كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في تناقض التناقض: الخطاب الفلسطيني المنقلب على ذاته

كثيراً ما يحدث أن تخلق وحدة المفاهيم ووحدة الخطاب تناقض جوهري أو ثانوي عند الاصطدام بالجانب العملي تحت دوافع أيديولوجية أو/و مصلحية صرفة، فينشق الخطاب وينشطر إلى قسمين أو عدة أقسام متناقضة متصارعة. ومن الناحية الأخرى نجد أحياناً أن تناقضاً كامناً بين خطابين نديّن، لأسباب أيديولوجية أو مصلحية، قد يفضي إلى وحدة خطابية ورؤيوية تدحر جانباً كل مخلفات الانقسام والاختلاف والتناقض بشكل إبداعي خلّاق، فتتغير وتتبدل الحدود والمحرمات والخطوط الحمر والتصورات والرؤى والاستراتيجيات والآليات ويمكن كذلك الأهداف بانتصار أحد الخطابين وهيمنته هيمنة تامة على الآخر، أو باندماج وتكامل الخطابين بحيث يقوم كل منهما بدور المكمّل والمساعد في صناعة وحدة وتماسك خطاب فعّال وحدوي بتطويع كافة أدواتهما في خدمة هذا الهدف.

ونقاشنا سيكون حول الثاني لدوافع ستتكشف كلما تقدمنا في المقال. ففي سياق الاستعمار من الطبيعي أن تتشكل المقاومة، وهو ما ناقشته سابقاً بشكلٍ جزئيٍ في مقالة ثنائية العقل الاستعماري، وتتوالى الهبّات والثورات ضد المُستَعمِر بحكم عمل المُستَعمِر الدؤوب ضد إرادة وحرية ومصلحة وتوجه وأيديولوجيا الأصلاني وممارسات القتل والتنكيل وغيرها من أساليب القوة في اخضاع الأصلانيين. وهو ما نتج في الحالة الفلسطينية فدائماً ما كانت المقاومة، بأي شكلٍ كانت، تصاحب وجود الاستعمار.

وفي ذات الوقت، وفي مقابل خطاب القوة والعنف والعنصرية الاستعمارية الموحّد والموجه ضد الفلسطينيين، فإن الساحة الفلسطينية اليوم تقع تحت وطأة خطابين طاغيين متصارعين في حالة استقطاب شديد جداً كلٍ منهما له مقوّماته ومبرراته وأدواته وحظوته وهيمنته على جماعته وتابعيه ولكلٍ منهما واقع مغاير يعززه، وتقوم العلاقة بين هذين الخطابين على التلاسن والتبارز والتخوين وعلى قدر كبير من الانحطاط لم تشهده الحالة الفلسطينية من قبل.

الخطاب الأول هو خطاب الانبطاح المطلق دون وجود أي إرادة سياسية وأي ثقة بقيمة الشعب وتضحياته فتغدو الحرية هِبة تُمنح من المُستَعمِر ويستجديها الفلسطيني استجداءً، يرى أن على الفلسطيني التعايش مع وجود الاستعمار وأن يتمتع بشتى فنون الرقص والغناء والحياة مسلوبة الحرية والكرامة على أن يتفنن في أساليب المقاومة، ويرى هذا الخطاب كذلك أن الحياة دون كرامة وحرية أفضل من الموت في مواجهة محسومة مسبقاً، لذلك يدعو إلى استخدام الوسائل والأدوات الدبلوماسية والسلمية والسياسية في مواجهة المُستَعمِر إلى حين تغير الأوضاع على الساحة الدولية وتغير موازين القوى وبالتالي تحل القضية الفلسطينية تلقائياً حين تسنح الظروف لذلك. فيُقدّس هذا الخطاب الشعب كجسد فوق كرامة وحرية هذا الشعب، ومن ناحية أخرى يراه عاجزاً فاقد الإرادة وضعيف بحيث لا يمكنه إحداث تغيير في مسار الأمور.

بيد أن الخطاب الآخر المنافس بقوة على الساحة الفلسطينية على النقيض تماماً من الخطاب الأول، وأسميه هاهنا بخطاب الموت. خطاب الموت يرتكز أساساً إلى تبهيت قيمة الإنسان إلى المدى الذي تصبح به "الشهادة" أو الموت هو القيمة العليا والمثلى للإنسان والهدف الأسمى دون أن يكون بالضرورة وسيلة لتحقيق استثمار سياسي معين يسترجع لو بعض الحقوق المسلوبة بل هدفه الموت لمجرد الموت. فهذا الخطاب محاط بسياج من الدماء والحل يكمن بالدماء والإبادة فقط، يمقت وجود أي مظاهر للحياة في ظل وجود احتلال، إما أن نموت أو نَقتل، على أن الحياة دون حرية وكرامة لا تعبر عن طبيعة الإنسان وإنما الموت من يمثلها في هذا السياق الكولونيالي، إنه خطاب مقاومة الحياة!

وفي ظل غياب النقاشات الفعالة والعميقة لتجاوز ضيق الأفق الذي يعم الساحة الفلسطينية، وفي ظل السجالات السطحية فقط إعلامياً وعلى وسائل التواصل الاجتماعي على المستويين الشعبي والسياسي فإن آفاق الصلح بين هذين الخطابين بعيدة المآل. فوسائل التواصل الحديثة وكذلك وجود أدوات قوية بيد كل طرف من أطراف صناعة الخطاب وكذلك وجود أسباب قوة تدعّم توجه كل طرف، ومصالح كبيرة يجثو عليها كل طرف، تجعل الالتقاء هوة سحيقة بين جبلين شامخين لا ترى بالعين المجردة رغم أن تجاوز هذه الثنائية ومحاولة التوفيق بينهما قد يؤدي إلى نمط معالجة قادر على مخاطبة الوضع الراهن والأزمة الحالية مع الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي. ورغم كون الهوية القومية الفلسطينية والمصلحة العليا الفلسطينية وعذابات الشعب الواحدة وأرضه الواحدة وتقاليده وتاريخه الواحد وبنية عقليته الأخلاقية والفكرية وخلفيته الدينية تجعل من التشرذم في الخطاب الفلسطيني الموجه لمعالجة قضية مصيرية غير مبرر تحت أي ظرف من الظروف.

فنتيجة هذا الاستقطاب إنما هي إعادة إنتاج الموت والدمار والاستعباد والدونية للمُستَعمِر، لا حرية ولا كرامة ولا حياة إلا جسدياً يعيشها الفلسطيني في خضم ضيق الأفق وانعدام الخيارات وتطرف الخطابات، ولا نتيجة للوضع الحالي تعلو انحطاط القضية وعدم احترام التضحيات وتقديس الموت لأجل الموت. ليس فقط لأن تشظي الخطاب الواقع تحت الاستعمار يضعف الأصلاني ويعزز من قوة الاستعمار بحكم كون التشظي سلبية في هذه الحالة، بل لأن كل طرف من أطراف الخطابين يقيس كل تصرفاته ويقيّمها ويحدد نتائجها واتجاهها بناءً على صراعه مع الطرف صاحب الخطاب الآخر وليس وفقاً للمصلحة العليا للشعب الفلسطيني والمتركزة أساساً في المواجهة مع المُستَعمِر الإسرائيلي وتحدي بناء مجتمع متماسك.

الحياة دون كرامة وحرية هي حياة ينقصها أهم عناصرها، والموت لمجرد الموت هي مصيبة عظيمة فحياة الإنسان أكبر من ذلك بكثير، بل السبيل الأفضل هو السعي الدؤوب للحفاظ على حياة الإنسان والحرص على بقائه وفي ذات الوقت السعي الدؤوب للتخلص من محددات حريته وأهمها الاستعمار الإسرائيلي. ووجود خطابين موجهين لمعالجة القضية الفلسطينية منفصلين بهذه الطريقة على ساحة تخضع لاستعمار استيطاني عنيف ومتطرف وجبّار تفتح الأبواب على نتائج كارثية بسبب آليات كل خطاب غير المحسوبة عقلياً ومنطقياً ضمن مصادر القوة الموجودة وحدودها وإمكانيات الشعب والظروف المحلية والإقليمية والدولية والمؤطرة بالمصلحة القومية العليا، نتائج قد لا يستطيع تحملها الفضاء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الفلسطيني. وبما أن الحياة الحرة أهم حق من حقوق الإنسان، ولأن الاستعمار والاستعباد أقبح حد للحياة الحرة فإن خطاب الحياة المقاومة مطلوب في المرحلة الراهنة؛ القبول بحياة دون حرية وكرامة ليس الحل، والقبول بالموت بديلاً للحياة ليس حلاً، فالمقاومة وجدت لتقاوم قاتل الحياة لا لتقتل الحياة فينا، والحياة دون حرية أو محاولات تحرير (المقاومة) مضبوطة استسلام مطلق يضاهي الموت. الحياة والمقاومة يجتمعان.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط