كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في أنثروبولوجيا المطر وتأويلات الذات الجريحة

في أنثروبولوجيا المطر وتأويلات الذات الجريحة

تاريخ النشر: 2026-04-08 | 13:55

(تأملات سريعة في قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي "هطل المطر ")

ليس المطر في قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي مجرد ظاهرة طبيعية تتكرر في معجمنا الشعري،بل هو حدث وجودي بامتياز، حيث يتحول الماء النازل من سماء النص إلى سائل مقدس يغسل تراكمات الزمن ويواجه بهشاشة الذات العربية المعاصرة.إنها قصيدة تكثيفية بامتياز،تجمع بين عنفوان الطبيعة ورقّة المشاعر الإنسانية،لتخلق لنا عالما شعريا فريدا، حيث تتداخل الأصوات (دوي الرعد،تناهيد الريح، انكسار الصوت) في سيمفونية وجودية تعكس مأساة الإنسان المعاصر وتطلعاته الأبدية.

في هذا النص،يقف الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي عند لحظة تحول كبرى: لحظة هطول المطر التي تمثل انفجارا للطبيعة وانفجارا للذات في آن واحد.إنها لحظة مواجهة مع الذات الجريحة،ومع الموت،ومع الزمن،ومع الأمل المتجدد الذي يمنحه الماء المنهمر.والشاعر هنا لا يصف المطر بقدر ما يختبره جسديا وروحيا،محوّلا إياه من عنصر طبيعي إلى علامة دالة في نظامه الرمزي الخاص.

ومن هذا المنطلق،سنقارب هذا النص الشعري من منظور نقدي يتسم بالنزاهة والموضوعية، متجاوزين الانطباعية والإنشائية التي غالبا ما تطغى على قراءة النصوص الشعرية،إلى مقاربة منهجية صارمة تعتمد على آليات النقد الحديث، التي تتيح لنا تفكيك البنى العميقة للنص والكشف عن أنساقه الجمالية والدلالية،بعيدا عن أي مجاملة أو محاباة،لأن النص الجدير بالقراءة هو الذي يصمد أمام أقسى اختبارات النقد.

القصيدة:

 

هَطَلَ المطر

هَطَلَ المَطَرُ وانشَقَّتِ الآفَاقُ

وَغَلَا دَوِيُّ الرَّعْدِ وَهْوَ خَفَّاقُ

 

تَهادَى الغَيْثُ في لَيْلٍ كَئيبٍ

فَأَحْيَا الأَرْضَ وابتَسَمَ السِّياقُ

 

تُنادي الرِّيحُ أَوْتارَ الغُصُونِ

فَيَرْتَعِشُ الفُؤادُ لَهُ اشْتِياقُ

 

وَيَبْرُقُ في الدُّجى وَمْضٌ عَنِيفٌ

كَأَنَّ النُّورَ في الظُّلْماتِ رَاقُ

 

وَيَهْطِلُ في الحَنايا حُزْنُ عُمْرٍ

فَيَغْسِلُ ما تَراكَمَ مِن وِثاقُ

 

أَيا قَلْبي تَمَهَّلْ لا تُنازِعْ

فَكُلُّ الجُرْحِ يَشْفِيهِ العِناقُ

 

فَكَمْ لَيْلٍ بَكَيْتُ بِهِ طَوِيلًا

وَكانَ الدَّمْعُ في عَيْنَيَّ رَقْراقُ

 

أُفَتِّشُ في انْكِسارِ الصَّوْتِ عَنِّي

فَلا صَوْتٌ يُجِيبُ ولا رِفاقُ

 

فَيَأْتِي المَطْرُ يَحْمِلُني بَعِيدًا

إِلى حُلْمٍ تَبَدَّدَ وَانْسِياقُ

 

كَأَنِّي في انْسِكابِ الماءِ طِفْلٌ

يُعانِقُ ضِحْكَةً فيها انْطِلاقُ

 

فَيا رَبَّ السَّماءِ إِذا دَعَوْنا

فَفَيْضُ العَفْوِ مِنكَ هُوَ المُذاقُ

 

وَأَحْيِ القَلْبَ إِنْ أَضْحى حُطامًا

فَأَنْتَ لِكُلِّ مُنْكَسِرٍ عِتاقُ

 

إن قراءة متأنية لتجربة الشاعر التونسي د-طاهر مشي الشعرية،كما تجلت في هذا النص،تفضي بنا إلى اكتشاف أن هذا الشاعر لا يكتب القصيدة ليقولها فقط،بل ليعيشها،ليتحول هو نفسه إلى قصيدة تمطر في داخلها الحروف وتنشق عن معان جديدة.

إن ما يميز منجز د-طاهر مشي الإبداعي،والذي يدعو النقاد والباحثين إلى وقفة متأنية جادة،هو قدرته الفائقة على المزاوجة بين الرؤية الحداثية والعمق الإنساني،بين الانشطار الوجودي والبحث عن كلّ جامع،بين الحزن العميق الذي لا يتحول إلى يأس،وبين الأمل الذي لا يسقط في فخ السذاجة.

وفي هذا النص بالذات،نلمس عبقرية الشاعر في توظيف ثنائيات متقابلة (السماء/الأرض،النور/الظلمات،الجرح/العناق،الطفولة/الرشد،الانكسار/العفو..) ليصنع منها نسيجا شعريا متماسكا يعكس رؤيته للوجود رؤية جدلية تقوم على التوتر والانفراج،على الموت والبعث،على الانتظار والتحقق.وهذه الثنائيات ليست مجرد تراكيب شكلية،بل هي تعبير عن رؤية كونية عميقة ترى العالم في حالة تحول دائم،حيث لا شيء ثابت إلا التغيير نفسه.

واللافت في هذه القصيدة،وغيرها من منجزات الشاعر،ذلك التحول النوعي الذي يحدث على مستوى اللغة،حيث ينتقل الشاعر من لغة الوصف التقليدي إلى لغة التكوين والإبداع،لغة تخلق عوالمها الخاصة وتفرض منطقها الداخلي.فالمطر عنده ليس مطرا فقط،بل هو "حزن عمر" و"غسل للوثاق"، وهو أيضا "طفولة متجددة" و"حلم يتبدد" و"انسياق" نحو المجهول. 

إنها قدرة نادرة على تكثيف المعاني وتشكيلها في قوالب لغوية باذخة الجمال،عميقة الدلالة.

ولعل من أبرز ما يميز تجربة د-طاهر مشي،والتي تستحق منا كنقاد وباحثين وقفة مطولة،ذلك التوظيف المدهش للإيقاع الداخلي والخارجي، حيث ينسجم الوزن والقافية مع الحالة النفسية التي يعيشها الشاعر،فنشعر بانفعالات تتسارع وتتباطأ وفقا لحركة المطر نفسه،وكأن اللغة هنا ترقص على إيقاع الماء المنهمر.وهذا لا يأتي إلا من شاعر أتقن أدواته وأحكم صياغته،وعاش اللغة من داخلها لا من خارجها.

أما على المستوى الدلالي،فإن هذه القصيدة تقدم لنا تصورا خاصا للعلاقة بين الإنسان والطبيعة، علاقة تتجاوز التأمل الفلسفي التقليدي إلى نوع من الامتزاج الوجودي،حيث يصبح المطر مرآة للذات وامتدادا لها،وحيث تنهار الحدود بين الداخل والخارج،بين الذاتي والموضوعي،ليحل محلها إحساس بالوحدة الكونية التي تتجلى في لحظة الهطل المقدسة.

وفي ختام هذه المقاربة النقدية-العجولة-،التي التزمنا فيها النزاهة والموضوعية واعتمدنا فيها على أدوات النقد الحديث في تفكيك النص وتحليل بنياته العميقة،نؤكد أن د-طاهر مشي يستحق أن يكون محورا لدراسات نقدية جادة ومتعمقة،تتجاوز المجاملات والانطباعات إلى كشف خريطة هذا العالم الشعري الفريد،الذي لا يزال،للأسف،بحاجة إلى من يكتشف أغواره ويبين منجزاته.إنه شاعر تونسي كبير بكل ما تحمله الكلمة من معنى،شاعر استطاع أن يضع بصمته الخاصة في خريطة الشعر العربي المعاصر،وأن يخلق لغة شعرية خاصة به،لغة تجمع بين الأصالة والمعاصرة،بين العمق الإنساني والجمالي الفني.

فيا أيها النقاد والباحثون،إن منجز د-طاهر مشي الإبداعي يناديكم،كما ينادي المطر في قصيدته،أن تقتربوا منه باحثين دارسين،بعيدا عن المجاملة والهوى،قريبين من العلم والموضوعية،لعلكم تكتشفون في هذا المنجز ما يستحق حقا أن يكتب بماء الذهب،أو بماء المطر الذي يغسل تراكمات السنين ويكشف عن جماليات النص الأصيل.

 

وختاما،لا يسعني بوصفي ناقدا إلا أن أؤكد أن تعاملي مع نصوص المبدعين-شعراء كانوا أو روائيين أو قصاصين من تونس أو من خارجها- ينطلق من زاوية نقدية بحتة،تنأى كل البعد عن المحاباة والمجاملة.فالخيط الرابط الوحيد الذي يجمعني بهؤلاء المبدعين هو النص الجيد الذي يستحق المقاربة،والكتاب الجدير بالاهتمام.وأرجو أن تُستساغ ملاحظتي هذه في سياقها الموضوعي،وألا يتم إخراجها عن قصدها،فهي من صميم الالتزام النقدي الذي يرفض تسييس الإبداع أو تحويل النقد إلى وسيلة للتربية أو المجاملة.

 

 

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط