كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في مرايا الجدل الثقافي: من أسئلة القلق إلى آفاق التوليد

في مرايا الجدل الثقافي: من أسئلة القلق إلى آفاق التوليد

تاريخ النشر: 2026-04-26 | 12:09

*إنّ الإستعمار الثقافي حريص على إنشاء أجيال فارغة لاتنطلق من مبدأ ولا تنتهي لغاية يكفي أن تحركها الغرائز التي تحرك الحيوان مع قليل أو كثير من المعارف النظرية التي لا تعلو بها همّة ولا يتنضّر بها جبين .. و أغلب شعوب العالم الثالث من هذا الصنف الهابط (محمد الغزالي)

*الثقافة هي ما يبقى بعد أن تنسى كل ما تعلمته في المدرسة (البرت أينشتاين)

 

إنّنا الآن..وهنا غدونا نعيش تحوّلات عاصفة يشهدها العالم بأسره في جميع المجالات..فالإنفجار المعرفي المتواصل منذ عدة عقود وما رافقه من ثورة تقنية في وسائل الإتصال والتأثير،كان سببا رئيسيا في بلورة الثقافة الكونية ذات القدرة الهائلة على الإختراق والتأثير في جميع أرجاء الدنيا،الأمر الذي جعل الثقافة القومية العربية تتموقع في سياق محفوف بأسئلة متعددة الجوانب من الصعب تجاهلها أو الهروب منها،ذلك أنّ الثقافة العربية غدت مرغمة على مجابهة تحولات دولية راهنة،ومجبرة على التعامل معها من موقع القادر على الأخذ والعطاء،لا من موقع الرفض السلبي أو التمترس خلف السلطة والتقليد.

انطلاقا من هذه الرؤية للثقافة العربية في ظل تحديات الراهن لاحت تساؤلات محرجة بدأت تطرح نفسها بإلحاح:

إلى أي مدى يمكن بناء ثقافة ذاتية تتصالح مع الواقع وتستجيب لمتطلبات الأحوال العربية،دون أن نغض الطرف عن مكتسبات المعاصرة في مجال المعرفة أو نتناسى في الوقت ذاته المقومات الذاتية القادرة على الإبداع والتجاوز في أفق ثقافي إنساني لا تخوم لها..؟

ما هي ايجابيات،وما هي سلبيات المثاقفة؟

ألا يمكن إعتبار استراتيجية مناهضة التبعية الثقافية نوعا من الإنفصال عن ثقافة العصر ونوعا من الإنغلاق أو النكوص إلى الماضي؟

ثم كيف يمكن للثقافة العربية والحال هذا،أن تميّز بين كل الوظائف والأدوار المختلفة للثقافة الكونية دون أن يسقط الموروث الثقافي في موقف تبسيطي رافض واستتباعي تجاه الثقافة الغربية؟

إنّ هذه الأسئلة المقلقة زجّت بالنخب الثقافية والسياسية في بوتقة التشابك والتصادم من أجل الإجابة عليها،فمن رافض لقيم ولثقافة الغرب بإعتبارها ثقافة مادية غازية ومستلبة،إلى متقبّل لها كليا بإعتبارها السبيل الوحيد إلى بوابة الحداثة والعصر.ومهما كان موقفنا من كلا الفريقين،فإنّ التفكير في صوغ استراتيجية تنشيط وتنمية ثقافية شاملة ومشتركة غدا أمرا ملحا،إذ أنّ الحل لا يكمن في غلق الباب أمام الأفكار،ولكنّه لا يتمثّل أيضا في تجاهل علاقات السيطرة التي تميّز التبادل الثقافي،ومن ثم الإستسلام إلى فكرة العالمية الثقافية التي كثيرا ما تخفي تخلي الدولة عن مسؤولياتها الأساسية في حماية الثقافة القومية ودعم الإنتاج المحلي،كما لا يعني هذا كذلك أنّ الموروث الثقافي العربي هو مجرّد كم مهمل على هامش الريف الحضاري،بقدر ما هو مجهود و عطاء إنساني ساهم في بناء الحضارة العالمية نفسها،ولعلّ النموذج الياباني خير مقياس لقدرة الشعوب على التوافق والتصالح مع الكائن والممكن من خلال الحفاظ على روح الثقافة المحلية الأصلية من ناحية،والتفتّح على معطيات الفكر الحديث التي تمثّلها الثقافة الغربية من ناحية أخرى،إذ من العسير تجاهل العلوم الإنسانية المزدهرة في الغرب أو رفض روحه العلمية وفلسفته بدعوى خصوصيتها ومركزيتها وروح الهيمنة المباطنة لها،لأنّ النتيجة الحتمية لذلك هي السقوط في أحضان الفكر التقليدي الذي يقتضي الكثير من التكييف والإجتهاد والنقد.ومن نستشف مدى تشعّب مسألة التبعية الثقافية التي تتطلّب نظرة تركيبية أعمق لمسألة الصراع بين ثقافتين ونموذجين حضاريين،ترتقي بالخطاب الثقافي العربي إلى مستوى التمييز بين دور الثقافة كمخزن ومورد للهوية،وبين الوظائف الإدارية والمعرفية والعلمية لهذه الثقافة ومراعاة هذا التوازن بين الوظائف التاريخية للثقافة،وبين وظائفها المعرفية،بما يلازمه من احتياطات وشروط منهجية،وهذا يعني أنّ التلاقح بين الثقافات أمر لا يمكن رفضه أو إنكاره،كما لا يمكن أن يقف أمام إنتقال الأفكار والقيم والمكتسبات الإنسانية أي حاجز سياسي أو استراتيجي،ذلك أنّ الإنتقال هو الذي يسمح بتعميم التطوّر العلمي والفكري وإخصاب الوعي البشري لدى جميع الشعوب ومن ثم دفع الحضارة والتقدّم.

لكن ليس من الجائز نكران حقيقة أنّ التبادل حتى في ميدان القيم الثقافية لا يخضع كله للعقل،فقد بات من الواضح أنّ إنتشار القيم الفكرية والإجتماعية غدا في علاقة جدلية مع تطوّر ميزان القوى السياسي والإقتصادي، والقيم الأمريكية التي تجتاح اليوم العالم لا تبرهن على نقاء هذه القيم أو تألقها الأخلاقي والمعنوي والفني،بقدر ما تعبّر عن القدرة الأمريكية في المجال الإقتصادي،السياسي والمالي التي تمنحها القوّة الفائقة للسيطرة على أغلب وسائل الإعلام والقرارات السياسية والإستراتيجية العالمية،مما يعني أنّ اختراق القيم الثقافية لثقافة أخرى لا يعبّر بالضرورة على صحتها أو نبلها،إضافة إلى هذا،فإنّ إنتقال هذه القيم يكون في العادة مصحوبا بأنماط إستهلاك لا تعكس التقدّم الإنساني والحضاري،بقدر ما تترجم في مضمونها عادات الدولة الأعظم الأمر الذي يحول دون صوغ استراتيجية ناجحة..

ما العمل إذن؟!

إذا كان الإنفتاح يهدّد بالإستلاب،فإنّ الإنغلاق على الذات يهدّد بدوره بالإفقار والإغتراب والتقهقر الحضاري،كما أنّ استهلاك الحلول بفرض الرقابة الثقافية من قبل-ذوي القرار السياسي-لا يحل المشكلة،بالإضافة إلى هذا وذاك فإنّ التأكيد على عدم جدوى التقوقع ومخاطره والدعوة إلى اتباع نظام التبادل الفكري والثقافي الحر،قد لا يعطي نتائجه الإيجابية في العالم النامي إذا ظللنا غير مدركين لمخاطر الإنفتاح وسلبياته.

ومن هنا غدت الساحة الثقافية عرضة للعديد من التحديات سيما وأنّ خريطة الإنقسام الثقافي في الوطن العربي،مازالت أسيرة الموروث السلفي لعصور الإنحاط مقرونا بالموروث التغريبي للمرحلة الإستعمارية الطويلة،كما أنّ التبدلات البنيوية الجارية على إمتداد الساحة العربية من حيث نمط وعلاقات الإنتاج،لم تفعل فعلها الإيجابي في خلق إتجاهات ثقافية قومية وشمولية من شأنها انتزاع الحريات المنشودة للمواطن العربي وفك قيود العمل الديمقراطي..

لذلك -وحتى لا نظل على هامش التاريخ العالمي-بات من الضروري الإفلات من دوائر التخلّف والتبعية والإستلاب الثقافي والتغريب،من خلال تصحيح الخلل القائم،على كافة المستويات،بين الإنتاج والإبداع من جهة،والإستهلاك والتبعية من جهة أخرى،طالما أنّ نقل ثقافة الغير يقود إلى التبعية،كما أنّ التعبّد في محراب ثقافة الماضي يفضي إلى السلفية والتقليد،لذلك وحتى يستحق نظامنا الثقافي صفة الجديد في عالم ما فتئ يتغيّر بسرعة مذهلة،علينا التفكير في صوغ خطط التنمية الثقافية عامة،وتشجيع الإبداع المحلي وتحرير المجال الثقافي الداخلي،وتوسيع أفق التبادل بين الأقطار النامية نفسها،ولا يتم هذا إلا من خلال الإنخراط في مواجهة مكشوفة مع النموذج الثقافي المفروض من الخارج على الأقطار العربية خاصة،بما يحتاج إلى مخطّط علمي مدروس يبدأ بنقد الموروث الثقافي نقدا إيجابيا،والإستفادة منه في توليد ثقافة أصيلة تتلاءم مع متطلبات المرحلة المعاصرة،وينتهي إلى إبتداع أشكال من العمل الثقافي تمتاز بالأصالة والتمايز والهوية الوطنية والقومية..

على سبيل الخاتمة:

إن الثقافة تتميز بالطابع المزدوج فهي خصوصية ومغلقة من ناحية ولكنها كونية ومفتوحة من ناحية أخرى وتعمل على إنتاج عالم روحاني مليء بالأساطير والرمزيات ولكنها تساهم في تشكل الابتكارات التقنية وتمنح الشكل والمعيار إلى الأفراد لكي يندمجوا في وجود اجتماعي يتمتع بالتنظيم الذاتي والتجدد. لكن حينما يتم تأهيل المجتمع ثقافيا فإنه يكتسب هوية مميزة ويبدأ في التفتح والنماء والازدهار وتشتغل فيه آليات الحوارية بين أفراده والتكاملية بين اندفاعاته وآماله من جهة وقدراته وتصوراته ومنجزاته من جهة أخرى وتتشكل مقاومة تآزرية تعمل على درء المخاطر وصون تماسكه واستمراره والتأقلم مع العصر.

وهكذا تظل الثقافة العربية اليوم أمام مفترق طرق مصيري: بين الانغلاق الذي يُفضي إلى الجمود والاغتراب،والانفتاح غير المحسوب الذي قد يجرّ إلى التبعية والاستلاب.

 إنّ المطلوب ليس اختيارا أحاديا بين الماضي والحداثة،بل وعيٌ نقديٌ قادر على استخلاص جوهر الموروث من عبقريته الإنسانية،واقتطاف زبدة العصر من علمه وفلسفته،دون خضوع أو تكبّر.والسبيل إلى ذلك يمرّ عبر تحرير الإبداع المحلي،وتنقية علاقات القوة الخفية في التبادل الثقافي،وبناء نموذج تنموي يتصالح مع الهوية دون أن ينغلق عن الآفاق.فالثقافة الحية ليست تلك التي تحتمي بالماضي أو تذوب في الآخر،بل التي تستطيع أن تنتج أسئلتها الخاصة وتصنع إجاباتها المستقلة،فتصبح بذلك صانعة للتاريخ،لا تابعا له.

 

 

×
أخبار
بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط