كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في تأمّل تجربة الكتابة كيف يصنع القرّاء الصورة؟

في تأمّل تجربة الكتابة كيف يصنع القرّاء الصورة؟

تاريخ النشر: 2021-11-19 | 20:52

فراس حج محمد
فراس حج محمد

في مقال للكاتبة اللبنانية سوسن الأبطح ورد هذا الحكم على الكتابة والقراءة*: "الكتابة عناء، والقراءة حرفة. وأكبر ظلم يرمى به الأديب هو اختصاره بجزئية صغيرة، أو حبسه في قمقم ضيق، بينما هو يرى وسع الفضاء". تشير هذه الفقرة إلى معاناة الكتّاب مع القرّاء، هؤلاء القراء الذين لم يكونوا بطبيعة الحال يرون الصورة الكاملة للكاتب. إنهم يكوّنون انطباعاتهم عن الكتّاب من خلال جزئيات معينة.

في لقاء جمعني ببعض المعلمين على هامش إحدى الدورات التدريبية، يضعني أحدهم، وكثيرون معه، في خانة الكاتب "الأيروسي"؛ قليل الحياء والدين، وأنني مجرد شخص باحث عن الشهرة والنساء، فأنا باختصار كاتب "جنسي نسونجي". وبذلك اتخذت صفة الكاتب سيّئ السمعة الذي لا يكتب سوى في النهدين وفي الكلوت والكمامة وفي التفاحة وفي الأعضاء الجنسيّة. إن هؤلاء لم يطلعوا على كل ما كتبت، ولا حتّى على بعضه. نشرت مئات المقالات السياسية والاجتماعية والفكرية والدينية والنقدية، والقصائد السياسية، والقصص الاجتماعية، وأصدرت أربعة وعشرين كتاباً ليس فيها شيء مما يدّعون.

من كل هذا الإنتاج الضخم المتنوع لم يرَ هذا المعلم إلا "الكمامة والكلوت" و"النهدين" و"التفاحة ومركزها". وعندما سألته ألم تقرأ لي شيئا غير هذا؟ قال: أنا لا أدخل صفحتك، ولا أقرأ. هم يرسلون لي هذه المواد وأقرؤها. فإذا لم يقرأ  المقالات والمواد الأخرى المنشورة في صفحتي على الفيسبوك، فهل سيقرأ كتبي أو مقالاتي في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية الوازنة؟ أنه يقرأني فقط ليعزز الصورة التي شكلها عني في ذهنه المريض.

إذاً، كما تقول سوسن الأبطح في المقال ذاته: "فالحكم على الأدباء غالباً ما يلتصق بهم بسبب كليشيهات تدور حول كتاباتهم، أو لغاية في نفس جماعات سياسية أو دينية، تثير الغبار من حولهم". حدث مثل هذا مع طه حسين ومع نجيب محفوظ ومع حيدر حيدر ومع آخرين.

إنه لأمر مزعج بالتأكيد، ويشعر الكاتب أنه ضحية للانتقائية والشعبوية المؤذية وللصورة النمطية عنه، تلك الصورة التي كوّنتها العقلية المنحازة التي تحاربه في الخفاء وفي العلن.

أذكر أنّ شيئا من هذا تم توظيفه من أجل تشويه صورتي ككاتب جادّ، فعلى الهامش من هامش كتابتي لمقال نقدي عن بعض الكتّاب، وقد أصدر كتاباً تعيسا ورديء الأفكار، ولم يعجبه ما كتبته عنه، فلا يعرفني بهوامش هوامشه في رده على واحد من تعليقات القراء، قرائه المنحازين معه،  إلا بقوله عني "صاحب الكلسون والكمامة". لكم أن تتصوروا هذا الاختزال المخلّ بشرف الكتابة من شخص يفترض أنه يفهم ما معنى الكتابة.

لا بأس في ذلك، فإن عذرت القراء، وما يُصبّ في عقولهم وما يتسرب إليهم بالعمد أو بالمصادفة من مواد، لا يمكن أن يكون هذا الكاتب معذوراً؛ فهو يعرفني جيّدا، ويعرف ماذا أكتب. فكيف له أن يختزلني بهذه الصورة التي تحمله هو أولا على الإخلال بالمنطق والانفعال؟ إنه عيب ثقافي وأخلاقي مزدوج، ومثله كثيرون في المجتمعين الثقافي والتربوي ينطبق عليهم قول الشاعر:

إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ** مني وما سمعوا من صالح دفنوا

صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ** وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

أعود لمقال الدكتورة سوسن الأبطح، ولما نقلته عن الكاتب عبد الرزاق قرنح، قوله: "اقرأوني لعلكم وجدتم شيئاً آخر". لقد مورس على قرنح ما يمارس على الكتاب أجمعين من حصر وتشويه. هذا القول ليس موجّها للكاتب الذي تعمد تشويه الصورة، لكن للقراء جميعاً.

لكنني أعتقد أن القارئ ليس باحثاً، ليستقصي الكاتب وكتاباته كلها، بل يظل خاضعا- شئنا أو أبينا- إلى تلك الصورة التي رُسمت له، رسمها الــ "هم" عنه، دون أن تكون صحيحة، إذ إن عرض جزء من الصورة والتركيز عليه هو نوع من التشويه. علينا أن نرضى به ونتعامل معه باحتمال، لكن أين الكتّاب الآخرون، والباحثون، والنقاد؟ لماذا لا يقدمون الصورة كاملة عن الكاتب؟

أعتقد أننا في ظل هذه المنظومة التي تحكمها السرعة، والأهواء، والتكنولوجيا، والشللية الثقافية، كلها عواملُ ووسائلُ لن تساهم في رسم الصورة الكاملة لأي كاتب مهما كان، "لقد وقعنا في الفخّ" فعلاً، ولا منجاة من ذلك، وتم تأطيرنا في إطار لا أظن أن أحدا كان قادرا على كسره، وكما يقول المثل الشعبي الفلسطيني "إن طلع صيتك حط راسك ونام"، فها هو نزار قباني، كتب في السياسة أكثر مما كتب في الغزل، لكنه محشور ومحصور في زاوية المرأة ونهديها. ولن تنجح قراءات القراء في شعره السياسي ومؤلفاته الأخرى إلا أن تراه شاعرا للمرأة، كما لن ترى محمود درويش إلا شاعرا للمقاومة على الرغم من أنه ابتعد منذ مدة طويلة في أشعاره وحياته ونهجه وأفكاره عن أن يكون شاعر مقاومة، بل ربما أصبح أقرب إلى الشاعر المدجن والمطبّع الذي يسير في جادّة لا تسير معه فيها الجماهير الباحثة عن التحرير والمقاومة. هذه الصورة وإن وجدها القراء في درويش أو في نزار أو في غيره من الكتاب، لا تستقر في مخيلتهم ولا على ألستنهم عندما يريدون الحديث عن أحدهم وتصنيفه ضمن الصورة المستقرة في الأذهان.

يا ليتنا نستطيع تغيير الصورة أو تحسينها على أقلّ تقدير. ويا ليتنا قادرون على الوقوف في وجه الغوغائية الثقافية والشعبوية القرائية والعبثية في التصنيف. إنها إحدى المعضلات الثقافية التي ليس لها حلّ على ما يبدو، عندنا وعند غيرنا، فكأنّ هذا التبسيط وهذا الاختزال مريح من أجل ألا يذهب العقل بعيداً في التفكير.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط