كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في ظلال طوفان الأقصى: وتبقى غزة.. مقبرة الغُزاة

في ظلال طوفان الأقصى: وتبقى غزة.. مقبرة الغُزاة

تاريخ النشر: 2023-11-28 | 07:41

د. أحمد يوسف
د. أحمد يوسف

في عام 2011، كنت في زيارة لإسبانيا للمشاركة في مؤتمر دولي خاص، جمع شخصيات إسلامية من العديد من الدول العربية وأخرى غربية، وكان اللقاء في مدينة قرطبة؛ حاضرة الأمويين في الأندلس.. وفيما أنا أتجوَّل في أحد شوارع المدينة، استوقفني شخص إسباني اسمه "مانو"، وسألني: من أين أنت؟، حيث إنَّ الكوفية التي كنت أضعها على كتفي وعلم بلادي الظاهر عليها لفتت انتباهه، ودفعته -في سياق الفضول- للسؤال عن هويتي، فيما بدا أنه إنسان مثقف، ويعرف بعضَ الشيء عن منطقة الشرق الأوسط.

قلتُ كشخصٍ مجروح ومُتعب بعروبته: أنا في الحقيقة أتكلم لغة الضاد، ولكن بلهجة ممزوجة بمفردات الدم ووجع الضحايا، الذين خذلهم العرب ونسيهم -واأسفاه- المسلمون.

أجاب مستغرباً: كيف؟

قلت له وأنا ألاطفه وأمازحه: قصتنا طويلة.. فتعال معي فأنا -الآن- أتضور من الجوع، وأبحث عن مطعم فيه "أكل حلال".

قال -وكأنه مثلي تُزقزق عصافير بطنه من الجوع: أعرف مطعماً تُركيَّاً هنا في الجوار، دعنا نذهب إليه لنأكل عنده "شاورما وكباب" ونستكمل الحديث.

طلبنا الطعام، ثم عدنا لمواصلة الحديث عن العرب وفلسطين، وما نعانيه في قطاع غزة جراء الحصار والاحتلال الإسرائيلي.

بدأت الحديث عن عملي كسياسي وأستاذ جامعي وشخصٍ خبير بالعالم الغربي، حيث مكثت في أمريكا قرابة العشرين عاماً بين الدراسة والعمل، وزرت الكثير من الدول الأوروبية، وأنني -اليوم- أعيش في قطاع غزة، حيث يحاول شعبنا ممارسة حقه المشروع في المقاومة لتحرير أرضه المحتلة، وتحقيق طموحاته في الحرية والكرامة والاستقلال.

كان الرجل يُنصت باهتمام، ويُصغي لكلِّ ما أقوله بطريقة من يطلب المزيد من الشرح والكلام.

قال لي إنه يعرف بعض الشيء عن منطقة الشرق الأوسط، وقد زار عدداً من دوله العربية، وهو شخص يساري التوجه، ويعلم أن الكثير من حُكَّام العرب هم كـ"ملوك الطوائف" السابقين في الأندلس، ممن فرَّقتهم الأهواء والمصالح السياسة والتبعية الدونيِّة للحاميات الغربية، وأن شعوبهم تعاني من الاضطهاد والاستبداد السياسي، كما أنَّ فلسطين بالنسبة لكثير منهم أضحت إشكالية ثانوية وقضية من الماضي.

سألته وأنا أهزُّ رأسي بأسى: هل تعرف الشاعر العراقي مظفر النواب وماذا قال يوماً في هؤلاء الزعماء العرب، بعد أن أغاظته استناخة أكثرهم ودورانهم في فلك التبعية للغرب.

تمتم بلغة التلهف والسؤال: وماذا قال فيهم؟

أجبت بتوجعٍ: إنَّ الكلام الذي قاله فيهم أكثر من قاسٍ، ولكنه في الواقع يعكس حقيقة أكثرهم.. وردَّدت له بعض أبيات القصيدة كما كنت أحفظها، وشطرها الأشهر: "أولاد القحبة لستم عرباً.."                                                                      

هز رأسه باستخفاف وقال: بيستاهلوا!!

واصلت سرد الحكاية، وماذا تعني غزة ومقاومتها وتاريخها، وأخذت أروي له ونحن نحتسي فنجان القهوة التركية بعد الغداء قصة شامبليون مع نابليون بونابرت عندما جاء خلال حملته العسكرية غازياً لفلسطين، ولكنَّ أحلامَ عظمته تحطمت على أسوار عكا، وخرج منها مذموماً مدحوراً، يُجرجر أذيال الهزيمة والانكسار.

وبناء على مجريات تلك الوقائع التاريخية، جاءت السرديِّة في صفحاتها لتروي أحداث ما جرى في أول إطلالات تلك الحملة الفرنسية، والتي لخَّصها هذا الحوار بين الفيلسوف وقائده العسكري نابليون بونابرت..

قالَ لهُ نابليون: تقدَّم يا شامبِلْيون، ها هيَ أوَّلُ مُدنِ الشَّامِ الكَبيرةِ تسقطُ في أيْدِينَا.. ما أسهلَ ما أحرزْنَا منْ نَصْر.. فماذا تقولُ كُتبُكَ يا شامبِلْيون عن هذهِ المدينةِ، وأضافَ ساخِراً: كمْ عُمْرُ هذهِ المَدينة؟

فأجابَهُ شامبِلْيون: مدينةُ غزَّةَ يا سَيِّدي.. مَوجودةٌ مُنذُ عَصْرِ البرُونْز.. لمْ تكُن تحمِلُ نفسَ الاسمِ أو الملامحِ، لكنَّها كانَت في أَوْجِ ازدِهارِهَا حينَ غزَاهَا الهِكسوسُ قبلَ ستَّةَ آلافِ سَنَة.

ضَحِكَ القائِدُ مُستهزِئاً: أوْجُ ازدهارها!! وهل كانَت مِثلَ باريس مثَلاً؟!

قال شامبِلْيون بِثِقَةٍ: لمْ تكُن باريسُ مَوجودةٌ في ذلِكَ الوقتُ سَيِّدِيْ القائِد.. ولمْ تكُن فرنسا أيضاً مَوجُودة... كانَ أجدادُنا يخُوضونَ عُراةً في مُستنقعاتِ ما حَوْلَ نهرِ السِّيْنِ، في الوقتِ الذي بنَى فيهِ أهلُ هذهِ المدينةِ القُصورَ المُزوَّدةَ بِغُرفِ الاستحمامِ الرَّحْبَةِ ومَجارِي المياهِ، وغُرفِ النَّومِ ذاتِ الأسِرَّةِ المصنُوعةِ منَ الخشبِ والمحشُوّةِ بريشِ النَّعام. كانَت شوارعُ غزَّةَ في ذلِكَ الوقتُ –سيِّدي- مُعبَّدةً، تقطعُها العَربَاتُ التي تجرُّها الخُيول.. إنَّ أهلَها يا سيِّدي أصحابُ حضارةٍ رائِدة.

لقد حَكمَها الهكسُوسُ حينَ حكمُوا مِصرَ، وسُمِّيتْ غزَّةُ في عهدِ الكَنعانيِّينَ مُنذُ ثلاثةِ آلافِ سَنةٍ قبلَ المِيلاد.. سمُّوهَا غزَّةَ ومعناهَا في لُغتهِم العِزَّةُ والكِبريَاء.

غَضِبَ نابُليون سَاخِطاً.. وسَأل: وماذا سيقولُ عنِّي التَّاريخُ يا شامبِليُون؟

قال شامبِليُون: ما قالَهُ عن الفاتحينَ قبلكَ سيِّدي.. هذهِ المدينةُ هيَ سُرَّةُ العالَمِ؛ كُلُّهُم مرُّوا مِنْ هُنا.. الذينَ فتحُوا الشَّرقَ والذينَ فتحُوا الغربَ أيضاً (أُحمس.. نبوخذ نصَّر.. الإسكندر المقدُوني.. يُوليُوس قيصَر)، فمِنهُم مَنْ تركَ تَوقيعَهُ على قِطعَةٍ منَ النُّقودِ أو الآجرِ، ومنهُم من لم يفعَل.. كُلُّهُم جاؤوا وذهَبوا وبَقِيَتْ هذهِ المدينَة.. لا الزَّلازِلُ ولا الأوبِئَةُ ولا الطَّواعينُ استطاعَتْ أنْ تقتُلَها.. في كُلِّ مرَّةٍ كانَت تُولدُ منْ رَمادِهَا كما تُولدُ العَنقاء.

اليوم، يحاول الغزاة الصهاينة التجربة من جديد، رغم أنها أخرجتهم منها في عام 2005، وقاموا -وقتئذ- يُخرّبون مستوطناتهم المُتواجدة فيها بأيديهم وأيدي المؤمنين من أبناء غزة وأطفال حجارتها، يومها تمنى رابين لو ابتلعها البحر، ولم يلحق بهم كلَّ هذا الذُّل والهوان من أطفال حجارتها.

اليوم في المشهد المقاوم، يعاود الغزاة الغاصبين هجماتهم، بهدف الوصول مرة ثانية إلى غزة وإعادة احتلالها، بعدما سجَّلت مقاومة أبنائها أعظم ملحمة انتصار في معركة "طوفان الأقصى" يوم السابع من أكتوبر للعام 2023.

وفيما نحن نتصفح صفحات التاريخ، تستوقفنا محطات نترجل عندها، ونردد: ما أشبه اليوم بالبارحة!

لن يطول الوقت حتى يأتي من يُذكِّر قادة اليمين والمتطرفين الصهاينة من جنرالات إسرائيل: ويلكم!! ألم تقرأوا تاريخ غزة وتُقلِّبوا صفحات ملاحمها ومجدها التليد؟!

 فها أنتم وبعد السابع من أكتوبر حيث معركة طوفان الأقصى، تتذوقون الهزيمة بطعم الموت والهوان، إذ انتصر الدم على السيف، والكف الفلسطيني لم يهزمه -أيها الصهاينة- مخرزكم الطويل. وكلّ بطولاتكم كانت في قتل الأطفال والنساء وهدم البيوت على ساكنيها، أما في الميدان فقد شاهدكم العالم عبى الفضائيات وأنتم تهربون كالجرذان في مستوطنات غلاف غزة.

وتمر السنين منذ ذلك اللقاء مع الصديق "مانو"، لتأتي أحداث محرقة غزة، ليتواصل معي، ويسأل عن حالي وحال عائلتي وحال غزة، وأنه يتفهم مظلوميتنا، وهو يحاول مع الآلاف من الإسبان وقف الحرب والعدوان على قطاع غزة.

قلت له: سيد "مانو" شكراً لك، فأنت إنسانٌ صاحبُ ضميرٍ، وقضيتنا تحتاج إلى الكثير من ألأنصار، وأنت تعلم أننا شعبٌ يستحق الحياة.

ظل "مانو"، الذي أصبح ممثلاً لبلاده في البرلمان الأوروبي، على تواصل معي طوال أيام الحرب، وكلما توافرت شبكة الانترنت نتبادل الرسائل الصوتية والمكتوبة.

ختاماً.. إنَّ الدول الغربية ليست كلَّها ملَّةً واحدة في مشاعرها وأحاسيسها، كما أنَّ شعوبها ليست كحكوماتهم في مواقفها وسياساتها، فالتظاهرات التي تشهدها حواضر الغرب بعشرات الالاف مطالبة بوقف الحرب وإنصاف الفلسطينيين إنما هي دليل على صحوتها، وأنَّ السردية الإسرائيلية الدعائية لم تَعد لها مصداقيةً حتى بين الكثير من يهود تلك الدول وشعوبها.

ورغم حجم الكارثة التي حلَّت بقطاع غزة، من حيث خسائر البشر والحجر وصفحات الذكريات، فإن مشاهد البطولة والصمود هي السرمدية التي لن تغيب كأحد أهم شواهد سرديتنا الفلسطينية.

كانت غزةُ على الدوام مقبرةً للغزاة، واليوم رسالتها للغزاة المحتلين من الصهاينة: مكانكم محفوظ كمن سبقكم من الغزاة المستعمرين، فمهما علا شأنكم فإن مصيركم وعاقبة أمركم خُسرى، ومزابل التاريخ لكم هي السجل والمأوى.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط