ سياسيةٍ في منظمات الأمم المتحدة، وعبر تجميدها قرارات المجلس المركزي، واستمرار التنسيق الأمني. وبذلك يتضح مدى استعداد السلطة الفلسطينية للمضي في مواجهة هذا المشروع. والحقيقة أنّها اكتفت بمعارضته، ثمّ عادت لتدور في الدائرة ذاتها، من دون أن تخرج منها، بل وتقدّم تطميناتٍ إضافيةً لم تُطلب منها، للدلالة على عدم نيّتها اتخاذ خطوات تصعيدية، وأن الأمور تسير في الاتجاه السابق نفسه، ولا نية في الانقلاب عليه.

يعترض بعض الأصدقاء بأنّه ينبغي الوقوف مع الرئيس في هذه المرحلة وعدم انتقاده، وأنّ من شأن اعتزال الرئيس أو رحيله أن يأتي بمن يخدم مخططات الاحتلال. والإجابة واضحة تمامًا، ينبغي الوقوف مع كل من يرفض مبادرة ترامب، وتأييده بقدر ما يعتزم مواجهة هذا المشروع، من دون أن يخلّ هذا بحق أحد في انتقاد أساليب المواجهة الضعيفة واللفظية، والتي تميل إلى استمرار النهج الحالي أو تجميله. أمّا مسألة التحذير ممّا هو أسوأ فلا تخيف أحدًا، فالمرحلة المقبلة تفترض احتمالين لا ثالث لهما، تغيير النهج بأسره والشروع الجدّي في مقاومة الاحتلال، بما يشمل انتهاء الشكل الحالي للسلطة واستبداله بأشكال أكثر ثورية شعبنا قادر على ابتكارها، أو أن يُنصّب الاحتلال أحد المتعاونين معه، وعندها تصبح السلطة سلطة احتلال من دون مواربة، ويعجّل هذا من زواله وزوالها.

يتساءل بعضهم، هل كان في وسع السلطة الفلسطينية أن تواجه هذا المشروع؟ الإجابة: نعم كبيرة، إذا استندت إلى الشعب الفلسطيني والجماهير العربية أصحاب الولاية الكاملة على القضية الفلسطينية، والذين من دونهم لا أحد يستطيع أن يمرّر حلًا تصفويًا للقضية، لكنّ هذا يقتضي مواجهة شاملة مع الاحتلال الصهيوني أساسًا، وتغيير النهج السائد، نهج أوسلو، والركون إلى المقاومة بأشكالها كلها، والثقة بقدرات شعبنا. وهي إرادة التاريخ التي ستتحقق حتمًا.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط