كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في رثاء الصديق "أبو رأفت" رحمه الله

في رثاء الصديق "أبو رأفت" رحمه الله

تاريخ النشر: 2021-11-18 | 09:40

تأتي معرفتي بالصديق الكاتب والروائي والناشر والمسرحي الفلسطيني محمد عبد الله البيتاوي متأخرة، على الرغم من أنني أعرف دار الفاروق منذ نشأتها، عندما كانت تصدر مجلة نوافذ، حيث نشرت لنا نحن الأصدقاء الثلاثة لينا الشخشير ورمضان عمر وأنا مقابلة مع الشاعرة فدوى طوقان رحمها الله خلال زياراتنا لها في بيتها وإجراء لقاء معها. ثم تنشر لي في أحد أعدادها نصوصي الأولى التي كتبتها وأنا في مرحلة الماجستير، لقد نشرت لي المجلة دون أن يعرفني محرروها، وكنت آنذاك مجرد طالب يتلمس طريقه، باحثاً عمن يهديه سواء السبيل.

لم ألتق بأبي رأفت إلا في السنوات الأخيرة، عندما صرت أشارك في جلسات دار الفاروق الثقافية مع ثلة من مثقفي وكتاب محافظة نابلس بدعوة من الكاتب الصديق رائد الحواري، فأوسع لنا المحل، واستبشر بنا، نحن الجيل الجديد من الكتاب. فناقش كثيرا من أعمالنا، وكانت له نظرته الفنية الأدبية فيها.

كان رحمه الله تاريخا زاخرا بالأحداث والمواقف، منذ أن عمل بالصحافة الفنية متنقلا بين عمان ونابلس والقاهرة، ثم عمله في صناعة السكاكر والحلقوم، وبعدها في تأسيس دار نشر الفاروق للثقافة والنشر في التسعينييات، ومساهمته في تأسيس اتحاد الناشرين الفلسطينيين.

بصفته ناشرا كان يهتم- رحمه الله- بأن تكون المادة جيدة من ناحية أدبية، ويحرص على أن تكون لغة النصوص سليمة، لذلك كان يقرأ تلك المخطوطات التي ترد إليه بعمق ويقدم رأيه فيها، وقد يضطر إلى إعادة صياغة بعض ما جاء فيها، عدا أنه كان يعرضها على مدققين لغويين، وكنت واحدا من هؤلاء الذين راجعوا بعض الكتب لغويا، وإعطاء رأي حولها وتوصية بالنشر أو عدمه، فلم ينشر تلك الأعمال الرديئة التي يوصي أصدقاؤه بأنها رديئة، ويحترم آراءنا، ولا يهتم بعدها بأي أمر آخر.

لقد كانت مواقف الرجل وإسهاماته كبيرة وذا تأثير كبير في أدباء كثيرين، صاروا اليوم أعلاما في سماء الأدب الفلسطيني، وكان وحدويا فلسطينيا عروبيا ملتزما، ذا صداقات ممتدة مع الكل الفلسطيني، فاحتضنت الدار أدباء فلسطينيين من كل بقاع فلسطين التاريخية. ولن أنسى اهتمامه بدعم الشباب بتخصيص جائزة "دار الفاروق للرواية" التي نظمتها الدار سنة واحدة وكرمت مجموعة من الكتاب وطبعت لهم رواياتهم.

ومن خلال تجربتي مع دار الفاروق حيث نشرت لي في السنتين الفائتتين كتبا متعددة، بدءا بكتاب: "لا شيء يعدل أن تكون حراً"، و"أسعدت صباحاً يا سيدتي"، و"من قتل مدرس التاريخ؟"، وتولى تنفيذ طباعة كتاب "استعادة غسان كنفاني" نيابة عن دار الرعاة في رام الله. من خلال هذه الخبرة وهذه العلاقة التي جعلتني قريبا من هذا الرجل الفاضل، فقد كان نعم الداعم، ونعم الأستاذ، ونعم الأديب، ونعم المثقف، لم يكن ليعجبه "الحال المايل" في أي شيء لا في الكتب ولا في الحديث ولا في السياسة ولا في العلاقات بين الناس.

عندما داهمه المرض العضال، سرطان العظم، لم يكن ليضعف، لم يكن إلا ذا عزيمة قوية، وأصر على أن يتحامل على نفسه، موزعا وقته بين المستشفى ومقر الدار، وعندما كانت تشتد عليه الحالة، كان يتابع العمل عن طريق الهاتف. لقد ظل مخلصا لرسالته حتى آخر لحظة. يتابعنا ونتابعه من المستشفى أو من البيت أو من خلال الموظفة المخلصة النشيطة الآنسة حنان.

كنا نحبه كلنا، ونتمنى أن ينتصر على المرض وعلى القدر، ولكن لا مفرّ مما هو أكبر من أمنياتنا، ومن تمنياتنا. رحل أبو رأفت وخلف في أرواحنا حسرة، وفي قلوبنا وجفة، وفي أقلام رجفة، وفي عيوننا دمعة حرّى تترك أثرها في عيوننا التي ستشتاق رؤيته. فلم يعد هذا الرجل الطيب بيننا، ستشتاق أفكارنا وأسماعنا حديثه المتتابع الناضح بنبرته القوية الواثقة. لقد ظل صلبا قويا حتى آخر مكالمة بيني وبينه وأنا أتابع شؤون كتاب "من قتل مدرس التاريخ؟"، فلم يغب عن العمل يوما واحداـ لقد ظل معنا ويشجعنا، حتى وهو في أشد الأوقات حاجة للراحة والاطمئنان والهدوء.

سيفتقدك أحبابك وذووك يا أبا رأفت، كما سنفتقدك، ستفتقد لمستك الكتب الجديدة التي أودعت في المطبعة فلن تراها ولن تفرح مع كتابها، ستكون فرحتهم ناقصة وأنت لست معهم.

بغيابك يا صديقي سيحرم الكتاب الجدد من ناشر رحيم رؤوف بهم، وهم يروْن الناشرين كالمناشير بلا رحمة ولا أمان ولا تقوى ولا نظرة. وأنا على نحو خاص سأفتقدك صديقا عزيزا ونجيّا مقرّباً، فمن غيرك سيسمع الحديث ويقدّره أيها الرجل الجبل الذي لم يفلح المرض أن يهدمه في نفوسنا وإن رحل عن هذه الفانية، فالناس بمواقفها، والمثقفون بمبادئهم. ستبقى حيا بيننا بدرا لن تغيب بأفكارك وكتبك ودار الفاروق التي لها من اسمها نصيب، ستظلّ شامخة بعون الله تفرق بين جيد الأدب فتحتضنه وبين رديئه فتتخلص منه.

الرحمة والمغفرة والجنة يا أبا رأفت، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط