كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في مشهدية القتل والنزوح: ذاكرة وطنٍ مُثخن بالجراح

في مشهدية القتل والنزوح: ذاكرة وطنٍ مُثخن بالجراح

تاريخ النشر: 2025-12-03 | 13:25

منذ طفولتي، ظلّت حكاية النزوح الأولى التي رواها أبي (رحمه الله) هي المفتاح لفهم وجع الفلسطيني وذاكرته. كان يجلس بيننا، يروي تلك الأيام التي استُدرج فيها أهل قريته "حُليقات" لمغادرتها، بحجة “الابتعاد فقط لأيام معدودة عن مناطق العمليات العسكرية”. حملوا ما استطاعوا، وتوجّهوا على عجل جنوبًا، كما قيل لهم، بحثًا عن ملاذ مؤقت. لكن من المحزن أن المؤقت صار دائمًا، والرحيل القصير صار قدرًا طويلًا من الاغتراب والألم.

وصلت العائلة إلى تخوم الجنوب، ونصبوا رحالهم في العراء، ينتظرون ضوءًا يُبشّر بالعودة. حاول أبي أن يعود إلى القرية، ليتفقد الحال ويحمل شيئًا من المتاع، لكنه وُوجه بوجود القوات العربية التي منعته من التقدم وحذّرته من الاقتراب. عاد إلينا مُثقلًا، وقال بلهجة من استشعر الحقيقة القاسية: “القطيّة طوالي… وما فيش في الأفق أي فرج.. ضاعت البلاد”. ثم بدأت الأخبار تتواتر: القرية سقطت بيد العصابات الصهيونية، ولا عودة آمنة إليها. هكذا اضطرّ أبي، كما آلاف غيره، إلى متابعة السير جنوبًا باتجاه غزة.

قطعوا ما يقارب خمسةً وعشرين كيلومترًا، في ظروف من الخوف والجوع والإنهاك، وكان أبي يحمل ابنته الصغيرة (نعمة) على درّاجته، وهي كانت كل ما تبقّى له من ممتلكاته. وانتهت رحلة النزوح في رقعة خالية من أرض رفح، لم تكن آنذاك سوى صحراء مهجورة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى مخيم الشابورة.

كبرنا، وتوقفت حكاية أبي عند حدود ذاكرتنا الطفولية. كنّا نظنّ أنها فصلٌ انتهى من رواية الوطن. ولكن اليوم، وبعد عقود، وجدتُ أن الرواية ذاتها تعود إليّ بكل تفاصيلها، ولكن بقسوة أشدّ ووجعٍ أعمق؛ فمشهد النزوح الذي نعيشه اليوم في غزة ليس إلا امتدادًا لتلك النكبة الأولى، بل هو نكبة ثانية كبرى، حملت إلينا الخراب من جديد، وأعادتنا إلى مشهد "صفر أملاك"؛ فلا بيت، ولا مأوى، ولا شيء نلوّذ به سوى بقايا عزيمة، وحلم يراودنا بأننا -يومًا ما- سنعود.
 وها هي مشهدية التاريخ تعيد نفسها مع وقع الكارثة الجديدة وتداعياتها التي أهلكت الحجر والشجر ونفوس آلاف البشر..
وكما كنا نقول دائمًا عندما تقع المصائب: “المال معوّض”، و“الله يعوّضكم خيرًا”، وأخذت هذه العبارة وامثالها تتردد على ألسنتنا الموجوعة والمثقلة بالأحزان مرة أخرى، وكأن التاريخ يعيد دورته المؤلمة بلا رحمة.

نحن اليوم ندخل العام الثالث منذ كانت معركة طوفان الأقصى وما تبعها من حرب الإبادة على قطاع غزة. 
للأسف، كانت خيام النزوح التي لجأنا إليها لم تمنحنا دفئًا في شتاء البرد القارس، ولا ظلًّا يحمينا في قيظ الصيف الحار، ولا أمانًا في ليالٍ يتكالب فيها الخوف من كل الجهات. أصبحت الخيمة عنوانًا لحياة معلّقة بين الأرض والسماء، بلا حاضرٍ حقيقي، وبلا مستقبل واضح.

في المقابل، كانت الذكريات هي الملاذ الوحيد للنازحين، إذ كانوا يبكون بيوتهم، صورهم، حكاياتهم، رائحة أطعمتهم، وأيامهم التي سلبتها الحرب فجأة.
في مجالس النساء، لا حديث إلا عن "ما قبل الحرب": عن البيوت العامرة، عن الضحكات في المساء، عن أطباق العيد، وعن ساعاتٍ كانت تبدو اعتيادية لكنها الآن أثمن من كل شيء. ثم يأتي الحديث عن النزوح: عن صرخات الأطفال، عن الطرق المتربة، عن فقدان الأمان، وعن الأيام التي مرّت وكأنها سنوات من التهجير.

أما الذين فقدوا أبناءهم أو تهدمت بيوتهم بالكامل، فهؤلاء يعيشون الفجيعة في كل لحظة. لا كلام يخفف أحزانهم، ولا وعد يعيد إليهم ما فقدوه. تركوا أمرهم لسفينة الأيام، تسير بهم إلى حيث يشاء القدر.

أمّا مستقبل النازحين، فهو أكثر ما يثير القلق. فلا أحد منهم يعلم إلى أين المصير، ولا ما ستؤول إليه المفاوضات. إنَّ الهم الأول اليوم هو لقمة العيش، وشربة الماء، وجرعة الدواء، ولحظة الأمان المؤقت. وما عدا ذلك، فهو خارج إرادتهم، تُقرّره غرف السياسة ودهاليز المفاوضات.

وفي الوقت الذي تتناقل فيه الألسن أحاديث عن حلول أو تسويات، يدرك المثقفون أن معظمها لا يتجاوز حدود الوهم أو ما يتم الرهان عليه من "أضغاث أحلام". فواقع الناس أكثر قسوة من أن يُختزل في بيانات أو توقّعات. لم يعد حديث السياسة قادرًا على خداع من رأى البركان يغلي تحت قدميه.

إنّ ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو فصل جديد من فصول الوجع الفلسطيني وتقلبات ألم الليل والنهار. اليوم، نحن نعيش ذاكرة وطنٍ مُثخن بالجراح، نعود من جديد لسرد حكايته، جيلاً بعد جيل، وكأن القدر اختار لنا أن نكون شهودًا دائمين على معارك الفقد والصمود.

ومع ذلك، ورغم كل هذا الركام، يبقى في القلب يقين راسخ: أنّ الشعوب التي تعلّمت أن تعيش من رمادها لا تموت. وأنّ الذاكرة، مهما أثخنتها الجراح، قادرة على أن تمنحنا القوة للمضيّ إلى يومٍ تكون فيه الحكاية أقلّ ألمًا، وأكثر عدلًا.

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط