كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في ذكرى الرحيل: دمعة على قبر أمي

في ذكرى الرحيل: دمعة على قبر أمي

تاريخ النشر: 2019-05-04 | 13:44

"إذا ماتت الأمُّ، نزَل ملَكٌ من السماء، يقول: يا ابن آدم؛ ماتت التي كنَّا نكرمك لأجلها؛ فاعمل لنفسك نكرمْك". (حديث)
كثيرةٌ هي الأحاديث والكلمات والأغاني والأشعار التي عشنا نسمعها عن الأم "ست الحبايب" ومكانتها في السياقات الدينية والتربوية والاجتماعية والأخلاقية في حياتنا، ولكننا مع كل اجتهاداتنا للأخذ بها في أنماط وأدبيات حياتنا، فإننا لم نكن ندرك حقيقة تلك العظمة وتجليات فضائلها التي تحظى بها الأم، وبالشكل الذي ينبغي، إلا عندما ترتحل بجسدها وتغيب مشاهدها وأنفاسها وهمساتها من حياتنا، حينئذ نبدأ بوجعٍ وألم في تأمل الكلمات وتذكر دلالات المعاني التي كانت ترددها، ولكنها كانت - في زمن الطفولة والشباب - تمر بلا إمعان أو تدبر. اليوم، وقد افتقدنا مشاهدها، فإن ذكريات الصحبة والجوار وحكمة وصاياها الغالية التي اكتسبتها من تجربة حياتها ما تزال تعيش معنا وتلاحقنا بقوة من حين لآخر، كما أننا نروي بعضاً منها لأولادنا وأحفادنا وكل من جاء بعدنا. 
اليوم، السادس عشر من إبريل تمر بنا الذكرى الثالثة لرحيل أمي، حيث أخذت الذكريات والكلمات التي عشنا نسمعها في سياق الوصايا والتحذيرات تعاودنا من جديد.
يا الله.. لقد دبَّ نبض الروح في الكلمات التي كانت تمر علينا سابقاً مرور الكرام.. نعم؛ اليوم تتجلى المقولات بمذاقات أخرى: فعلاً؛ "الأم مدرسة"، نعم؛ "لولاكي يا أمي ما كان ميلادي"، نعم؛ "الجنَّة تحت أقدام الأمهات"، نعم؛ "السعادة أمي، والحزن غيابها"، نعم؛ "البركة تحل بحضورها وتبتعد مع رحيلها".
عاشت أمي بعد رحيل أبي (رحمه الله) قرابة العقدين من الزمن، وكانت زيارتها لنا في أمريكا تؤنسنا في الغربة، وتمنحنا شيئاً من دفء الشوق والحنين. وبعد أن عدنا واستقر بنا المقام في أرض الوطن، كانت تجمعنا جلسات ومناسبات اجتماعية نتذاكر فيها سنوات الطفولة والمخيم والحرمان. صحيح؛ كانت أشغالنا قد تعاظمت وقلت ساعات الفراغ لنسمع الكثير من أحاديثها، ولكنَّ طفولتنا التي ترعرعت في أحضانها لم تنس "حكايا وخراريف ما قبل النوم"، ولم تغب عن مشاهدها تلك الحالة الفريدة لأم تعودنا على رؤيتها تصحو في الصباح الباكر قبل الجميع لتهيئ لنا طعام الإفطار قبل الذهاب للمدرسة، والتأكد من أن كل شيء على ما يرام، ويصاحبنا دعاؤها لنا بالتوفيق والنجاح.
في شبابي، كنت أشاهدها دينمو البيت وعمود خيمتنا، حيث تعمل بطاقة وجهد عشر نسوة من بنات اليوم، لا تتذمر ولا تشكو ولا تتعذر، بل ماكينة تعمل على مدار الساعة بلا كلل أو ملل: تطهو وتخبز وتغسل، وتجلب الماء يومياً من أماكن بعيدة، وممرضة دائمة الحضور إذا اشتكى أحد منا بالسهر والحمى.
في الحقيقة، كانت أمي (رحمها الله) هي الأكثر حضوراً في مشهد النهار، وعند المساء يعود أبي، والذي تظهر على وجهه الكثير من ملامح الكد والتعب، فلا تتركه أمي حتى يتناول طعامه ويرتوي، ويأوي بعد ذلك للفراش ليتقوى على وعثاء وشقاء عمل الغد. 
خلال سنوات عملي في أمريكا، أقامت معي أمي لبعض الوقت، وجاءت فترة كنت فيها اتعهد بنات أخي اللتين التحقتا بمدرسة إسلامية في ولاية ميرلاند على بعد أكثر من ساعة من مكان إقامتي، حيث كنت أنهض في الصباح لأخذهم إلى منطقة يتجمع بها الطلاب بانتظار باص المدرسة.
في فترة توصيلي لهم والعودة للبيت لأتجهز للعمل، والتي كانت تستغرق ذهاباً وإياباً حوالي 45 دقيقة، كنت أجد أمي (رحمها الله) قد أعدت لي طعام الإفطار أشبه بوجبة الغداء، وتقول لي: "كل يامَّه انت بتتعب.. طول اليوم شغل.. تنجى وكل ودير بالك على حالك وشبابك". كانت ابتسامتي لكلماتها تخفي عيوناً رطبتها الدموع.
لقد كانت أمي من ذلك الجيل الذي نسميه "نسوان زمان" و"جمل المحامل" من ماجدات فلسطين، التي تعمل ليل نهار لتدير مشروع الستر والاستقرار والتوازن داخل البيت، وهي تتدبر أمور حياة العائلة في حدود ما كان يوفره الوالد (رحمه الله) من مال قليل يساند ما كنا نتلقاه من مواد تموينية كانت تزودنا بها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا).
نعم؛ كان البيت في المخيم مكوناً من غرفتين وساحة صغيرة (قاع الدار)، وكنا نصطف عند النوم محشورين في غرفة واحدة لا تزيد أبعادها عن 3 أمتار في 3، والسعيد منا من كان موقعه بالجوار منها.
قبل أن تغادرنا إلى الرفيق الأعلى، كنا نشعر بأن سنوات عمرها التي قاربت التسعين عاماً، وأيامها المثقلة بأوجاع المرض لن تطول، وكان إخوتي يتفاوتون بعملية الرعاية والاهتمام بها، ولكنَّ الكل كان يسعى جهده - بحسب ماله ووقته – للقيام بما نعتبره في ديننا وقيمنا وأعرافنا "برُّ الوالدين".
ونظراً لأننا كإخوة كنا متوزعين بين مكانين في حي "تل السلطان"، فكانت تحرص في فترة العصر إلى المغرب أن تقضيه في بيت العائلة، والذي يبعد حوالي 400 متر عن سكنى أخي الذي تقيم عنده في "برج الأندلس"، حيث لم يمنعها عدم القدرة على المشي، فكانت تستعين بـ"الكرسي المتحرك".
في يوم وفاتها، كنت قد عدت من عملي قبيل المغرب، وكانت زوجتي قد سبقتني إلى بيت أخي (أبو النعمان)، حيث تقيم أمي أغلب الوقت، وقد راودها إحساسٌ بأن عمر أمي قد دنا، فأشارت عليَّ بالقدوم لرؤيتها. ذهبت إلى هناك، وكانت صامتة وتنظر بتفحص في وجوه كل من حولها، وكأنها تلقي علينا نظرة الوداع. 
أمسكت القرآن، وأخذت أقرأ عليها سورة ياسين، وهي تنصت ولا تتكلم، فقط كانت عيونها هي من تطيل في وجهي النظر. شعرت بالارتياح لتلك النظرات، وودَّعتها لكي أعود إلى البيت، حيث كان تعب العمل قد أخذ مني كل عافية أو قدرة على السهر. وقبل أن أصل البيت بأمتار قليلة، رنَّ جرس الهاتف، وإذا بها زوجتي، تقول لي بكلمات حزينة وباكية: "عليك بالعودة فقد أعطاك الله عمر والدتك رحمها الله".
شعرت بشيء من الارتياح لتلك الساعة التي قضيتها إلى جانبها، وتمتمت: لكل أجل كتاب، لقد أذن المولى لها بالرحيل، لقد أنجزت المهمة على أكمل وجه، وكان الكل والحمد لله بارَّاً بها.
بعد أن انتهت أيام العزاء، جاءت مواجع الذكريات، ولكننا حمدنا الله أن أعطاها هذا العمر المديد لتعيش بيننا، وإن كانت قد عايشت استشهاد اثنين من أبنائها، وظلت غيبة الآخرين بعيداً في أمريكا والجزائر حسرة توجعها، ولم تكن الاتصالات الهاتفية برغم كثرتها لتروي ظمأ أمٍ قضت حياتها ترعى صغارها، الذين فرقتهم المنافي وابتلعتهم 
/رغم تواجدهم في حضرة الغياب.
نعم؛ كانت أمي سنديانة البيت، تعلمت منها الجد والاجتهاد، وأخذت من أبي الهيبة والعزة والكرامة والجرأة في قول الحق ونصرة الضعفاء.. فلأمي التي طاب غرسها بهذا العطاء الوافر من البنين والبنات، وما شكلوه من "حالة فلسطينية" لم تتأخر ولم تبخل، بل تسابقت كغيرها على تقديم غالي المهج والأرواح، فكان من بينهم الشهداء (شريف وأشرف)، وكان منهم من يستحق الفخر به من المناضلين داخل ربوع الوطن وخارجه.
لأمي - كما لأبي - فضل كل ما بلغناه أنا وإخوتي من عروةٍ وثقى وعلمٍ ومكانةٍ تُرجى، ولروحيهما الطاهرة منَّا الدعاء: (ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيراً).

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط