كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في ذكرى محمود درويش كما لو لم تقرأه من قبل !!

في ذكرى محمود درويش كما لو لم تقرأه من قبل !!

تاريخ النشر: 2020-08-10 | 04:36

محمود درويش كما لو لم تقرأه من قبل:

هذه القصة وردت في مؤلفات شلومو ساند، الكاتب الفذ الذي أعاد رسم التاريخ، لقد أسرني العمق الذي تحدث فيه بغض النظر عن رأي الشخصي، نقلت القصة مع بعض التحرير.
القصة
ولد في عام 1942 في قرية صغيرة، صار لاجئاً حينما نزحت عائلته في أثناء المعارك التي كانت دائرة في اللبنان، على أنقاض القرية اقيمت مستوطنة يهودية، في العام 1943 عادت عائلته خلسة إلى أقربائها في منطقة الجليل.
هكذا انضم محمود لسنوات عدة للجمهور الذي سمي في اسرائيل (حاضرون غائبون)، وهم اللاجئون الذين بقوا في وطنهم، ولكنهم فقدوا أراضيهم وكل ممتلكاتهم.

كان محمود صبيا كثير الاحلام وموهوباً، استطاع لفترات متقاربة أن يدهش مدرسيه وأصدقاءه، بلغته الغنية وخياله الجريء. انظم للحركة الشيوعية وتحول بسرعة إلى صحافي وشاعر، انتقل للسكن في مدينة حيفا والتي كانت وقتئذ المدينة المختلطة (أي اليهودية ، العربية )، التفى بشباب وشابات إسرائيليين حقيفيين وبالمقابل ألهبت أعماله الشعرية مشاعر جمهور أخذ في الازدياد، فقصيدتة الجريئة المسماة ( بطاقة هوية )، والتي كتبت في العام 1964، هزت جيلا بأكمله من الشباب العرب وتخطت حدود البلد، في مستهل القصيدة يحتج الشاعر باعتزاز أمام موظف وزارة الداخلة الإسرائيلية:
سجِّل! أنا عربي
ورقمُ بطاقتي خمسون ألف
وأطفالي ثمانيةٌ
وتاسعهم .. سيأتي بعد صيف
فهل تغضب ؟
فرضت إسرائيل على سكانها المحليين من غير اليهود حمل بطاقة هوية سجلت فيها قوميتهم على أنها ليست اسرائيلية، ولا حتى فلسطينية، إنما فقط عربية. هكذا بصورة جد متناقضة تحولت إسرئيل إلى أحد الاماكن الوحيدة في العالم التي حرّرت اعترافاً بالقومية العربية.
فالعدد المتزايد للسكان الأصليين الذين بقوا في إسرائيل سيبدأ في سنوات لاحقة بإثارة القلق لدى السلطات والسياسيين الإسرائيليين، وقد تنبأ الشاعر تماماً بذلك في حينه.

تحول محمود بسرعة إلى (عنصري تآمري) في الستينات، حيث كانت اسرائيل تخشى الشعراء أكثر من الشهداء في حينه، اعتقل لفترات متقاربة، فرض عليه الحبس المنزلي، وفي الفترات التي يسودها الهدوء حظرت عليه مغادرة حيفاً من دون الحصول على إذن مسبق من الشرطة.
لقد تحمل الملاحقات والقيود وببرودة أعصاب وبصورة غير شاعرية ، ورغم الخناق والضيق فقد تواسى في الكثير من الأصدقاء الطيبين الذين حجوا إلى شقته الواقعة في وادي النسناس في حيفا.
كان هناك بين أصدقائه البعيدين شاب شيوعي من يافا، رغم أنه لم يجيد العربية، إلا أن بعض القصائد المترجمة أثارت خياله وأغرته بمحاولة الكتابة، لقد كان يزور الشاعر عندما يتم تسريحه من الجيش. زادت الأحاديث من إيمانه وقوته بمواصلة النضال، وقد كان لهذه الأحاديث قيمة إضافية : بفضلها سرعان ما توقف عن كتابة قصائد فجة ومحرجة.
في نهاية العام 1967 عاد الشاب لزيارة حيفا، وكان قد اشترك في معارك احتلال القدس، بل وأضطر لإطلاق النارعلى الفلسطينين وتخويفهم، كانت إسرائيل في نشوة انتصارها، أما العرب فكانوا مهانين. ولقد كان شعوره سيئاً، وفاحت منه رائحة سيئة رائحة حرب نتنة. لقد اشتهى مغادرة كل شيء وترك البلد .. ولكن قبل ذلك، طلب وللمرة الأخيرة لقاء شاعرة المحبوب.
حين حارب الجندي في المدينة المقدسة، كان محمود مقيداً وقد اقتيد في شوارع حيفا إلى المعتقل، وعندما تم إخلاء سبيلة للمنزل التقى به الجندي، أمضيا معاً ليلة بيضاء، أعرب الجندي عن اشمئزازه من صهوة النصر، وكذلك عن يأسه، وعن غربته من الأرض التي سفك عليها دم زكي، حتى أنه تقيأ روحه عند نهاية الليل، عند الظهيرة، أيقظه مضيفه وترجم له قصيدة مع بزوغ خيوط ضوء النهار( جندي يحلم بالزنابق البيضاء).

يفهم – قال لي – أن الوطن:
أن أحتسى قهوة أمي
أن أعود في المساء..
سألته والأرض ؟
قال: لا أعرفها.

اعتبر نشره لقصيدة فلسطينة في العام 1968 حول الجندي، تكفيراً عن ذنبه وعنفة، وفقدان صوابه أثناء المعركة، كمن يشعر بالذنب على مشاركته في احتلال أرض ليست له، بمثابة خيانة، فجنود إسرائيليون من هذا النوع لم يكونوا موجودين، هوجم الشاعر الحيفاوي بشدة بل واتهم بالتعاون الثقافي مع العدو الصهويني
ولكن ليس لأمد بعيد، فقد ازداد تألقه من يوم إلى يوم، وسرعان ما تحول إلى رمز الصمود والثبات للفلسطينين . في نهاية المطاف ترك الجندي البلد، ولكن الشاعر كان قد تركها قبله، لم يكن قادراً على الاستمرار في تحمل الخناق البوليسي, والمضايقات والازعاجات اليومية، هرعت السلطات الإسرائيلية إلى إلغاء حنسيته المشكوك فيها، ولم ينسو أن هذا الشاعر الوقح كان أول عربي في إسرائيل يصدر ( بطاقة هوية) خاصة به، في حين ما كان يُفترض أن تكون له هوية على الإطلاق.
تنقل من عاصمة إلى أخرى فيما أخذت شهرته في الازدياد في النهاية، ومع بداية التسوية المؤقتة في سنوات اوسلو، سمح له بالعودة والإقامة في مدينة رام الله، منع من الدخول إلى إسرائيل. وفقط قبل جنازة أحد الأصدقاء لانت سلطات الأمن وسمحت له بالعودة لساعات معدودة تمكن خلالها من تأمل ربوع الطفولة، وبما أنه لم يحمل معة عبوة ناسفة فقد سمح له لاحقاً بالقيام بزيارات خاطفة أخرى.
بالمقابل مكث الجندي لسنوات عدة في باريس، ودرس هناك، وتمشى في أزقتها الجملية، ولكن هزمته الأشواق وقرر العودة، رغم غربته عن الأرض غلبته الأشواق لشوارع المدينة التي تربى فيها، فعاد للمكان الذي يدعي بأنه (دولة اليهود)، أما الشاعر المتمرد الذي كان الوطن أضيق من أن يحتويه، فمات في رام الله يوم 8 أغسطس 2008.

لمتابعة الأخبار وآخر المستجدات .. انضم الآن إلى قناة "أمد للإعلام" .. اضغط هنا

 

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط