كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في يوم المرأة العالمي: صرخة إمرأة غزية تعيش في خيمة نزوح معتمة

في يوم المرأة العالمي: صرخة إمرأة غزية تعيش في خيمة نزوح معتمة

تاريخ النشر: 2026-03-08 | 12:49

يصادف اليوم، الثامن من آذار، اليوم العالمي للمرأة، اليوم الذي يقف العالم أمام محطة إنسانية مهمة لاستحضار تاريخ طويل من نضال النساء من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة، وفي فلسطين يكتسب هذا اليوم بعدا خاصا. فالمرأة الفلسطينية لم تكن يومًا على هامش النضال الوطني، بل كانت دائمًا في قلبه. لقد حملت المرأة الفلسطينية أعباء مضاعفة نتيجة الظروف الاستثنائية التي يعيشها شعبنا تحت الاحتلال. فمنذ النكبة الأولى 1948 والنكبة الثانية 2023، وما رافقها من تهجير ومآسٍ إنسانية، وجدت المرأة نفسها في مواجهة تحديات كبيرة، إذ اضطرت في كثير من الأحيان إلى الجمع بين أعباء الحياة اليومية ومتطلبات الصمود في وجه الاحتلال. ومع ذلك لم تتراجع عن دورها، بل ظلت عنصرًا أساسيًا في معركة البقاء والحفاظ على الهوية الوطنية.

 وفيه سأكتب أنا المرأة الفلسطينية ياسمين بسام التي تعيش في خيمة عتماء في غزة، بعد ان هدم الاحتلال بيتي الذي كان يشبه الفيلا في مساحته وتصميمه وفي عفشه وفي اناقته ونظافته، لانتقل للعيش في خيمة عتماء بلا ضوء ولا أمل.

وقبل أنا أبدا مقالي هذا، أود ان أقدم جزيل الشكر والامتنان والتقدير إلى المرأة الأممية الكاتبة العظيمة والأم المثالية السيدة ايميلي رايتس والتي قدمت لي ولاسرتي الدعم المالي والمعنوي الكبير والذي لولاه لكانت حياتي وحياة أسرتي أكثر بأسا ومعاناة، وكان للخيمة التي قدمتها لنا هذه السيدة العظيمة أثر كبير في حمايتي وأسرتي من التشرد والنوم في العراء بعد هدمت طائرات الاحتلال بيتنا، وكان لدعمها الأسبوعي لاسرتي أثر كبير في توفير بعض الحاجات الضرورية لمواجهة مصاعب الحياة .

بيتي الذي كنت أعيش فيه قبل الحرب كان يوجد به كهرباء وماء بارد وماء ساخن وكان يوجد به ثلاجة ومكيف وغسالة وجلاية واواني وادوات مطبخ من أفخر الانواع واغلاها، وكان عندي خزانة فيها من الملابس على آخر موضة، تلك الموضة التي نسيتها الآن،  كنت اتبعها واجاريها واشتري احدثها. في بيتي العتيق كان لدي طقم كنب وطقم سفرة وشاشة تلفاز ذكية كبيرة جدا تشبه السينما، كنت أجلس أنا وزوجي نحضر الأفلام والمسلسلات ونسهر ونتسامر ثم نذهب الى غرفتي الخاصة والتي كان فيها كل سبل راحتي، وفيها ادوات مكياجي وعطري الخاص والذي لم أعد اتعطر به لانه بكل بساطة غير متوفر ولن يجدي نفعا في خيمة يعيش فيها كل أفراد الأسرة،  فلن تعد لي خصوصية.

في بيتي كان مطبخ كبير به كل شيء،  وكنت أطلق عليه المطبخ الدولي لأنه بمواصفات عالمية ويوجد به جميع ادوات تحضير الطعام، كنت كلما أريد ادخل مطبخي واصنع اشهى المأكولات الفلسطينية،  المنسف، والمقلوبة، والمسخن، والمفتول، وكنت أصنع أشهى الحلويات الشهيرة في فلسطين.

أما اليوم لم يعد لدي مطبخ، ولا أستطيع ان اصنع اي حلويات لانه لم يعد لدي فرن لاخبز بها حلوياتي، كل ما لدي اليوم هو موقدة اشعلها على الحطب او النايلون او البلاستك، أيهما توفر، مع ما يترك من آثار شحبار اسود على وجهي وزفت اسود وحروق على يدي مع صعوبة في إزالتها او علاجها.

في بيتي كانت غسالة أضع فيها ملابسي وملابس عائلتي ولا اعاني ابدا، والآن ان اغسل ملابسي وملابس زوجي وأبنائي وبناتي بيدي وبقليل من الماء والصابون ان توفر.

معانتي بدأت منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، عندما تركت بيتي مجبرة على النزوح بسبب حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على غزة، حرب إبادة جماعية أحرقت الأخضر واليابس، وخلّفت فقدًا ودمارًا شاملًا وجروحًا غائرة لا تندمل. في قطاع غزة، تتحمل النساء إرث هذه الجريمة: فقدان الأحبة، الإصابات الجسيمة، انعدام المأوى، تدمير مصدر الدخل، انهيار المنظومة الصحية، سياسة التجويع، وغياب أبسط مقومات الحياة الكريمة. أُُعلِنَ عن وقف إطلاق النار قبل نحو خمسة شهور، لكن حرب الإبادة الجماعية تواصل القتل البطيء؛ فلا تزال آثارها تنهش أجسادنا وأرواحنا، لتكتب فصولًا من الألم والمعاناة لم يشهد لها العصر الحديث مثيلًا.

نعم، لقد نجوت  من الموت، لكنني لم أسلم من جروح عميقة وإصابات جسيمة داخلي غيّرت مجرى حياتي. فقدت فيها انوثتي، وتشوه جسدي بالحروق والإصابات، تاركة ندوبًا لا تندمل، وجسد نحيل لا يطيق مصاعب الحياة.

إنني احمل وجعًا لا نهاية له بعد أن فقدت في هذه الحرب أعز الناس على قلبي، بعدما فقدت أبي ، الذي قُتل في هذه الحرب اللعينة، ولم تُتح لي حتى فرصة وداعه الأخير. كما لم يكن لدي متّسع للحزن عليه، فكل يوم كان يجلب مأساة جديدة، وكل ليلة أشد وطأة من سابقتها.

قلبي يعتصره الألم، والحزن ينهش روحي بلا رحمة. لأول مرة أدرك تمامًا معنى الانكسار، كيف يُسحق القلب حين نفقد من نحب. لم أتصور يومًا أن يصل الفقد إلى هذا الحد.

لقد فرض الاحتلال الإسرائيلي تدابير تحول دون منع الإنجاب في قطاع غزة، حيث تُركت النساء في قطاع غزة بلا حماية تحت وابل القصف العشوائي، يفتقدن إلى أبسط مقومات الرعاية الطبية، ويصارعن للوصول إلى خدمات طبية شبه منعدمة. فيما يعانين من سياسة التجويع التي تضعف أجسادهن، والأوضاع المعيشية التي تحوّل كل لحظة إلى خطر داهم. ما أدى إلى فقدان العديد منهن لأجنّتهن، أو الخضوع لولادات مبكرة في ظروف قاتلة، تماما كما حدث مع اختي التي كانت حامل فواجهت مضاعفات خطيرة تهدد حملها وحياتها، وتضاعف آلامها.

اختي التي كانت حاملاً في الشهر التاسع عندما اقتحم الاحتلال الإسرائيلي منزلها بمدينة غزة. تعرضت لعضة من كلب مُزود بكاميرا من قبل الجنود، ما أدى إلى جروح بليغة في فخذها ونزيف حاد. لم يكتفِ الكلب بعضّها، بل سحبها على الأرض لمسافة طويلة، أكثر من 20 مترًا، وهي تقاوم وتستجدي الرحمة. كان الجنود يضحكون وكأنهم يشاهدون مشهدًا ترفيهيًا. كانت تعاني من آلام شديدة نتيجة الحمل والنزيف، وفي المستشفى، تم تشخيص حالتها بتسمم الحمل، مما استدعى إجراء عملية قيصرية عاجلة، وقد كانت تنتظر مولودها بشوق، حتى تضمه إلى صدرها، لكن الاحتلال سرق منها هذه الفرحة بوحشية، ووليدها تم وضعه في العناية، و لا زالت تعاني ألمًا نفسيًا لا يوصف.

لقد وجدت نفسي في معركة يومية لا هوادة فيها، بعد أن فقد زوجي عمله بسبب الحرب وهو المعيل الوحيد وأُلقى هذا على عاتقي مسؤوليات ثقيلة دون إنذار، في مدينة مدمرة ومحاصرة، حيث لا طعام ولا مأوى ولا مصدر للدخل. وفرض الاحتلال الإسرائيلي سياسة تجويع قاسية علينا ودفعت بنا وبأطفالنا إلى حافة الهلاك، وسط عجزٍ مرير عن إطعام أبنائي وبين أنين الأطفال وبكائهم جوعًا، لم اتردد في تفضيل صغاري على أنفسي، حتى بات المرض والهزال ينهشان جسدي المنهكة إلى يومنا هذا.

ورغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، لم تتوقف معاناتي، بل استمرت بلا هوادة. مازلتُُ أعيش في خيمة، مشرَّدةٌ بلا مأوى صالح للسكن، افترش الأرض في العراء وسط ظروف غير إنسانية وغير آمنة، محرومة من الدفء والطعام الصحي والمياه النظيفة وأبسط مقومات الكرامة الإنسانية، في ظل انهيار شامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية من مياه وكهرباء ووقود.

في المخيم الذي أعيش فيه، توجد نساء حالهن أصعب من حالي، فالمصابات والمبتورات منهن، محرومات من استعادة حياتهن السابقة في بيئة تفتقر إلى رعاية طبية مناسبة وبرامج إعادة التأهيل. وتتجرّع نساء أخريات مرارة فقد أبنائهن وأحبّتهن، ويحملن في أجسادهن ونفوسهن جراحًا غائرة ستلازمهن لعقود، في واقع قاسٍ يسلبهن أي فرصة للتعافي، في الوقت الذي يُطلب منهن دعم عائلاتهن والقيام بأدوارهن المنزلية ورعاية أفراد الأسرة. وعلى قدر ما أستطيع أنا وزوجي، نحاول مساعدتهن بالقليل من الطعام او الماء او بعض الخدمات التي نقدر عليها، ونحاول معا ان نصنع حياة ولو بالحد الأدنى، وأحاول على قدر أستطاعتي أن أصنع وجبات طعام لاسرتي رغم شح المواد والخضروات، وأحاول ان اصنع بعض الحلويات رغم تكلفتها الغالية علينا، وأحاول ان أصنع لاسرتي الأمل من قلب المعاناة.

بإختصار شديد، وكي لا أطيل عليكم، لقد دمرت الحرب حياتنا وسلبتنا كل شيء. فقدنا أحبتنا، منازلنا، واستقرارنا، حتى أبسط الاحتياجات لم نعد قادرين على تأمينها حتى بعد الهدنة. لا أشعر بأي فرق غير أن القصف قد هدأ مؤقتاً، أشعر بأنني منهكة تمامًا، أعصابي متوترة طوال الوقت، ولم أعد أتحمل المزيد من الضغوط. لا مصدر دخل لنا، وملابسي لا تقي هذا البرد الشديد. الآن، نعيش في خيمة قديمة، محاطين بمياه الصرف الصحي، وسط أوضاع لا تطاق. نعاني من نقص حاد في المياه النظيفة والطعام، ولا نحصل إلا على القليل مما تقدمه التكية، وهو بالكاد يكفي ليوم واحد. أشعر أننا عالقون في دوامة لا نهاية لها من المعاناة. أشعر أننا عالقون في كابوس ولا أستطيع ان اصحوا منه، ليتني أصحى منه لاجد ما اعيشه هو كابوس قد انتهى .

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط