كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في اليوم العالمي للمرأة :مكانة المرأة الفلسطينية ومعاناتها في حاضرنا  وفي تاريخنا وتراثنا الحضاري

في اليوم العالمي للمرأة :مكانة المرأة الفلسطينية ومعاناتها في حاضرنا  وفي تاريخنا وتراثنا الحضاري

تاريخ النشر: 2025-03-08 | 13:48

للمرأة في فلسطين مناسبتان يجري الاحتفال بهما باعتبارهما أعيادا تستلهم فيهما المرأة الفلسطينية معاني النضال من أجل الحرية في مسارين متلازمين : مسار التحرر من تقاليد متوارثة كانت وما زالت تكبل دورها في المجتمع ومسار التحرر من احتلال يثقل دورها بقيود تحول بينها وبين توظيف طاقتها الكاملة في بناء مستقبل واعد للأجيال في دولة مستقلة توفر الأمن والأمان والاستقرار والازدهار والتقدم لمواطنيها دون خوف من مجهول . المناسبة الاولى أممية وهي يوم المرأة العالمي في الثامن من آذار ، أما المناسبة الثانية فوطنية وهي اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية في السادس والعشرين من تشرين الاول في كل عام ، ربطا بانعقاد المؤتمر النسائي الأول في مدينة القدس في مثل ذلك اليوم من العام 1929 ، حيث شاركت مئات السيدات الفلسطينيات في مظاهرة جابت شوارع القدس وصولا الى مقر إقامة المندوب السامي البريطاني لمطالبته بإلغاء وعد بلفور المشؤوم ومنع الهجرة اليهودية الى فلسطين .

في هذا امتياز للمرأة الفلسطينية وفي الوقت نفسه تعبير عن الشعور بأهمية دورها للنهوض بمسؤولياتها جنبا الى جنب مع الرجل للتحرر من القيود على اختلافها والارتقاء بدورها في عالم تتطور فيه حقوق المساواة بين الجنسين كعلامة فارقة في الحياة المعاصرة . وتبدو المرأة الفلسطينية هنا عاقدة العزم على انتزاع حقوقها وهي تستلهم في ذلك ما كان لها من مكانة في تراث هذه البلاد ، حيث كان للمرأة مكانة خاصة في تاريخ وحضارة أجدادنا الكنعانيين ، الذين كانوا من أوائل الشعوب ، التي وضعت القوانين والأصول المدنية ، التي ساوت بين المرأة والرجل ، وكانوا أول من حرر المرأة وساواها بالرجل ، فكانت المرأة الكنعانية كاهنة ، وقائدة جيوش ، وسياسية ، بدءا بعشتار مرورا بالاميرة ألبسا وانتهاء بالسيدة مريم العذراء . ولم يكن يضاهي الكنعانيين في تقديرهم لمكانة المرأة ودورها سوى المصريين القدماء ، الذين كانوا يعتقدون أنها أكمل من الرجل ، حيث كان المجتمع الفرعوني أقرب الى المجتمع الأمومي ، خلافا لما كان عليه الوضع السيء للمرأة في حضارة ومجتمعات بابل وسومر وآشور .

وعليه فليس في تراثنا ما يدفعنا للتردد والنظر بكل ايجابية للمطالب المحقة التي تسعى المرأة الفلسطينية لتحقيقها . ففي الأصل كانت مكانة المرأة كمكانة الرجل في الاسرة البشرية ، لم تكن ملكاً ولم تكن سلعة . لأنها في الأصل حجر الزاوية في المجتمع ، تعي كما الرجل معنى الحريات ، والحقوق ، والمساواة . أما محاولة تحجيم دورها وحصره في جوانب حياة معينة فقد جاءت لاحقا في سياق التطورات التي دخلت على وسائل وملكية الانتاج ، وهذه المحاولة هي التي أوصلت عديد المجتمعات الى ادني مستويات سلم التطور في عالمنا المعاصر. وغني هنا عن القول أن محاولة فرض انماط سلوكية تقليدية على المرأة لا تتماشى مع روح العصر ، لأن ذلك يبعث فيها روح التمرد بالتأكيد  . فالأصل والحالة هذه أن تقف المرأة على قدم المساواة مع الرجل ، فالرجال والنساء متساوون ، ولكنهم في الوقت نفسه ليسوا متماثلين ، إنهما يختلفان عن بعضهم البعض في شؤون عدة تتصل بالتركيبة الجسدية المميزة للجنس ، ولكنهما يتساويان في أمور الحياة الأخرى . حتى في أساطير القدماء كانت المساواة تطرح نفسها في ارقى الصور . الآلهة في الاساطير ، كان منها رجال ، وكان منها نساء ، وذرية تعيش على الارض وأخرى تعيش في السماء .

أدرك طبعا أن باطن مجتمعاتنا يختلف عن ظاهره ، قد يبدو الظاهر متمدنٍا ويبدو الباطن مختلفا خاصة عندما تعم المجتمع ظواهر من ظلم ، وتصرفات وسلوك المجتمع الذكوري ، الذي يضع المرأة في منزلة أدنى ، حيث تكتسب الذكورة صفة سلطوية تعطي صاحبها ، الحق في الهيمنة بحجج وذرائع حماية المرأة باعتبارها الحلقة الاضعف في المجتمع . من هنا فإن الحجر على حرية المرأة بذريعة الخوف عليها ، دليل على ضعف التربية في المجتمع . ثقافة التربية السليمة هي التي ترشد العقل الى اتخاذ القرارات والخيارات السليمة الصحيحة ، وبناء شخصية مستقلة قادرة على مواجهة صعوبات الحياة.

أما الخوف عليها أي على المرأة فهي الوسيلة لطمس شخصيتها عوضا عن إبرازها . تربية المرأة وتعليمها ومعاملتها اسوة بالذكور ضرورة ثورية حتمية لإحداث نقلة اجتماعية نوعية ، تقف فيها المرأة والرجل على قدم المساواة في مواجهة الموروث المتخلف . هنا يصدق قول كارل ماركس تماما بأن التقدم الاجتماعي يقاس بالموقف الاجتماعي من تحرر المرأة ، وفي هذا حكمة بالغة ، فتغير نظرتنا وموقفنا من المرأة وتحويلها من عنوان على صلة بالجنس الى عنوان على صلة بالشراكة في الحياة يحرر مساحة واسعة من عقل الرجل ، ويمكنه من استخدم هذه المساحة المحررة في تحرير انتصاره على المفاهيم التقليدية لينطلق الجميع نحو مستقبل اكثر ثراء ، وأكثر انسانية.

وفي حالتنا الفلسطينية الراهنة في ذكرى الثامن من آذار فلا نضيف جديدا عندما نؤكد أن النساء الفلسطينيات يواجهن ظروفاً بالغة الصعوبة والقسوة . فمن ناحية تتواصل جرائم الاحتلال وتتسع مساحة هذه الجرائم لتطال المزيد من النساء ويتجلى ذلك بوضوح في الحروب التي تشنها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني ، حيث تشكل المرأة والطفل نسبة تصل الى نحو  65 بالمئة من عدد ضحايا تلك الحروب . فما زالت الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان 1967 تشهد تصعيداً واضحا في الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال ، التي لا تستثنى منها النساء. وقد عاشت المرأة الفلسطينية وخاصة في الاعوام الأخيرة ظروفا صعبة وقاسية بعد ان صعدت تلك القوات من استخدام القوة المميتة ضد المرأة الفلسطينية ، هذا الى جانب التوسع في حملات الاعتقال ، التي طالت الاطفال والنساء ، حيث تحتجز سلطة إدارة السجون الاسرائيلية حرية ، حسب آخر المعطيات نحو 21 سيدة فلسطينية ونحو 351 طفلا فلسطينيا .  

وفي الحديث عن معاناة المرأة الفلسطينية من الحروب ، لم يعد مصطلح الإبادة الجماعية كافيا لوصف المأساة الإنسانية بحق النساء والأطفال الفلسطينيين الذين يشكلون النسبة الأعظم من ضحايا حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة . فعلى امتداد أكثر من 15 شهرا من الحرب  وحسب بيانات فلسطينية ودولية متطابقة الى حد بعيد تسببت الحرب الوحشية على قطاع غزة  باستشهاد اكثر من 20 الف طفل فلسطيني وأكثر من 15 الف سيدة فلسطينية. ذلك يعني أن النساء والأطفال دفعوا الثمن الأكبر لحرب الإبادة المتواصلة ، ما دفع خبراء حقوقيون لاستخدام مصطلح " الإبادة الجماعية للإناث والأطفال " لوصف الفظائع التي ترتكبها قوات الاحتلال في قطاع غزة . فضلا عن ذلك تم تهجير 800 ألف امرأة قسرا من منازلهن وتعاني 700 ألف امرأة في سن الإنجاب من سوء التغذية الحاد، ولا تسطيع نحو 700 ألف امرأة في سن الإنجاب الحصول حتى على منتجات النظافة الأساسية وارتفعت  معدلات الإجهاض بنسبة 300% بسبب الرعاية الطبية غير الكافية، والصدمات النفسية، والقصف المتواصل للمنازل والتجمعات السكانية دون تمييز .

كل هذا يدعونا إلى ضرورة المطالبة اولا وقبل كل شيء بتوفير الحماية للسكان المدنيين تحت الاحتلال بمن فيهم النساء والأطفال والعمل بكل السبل والإمكانيات المتاحة من اجل ممارسة الضغط على سلطات الاحتلال ودفعها لاحترام حقوق الإنسان والالتزام بمبادئ القانون الإنساني الدولي . وفي الوقت نفسه ودون ان نضع ذلك على قدم المساواة دعوة منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الفلسطينية لاتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لوضع حد لمظاهر العنف المحلي وملاحقة مرتكبي الجرائم بحق النساء ومحاسبتهم ، والوفاء بجميع الالتزامات الدولية الناجمة عن انضمام فلسطين إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ، ومواءمة القوانين المحلية مع الاتفاقيات الدولية بما فيها اتفاقية “سيداو” والقرار الأممي 1325 ، وإعلان بيجين وخطة العمل المنبثقة عنه عام 1995 ، وقبله إعلان مكسيكو عام  1975، وكوبنهاغن عام 1980 ، ونيروبي عام 1985 ، والعمل على ضمان تنفيذ وتطبيق هذه القوانين في مختلف المجالات ومواجهة سوء استخدام الدين والعادات والتقاليد لتبرير الظلم المركب الواقع على المرأة بهدف إقصائها وتهميشها .

نظريا منحت القوانين الفلسطينية المرأة الفلسطينية حقوق المساواة مع الرجل في شؤون عائلية ودعت الى إعادة النظر بقانون العقوبات لجهة توفير الحماية للمرأة الفلسطينية . وهنا نؤكد أن الحماية الفعلية  للمرأة الفلسطينية في مجتمعها المحلي تتحقق في مسارين ، الأول عندما تجري عملية مواءمة حقوقها في التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها دولة فلسطين والتزام نظامنا السياسي الفلسطيني بها وخاصة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ( سيداو ) والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمرأة في إطار بناء منظومة قوانين عصرية تحمي الحقوق والحريات وتحارب كافة أشكال التمييز وتوفر البيئة التشريعية والاجتماعية لضمان ذلك ، والثاني عندما تجري ترجمة قرارات المجلس الوطني الفلسطيني بشكل شفاف وأمين بشأن تمثيل المرأة في مراكز صنع القرار على اختلافها في بلادنا على نحو يعكس التجانس والانسجام وتقليص الفوارق بين نسب المشاركة لتصل الى نحو 30% وهي النسبة التي أقراها المجلس الوطني في دورته التي انعقدت في نيسان / أيار من العام 2018 . حصل تقدم على هذا الصعيد ولكنه تقدم أعرج ، فنسبة تمثيل المرأة ارتفعت في المجلس المركزي تصل نحو 25 % من مجمل العضوية بينما ما زالت في المجلس الوطني تراوح عند حدود 11 % ، أما في مجلس الوزراء لحكومة محمد مصطفى فتقترب من 20 بالمئة ، فيما ينعدم التمثيل في اللجنة التنفيذية وفي مكتب رئاسة المجلس الوطني ورئاسة لجانه المتعددة .، الأمر الذي يفتح الباب واسعا لتساؤلات مشروعة  .

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط