كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في زمن النزوح… ماذا بوسع النخبة الفلسطينية أن تفعل؟

في زمن النزوح… ماذا بوسع النخبة الفلسطينية أن تفعل؟

تاريخ النشر: 2026-04-04 | 09:03

من أبجديات الحالة النضالية أنه حين تضيق الخيارات السياسية، تتسع مساحة الأخلاق ويتعاظم نداء الواجب، وحين يُحاصر الجسد، ينبغي أن تبقى الروح قادرة على الفعل وصناعة الأمل.
ففي خضم المشهد القاسي الذي يعيشه شعبنا في قطاع غزة، حيث تتكاثف صور النزوح والفقد، وتتلاشى الحدود بين الألم اليومي والأسئلة الكبرى، يجد كثير من أبناء النخبة الفلسطينية أنفسهم أمام سؤالٍ مُلحّ لا يغادرهم: ماذا يمكن أن نفعل؟ وكيف يمكن أن نخفف من معاناة شعبٍ أنهكته سياسات القتل والتجويع والحصار، في ظل حالة من الضبابية السياسية وانعدام الأفق؟ لم يعد هذا السؤال ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة أخلاقية ووطنية تفرض نفسها على كل من بقي له دور أو كلمة أو قدرة على الفعل.
والنخبة الفلسطينية، في هذا السياق، ليست طبقة مغلقة، بل شبكة من الفاعلين في مجالات السياسة والفكر والاقتصاد والمجتمع والإعلام، يمتلكون قدرة متفاوتة على التأثير في الرأي العام وصياغة المواقف، وتتعاظم مسؤوليتهم الأخلاقية والوطنية كلما اشتدت الأزمات وتقلصت الخيارات.
فالنخبة التي تعيش اليوم في قلب مخيمات النزوح لم تعد تملك رفاهية المسافة أو الاكتفاء بالمراقبة، بل باتت جزءًا من المشهد، ومن ثم جزءًا من المسؤولية. في لقاء جمعنا على هامش دعوة غداء، طرحت سؤالًا على من حضر من أصدقاء ذوي مشارب سياسية وثقافية واقتصادية وحزبية مختلفة حول ما يجري داخل مخيمات النزوح: معاناة بلا أفق، وضبابية تجعل الحليم حيران، وعجز عن استقراء مستقبل مرتهن لمتغيرات الحالة الوطنية، والتصدعات الإقليمية والدولية، وفوق ذلك كله البلطجة الأمريكية، وحالة الاستعلاء الإسرائيلية، وانعكاسات الحرب الدائرة مع إيران على قضيتنا الفلسطينية.
تساءلنا: ما الذي يمكننا فعله لإثبات الحضور، خاصة فيما يتعلق بأحوال النازحين؟ تداولنا الأفكار، وكلٌّ أدلى بدلوه، غير أننا لم نخرج بما يشفي الغليل. بدت الصورة مليئة بالثغرات، وكلٌّ يحاول أن يقارب في أدائه الوطني والإغاثي والإنساني، وفي تحريك الوعي لتعزيز صمود شعبنا وترابط نخبه، وما تبقى من أشلاء فصائله التي خسرت كثيرًا من رصيدها في الخطاب والفاعلية، بما يهدد استمرار دورها النضالي وهيبتها الوطنية.
حاولت بعد ذلك أن أجمع بعض النقاط، بوصفها جهد المقل، الذي وجد نفسه على مفترق مسارات غامض، لا يتبدى فيه إلا التيه والقلق، كما نقول في أمثالنا الشعبية: مشهد "طريق الوداود اللي بتودي ما بتعاود".
ولعل أول ما ينبغي التأكيد عليه أن دور النخبة في مثل هذه الظروف البالغة القسوة والغموض لا يُقاس بقدرتها على تغيير المعادلات الكبرى، بقدر ما يُقاس بقدرتها على التخفيف من آثارها المباشرة على الناس. فحين تعجز السياسة، يتقدم الواجب الأخلاقي، وحين تضيق الخيارات، يصبح الفعل الإنساني مساحة لا يجوز التفريط بها.
إن وجود النخبة، بتنويعاتها المختلفة، داخل المخيمات يمنحها فرصة—وربما يفرض عليها واجبًا—في أن تكون أكثر التصاقًا بالناس، وأكثر قدرة على تنظيم الجهود وتوجيهها، بدل أن تبقى رهينة العفوية والفوضى. فتنظيم العمل الإغاثي، ولو في حدوده الدنيا، يمثل أحد أهم أدوارها في هذه المرحلة؛ إذ إن إدارة الموارد المحدودة بعدالة، وتنسيق المبادرات، وتحديد الأولويات، يمكن أن يُحدث فارقًا حقيقيًا في حياة آلاف الأسر.
كما أن دعم المبادرات المجتمعية البسيطة، كالمطابخ الجماعية (التكايا) وشبكات التكافل، ليس مجرد عمل خيري، بل هو شكل من أشكال الصمود المنظم، الذي يحفظ للناس شيئًا من كرامتهم في وجه القهر.
وفي موازاة ذلك، تبرز معركة أخرى لا تقل خطورة، وهي معركة الوعي. فالحرب لا تستهدف الأجساد فحسب، بل تسعى إلى إنهاك العقول، ودفع الناس إلى اليأس أو التطرف أو الانكفاء. وهنا يصبح على النخبة أن تضطلع بدور توعوي يعيد ترتيب الفهم، ويقدم خطابًا متوازنًا يحمي الناس من الانهيار النفسي، دون أن يسقط في الوهم أو التهويل. إن الحفاظ على وعي المجتمع، خاصة لدى الشباب، هو استثمار في المستقبل، حتى وإن بدا الحاضر قاتمًا.
والشباب تحديدًا يمثلون التحدي الأكبر والفرصة الأهم في آنٍ واحد؛ فهم الأكثر عرضة للضياع في ظل هذا الواقع القاسي، وهم في الوقت نفسه الأكثر قدرة على النهوض إذا ما وُجد من يحتضنهم ويوجه طاقاتهم. إن توفير مساحات للتعلم، ولو بوسائل بسيطة، وتشجيع المبادرات الشبابية، وفتح آفاق للحوار والتعبير، كلها خطوات قد تبدو متواضعة، لكنها قادرة على حماية جيل كامل من الانكسار.
ولا يمكن إغفال أهمية التوثيق في هذه المرحلة؛ فكل ما يجري اليوم هو جزء من سردية يجب أن تُكتب بأمانة، وأن تُنقل إلى العالم لا بوصفها أرقامًا، بل باعتبارها حكايات بشرية تعكس عمق المأساة وعدالة القضية. إن النخبة، بما تملكه من أدوات المعرفة والكتابة، مطالبة بأن تكون شاهدة على العصر، لا أن تترك الرواية لغيرها.
في النهاية، قد لا تملك النخبة الفلسطينية القدرة على وقف الحرب أو كسر الحصار، لكنها تملك ما هو أبعد من ذلك: القدرة على أن تكون سندًا لشعبها، وحارسةً لوعيه، ورافعةً لصموده. وبين الممكن والمأمول، يبقى الفعل—مهما كان محدودًا—أفضل من العجز، ويبقى الأمل—مهما بدا هشًا—أقوى من الاستسلام.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط