كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في غزة: حين تخرج الطائرة الورقية من تحت الركام

في غزة: حين تخرج الطائرة الورقية من تحت الركام

تاريخ النشر: 2026-08-23 | 18:38

وليد العوض
وليد العوض

في غزة، لم يعد للأطفال بيتٌ يعودون إليه، ولا سماء للعب.
هدم الاحتلال بيوتهم، ودفن تحت الركام غرفهم الصغيرة، وكتبهم المدرسية، ودُماهم وألعابهم التي كانوا يظنون أنها ستبقى معهم طويلاً. دفن معها شيئاً أكبر من الألعاب؛ دفن أحلاماً صغيرة كانت تكبر كل يوم، وأحلاماً كبيرة كانت تنتظر أن تكبر معهم.
وحين خرجوا من تحت الركام، لم يجدوا سوى الخيام.
لكن الخيام لم تكن ملاذاً آمناً أيضاً. لاحقتهم صواريخ الاحتلال إلى أماكن النزوح، وطاردتهم القوارض والجوع والعطش والبرد والحر، حتى بدا أن الموت في غزة لم يعد يحتاج إلى عنوان.
وعلى شاطئ غزة، حيث كان الأطفال يركضون خلف الموج، مزقت صواريخ المسيرات أجسادهم، وحولت بعض أجيال الغد إلى أشلاء متناثرة على الرمل.
ومع ذلك، بقي شيء واحد لم يستطع الاحتلال دفنه تحت الركام: خيال الطفل.
خرجت من بين الخيام طائرات ورقية صغيرة، ملونة، خفيفة، تشبه أحلام أصحابها. ارتفعت في سماء غزة، كأن الأطفال أرادوا أن يقولوا للعالم: نحن ما زلنا هنا.
طائرة ورقية!
كانت أحياناً تسقط بين الخيام، فيلجأ إليّ الأطفال لمساعدتهم في استعادتها. كنت أفعل ذلك بكل حب، وأراقب فرحتهم وهم يستعيدون لعبتهم الصغيرة، كأنهم استعادوا شيئاً من حياتهم التي سرقتها الحرب.
مجرد طائرة من ورق وخيط، يصنعها طفل من بقايا ما يستطيع العثور عليه، ويربط بها حلماً صغيراً بالسماء.
لكن يبدو أن الاحتلال، الذي يمتلك الطائرات الحربية والمسيرات والصواريخ والدبابات، وجد في هذه الطائرات الورقية ما يستحق الاستنفار!
اليوم، أصدر وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس توجيهاته للجيش بالتحرك «بقوة» ضد إطلاق الطائرات الورقية من قطاع غزة، بعد رصد عدد منها في الأيام الأخيرة. والمفارقة أن التقارير الإسرائيلية نفسها أشارت إلى أن تلك الطائرات، التي قذفتها الرياح شرقاً، لم تشكل خطراً على السكان.
أيُّ خوف هذا الذي أصاب دولة تمتلك واحدة من أقوى الجيوش في العالم من طائرة ورقية؟
وأيُّ معركة هذه التي تستدعي الجيش والطائرات والسلاح لمواجهة لعبة طفل؟
إنها ليست معركة مع الطائرة الورقية.
إنها معركة مع المعنى الذي تحمله.
فالطائرة الورقية تقول إن الطفل الغزي، رغم كل ما جرى له، ما زال يحلم، وما زال يرفع رأسه نحو السماء.
تقول إن الركام لم ينجح في قتل الخيال.
وتقول إن الخيمة، مهما كانت ضيقة، يمكن أن تفتح نافذة إلى السماء.
وتقول، قبل كل شيء، إن شعباً حاصره الموت من كل الجهات لا يزال قادراً على صناعة شيء جميل.
لهذا يخاف الاحتلال.
يخاف من الطائرة الورقية لأنها تفضح اختلال ميزان القوة: جيش مدجج بالسلاح في مواجهة طفل يحمل خيطاً وقطعة ورق.
ويخاف منها لأنها تذكّر العالم بأن أطفال غزة لم يولدوا ليكونوا أهدافاً، بل ليذهبوا إلى المدرسة، ويلعبوا، ويضحكوا، ويطيروا بطائراتهم الورقية.
والطائرة الورقية ليست جديدة على أطفال غزة. لقد عرفوها منذ سنوات لعبةً ومساحةً للفرح والهروب من قسوة الحرب. واليوم، بعد أن دُمرت مساحات واسعة من بيوتهم، وسيطر الاحتلال على مساحات واسعة من القطاع، يريد أن يجعل حتى السماء منطقة محرمة عليهم.
يريد أن يقول لهم: لا بيت لكم، ولا مدرسة، ولا شاطئ، ولا خيمة آمنة، وحتى السماء ليست لكم.
لكن الطفل الفلسطيني في غزة لا يعرف هذه اللغة.
إنه يرفع طائرته الورقية.
يربط الخيط في يده الصغيرة.
ويجري.
يجري فوق الرمل، بين الخيام، بعيداً عن الركام، وربما فوق مقبرة الأحلام التي حاول الاحتلال أن يدفنها.
ثم يترك الطائرة ترتفع.
ومعها ترتفع أحلامه وآماله.
وهناك، في تلك اللحظة القصيرة، يصبح الطفل أقوى من الحرب.
فالطائرة الورقية لا تحمل قنبلة.
إنها تحمل حلماً.
والأحلام، مهما حاولت الطائرات والدبابات والصواريخ قتلها، لا تموت بسهولة.
غزة اليوم لا تحتمل المزيد من الصواريخ.
غزة تحتاج إلى أن يستعيد أطفالها حقهم الطبيعي في أن يكونوا أطفالاً.
أن يركضوا.
أن يضحكوا.
أن يلعبوا.
أن يصنعوا طائراتهم الورقية.
وأن يرفعوها إلى السماء، دون أن يخافوا من أن تتحول السماء إلى مقبرة أخرى.
في غزة، لم تعد الطائرة الورقية لعبة طفل فحسب؛ أصبحت إعلاناً صغيراً بأن الحياة، رغم كل شيء، لا تزال تقاوم.
ولهذا، ربما، يخاف الاحتلال من طائرة ورقية أكثر مما يخاف من كثير من الأشياء.
فهو يستطيع أن يهدم بيتاً، لكنه لا يستطيع أن يهدم حلماً.
ويستطيع أن يطارد طفلاً، لكنه لا يستطيع أن يطارد السماء.
وفي غزة، كلما ارتفعت طائرة ورقية من بين الركام، ارتفع معها شيء لا تستطيع الطائرات الحربية إسقاطه: حلم طفل بالحياة.

×
أخبار
الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط