كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في حديث «التنوير»

في حديث «التنوير»

تاريخ النشر: 2026-03-18 | 11:56

باريس مدينة ذات مذاق خاص، ما إن تحل فيها، حتى تهب عليك رائحتها التاريخية المميزة، وتحضر إيقاعاتها الثقافية والفكرية والتنويرية، وبما يضاعف من حماسك لعشق الحياة والحرية وتقدير الإبداع.
دعتنا «اليونيسكو» في خريف العام الماضي، لندوة تفتح نوافذ على معاني «التنوير» في إقليم الخليج العربي، وفي حضرة باريس، وفي صباحاتها الخريفية المنعشة، عادة ما تتراجع السياسية وهمومها وألعابها في النفس الجوانية، وتحضر الثقافة وذكريات فلاسفة ومبدعين وكتاب تمردوا على الاستبداد والتعصب والكراهية، وشيدوا متاحف وعمارة مميزة، وبثوّا محبة التفكر والتأمل في أزمنة صعبة وقاسية انكسرت فيها الروح، وارتفعت جُدر، وسادت صور نمطية سلبية متبادلة.
تدعوك «اليونيسكو» لتعزيز التربية والعلم والثقافة والاتصال الإنساني، لبناء السلام والمساواة في العالم والمحافظة على التراث الإنساني.
في الندوة التي احتفت بمئوية الشاعر الإماراتي سلطان بن علي العويس، حظيت برفقة قامات ثقافية إماراتية وعربية وأجنبية، نفاخر بها، مستغرقة في مفردات منظومة ثقافية طموحة، وتملك وعياً جمالياً بالكلمة والأدب، وإحساساً عالياً بالتاريخ الحافز، والتفكير النقدي والحوار.
تناولت في كلمتي مفهوم التنوير، كمصطلح وأفكار وتيارات فكرية، وهو المصطلح الذي سكّته أوروبا، في عصر النهضة، ولم يكن مجرد ثورة على الأنظمة الإقطاعية الأوروبية، وركيزتها الممثلة في سلطة الكنيسة التي سيطرت على المجال العام، بل هو في الأساس حركة فلسفية وفكرية وثقافية تراكمية، لإعلاء شأن العلم والعقل والحرية والحقوق الأساسية.
نجحت «فلسفة الأنوار»، كما تسميها باريس، في نقل أوروبا من العصور الوسطى إلى عصور الحداثة، وحملت أفكاراً للتقدم ونشر المعرفة والتفكير النقدي، وعززت أعمال علماء وفلاسفة كبار، وارتكزت على العقل التجريبي، وأرست مشاريع مجتمعية تقوم على الحرية والعقلانية والعلم، فضلاً عن بلورة مفهوم التسامح وفلسفته القانونية والأخلاقية.
تزامنت أفكار الأنوار مع صعود «المركزية الأوروبية» والشعور بالتميز والتفوّق، لكن هذه الحداثة «التنويرية» لم تستطع إحداث قطيعة مع فكرة المركزية الأوروبية، فأنتجت صوراً من الفاشية والهيمنة والاستعمار، وحربين عالميتين مدمرتين، وصولاً إلى «النيوليبرالية» في صورتها الراهنة المتوحشة، ونزعة «التمركز» حول الذات، وإعلاء الفردية المطلقة، واختلال العالم ونظامه الدولي.
وقد حدث تلاقح بين عصر الأنوار الأوروبي، وحركة «التنوير» في الوطن العربي خلال القرنين الماضيين، قادها مفكرون عرب من أمثال الكواكبي والأفغاني ومحمد عبده وفرح أنطون ونجيب عازوري، ومعاصرين آخرين بدءاً من طه حسين وعلي عبدالرازق وغيرهما.
وللتنوير في خطابنا الثقافي العربي مصطلحات عدة، مثل التجديد والإصلاح والتقدم والنهضة والتمدن والاستنارة، في مواجهة التخلف والتزمت والانغلاق، وقد تجسدت هذه المصطلحات في تيارين رئيسيين، الأول، تيار تغريبي حسم اختياره لمصلحة العقل، برموز من «العلمانيين»، ورأى أن لا مناص من الالتصاق بالغرب، كنموذج للحداثة والعقلانية، ومن رموزه يعقوب صروف، وسلامة موسى، وسُمِّي بتيار المعاصرة، أما التيار الثاني، فقد انتصر للتراث، ومن رموزه محمد رشيد رضا، وسُمِّي بتيار الأصالة.
وبدا الفكر العربي مندفعاً إلى ما يشبه الاستقطاب، وحكمت ثنائية التقليد والتجديد.
وفي النصف الثاني من القرن العشرين، برزت نزعة تنويرية توفيقية تجمع ما بين الأصالة والمعاصرة، وركزت على موضوع الإصلاح في مواجهة التخلف وتحديث الدولة الوطنية وعلى قضايا التعليم والتربية والمشاركة وتمكين المرأة، ومواجهة الاستعمار، وهذه القضية الأخيرة لم تعرفها تجربة التنوير الأوروبي ولم تكن على جدول أعمال هذا التنوير.

اليوم، يمكن القول إن مجتمعات عربية عديدة ما زالت تتعثر في دروب التنوير والنهوض والاستقرار والتماسك المجتمعي، فضلاً عن قصور في إدراك المعرفة بواقع الذات وبالعالم وتحولاته.
في إقليم الخليج العربي، الذي عانى هيمنة خارجية طويلة عزلته عن التقدم، بدت أفكار التنوير، مع محاولات تجَّار ومتعلمين تجاوز هذه العزلة المفروضة، فعملت على فتح مسارب لها على حركة التجارة والتعليم في محيطها الجغرافي، وكانت البذرة الأولى للتعليم بمبادرات من قطاع التجار المتنورين، بدءاً من التعليم التقليدي (الكتاتيب) خاصة في المراكز التجارية البحرية الرئيسية، ومروراً بالتعليم شبه النظامي، وصولاً إلى مرحلة اكتشاف النفط.
كانت الكويت والبحرين قاعدتين مهمتين لتأسيس المشروع التنويري في إقليم الخليج، وبدء الانتقال والانفتاح على أفكار الإصلاح، وعلى مراكز ثقافية وصحف ومجلات تصدر في مصر وبلاد الشام، وظهرت نوادٍ ثقافية، وتمكنت شرائح مجتمعية من تعليم أبنائها في تلك المراكز الثقافية العربية، إضافة إلى الهند، والانفتاح على حركة النشر، ومطبوعات متأثرة بمسار التنوير العربي الثقافي.
ومع تسارع وتيرة التحولات بعد اكتشاف النفط، ظهر جيل جديد من الإصلاحيين، شعراء وعلماء وقضاة وتجارٍ ميسورين، ووعي جديد لدى الناس، إضافة إلى تغيرات سكانية وحضرية إثر استقلال كيانات سياسية، وتحولات اجتماعية وثقافية، وقفزة هيكلية من مجتمع القبيلة إلى مجتمع الدولة الحديثة.
تحديث داخلي، دساتير في معظم الأقطار، انتخابات برلمانية في بعضها، انتشار واسع وسريع في التعليم، تأسيس ما يعرف ب«دولة الرفاه»، تعليم المرأة وتمكينها للمشاركة في مسيرة النهوض، القضاء على الأمية، فضلاً عن إنجاز عناصر متقدمة في منظومة الحداثة والنهضة ورخاء الإنسان وتنميته.
وها هو المجتمع العربي الخليجي اليوم منفتح على العالم في عصر تميزت وتيرته بالسرعة المذهلة في الاتصال والتقانة المتقدمة، ووجد نفسه مطالباً، حضارياً، باستقبال رياح التغيير العاصفة والتفاعل معها، وهضم أفكار النهضة والتنوير، وترتيب احتياجاته المعرفية والاجتماعية، وممارسة دور ريادي في إقليمه وعالمه، والسعي الجاد، للمشاركة في دعم فكرة «استئناف الحضارة العربية»
.....
لا شيء أجمل من الحديث عن «الأنوار» في باريس.

×
أخبار
بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط