كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

في يوم مولده هذا الرجل يختزل تاريخاً

في يوم مولده هذا الرجل يختزل تاريخاً

تاريخ النشر: 2019-01-15 | 10:28

قبل أن أبصر النور، كان ثائراً، وبعد أن ولدت وتقدمت قليلاً في طفولتي، دخل السجون مقيداً بالسلاسل. وبعد أن عرفت للمدرسة طريقاً وجلست على مقاعد الدراسة في صفوفها، رأيته أسيراً يجلس بجانب "والدي" خلف شبك الزيارة في سجن بئر السبع جنوب فلسطين، وكان وجهه مبتسماً ويشع نوراً، ولسانه ينطق بكلمات تغرس في قلوبنا حب الوطن، وتشعل في نفوسنا لهيب الثورة وتبعث فينا الأمل. فبقيت صورته ماثلة أمامي واسمه محفوراً في ذاكرتي، واليوم تقدم بالعمر قليلاً ومازالت فلسطين تسكن خلده، إذ بات فهرساً للقدس، ومرشداً لمن يهمه التعرف على تاريخها، ومقصداً ومرجعاً لتاريخ الحركة الوطنية الأسيرة يعتد به، فقد تواصلت معه وتبادلت الحديث عن ذكرياته، واستمتعت بما تختزله ذاكرته من معلومات. انه الأسير المحرر والمناضل الفلسطيني المقدسي/علي جدة.

ففي مثل هذا اليوم الثالث عشر من كانون ثاني/يناير عام 1950، كان مولده في مدينة القدس المحتلة، وقد نشأ وتربى وترعرع في أزقة القدس العتيقة، وفي الخامس من آب/أغسطس عام 1968 كان على موعد مع الاعتقال، حين داهمت قوة من جيش الاحتلال الإسرائيلي بيت أسرته وكبلت يديه بالسلاسل وعصبت عينيه وتوجهت به الى حيث لا يدري، ليدرك بعدها أنه بين زنزانة صغيرة يحيطها سجانون كُثر. فأخضع لتعذيب قاس، جسدي ونفسي، ومن ثم حكم عليه بالسجن الفعلي لمدة عشرين سنة بتهمة الانتماء للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والمشاركة في عمليات فدائية ضد الاحتلال.

وقبل ان يُطلق سراحه ضمن صفقة تبادل الأسرى الشهيرة وما تُعرف فلسطينياً "عملية الجليل" في العشرين من آيار/مايو عام 1985، كان قد أمضى سبعة عشر عاماً متتالية تنقل خلالها بين عدة سجون أبرزها: الرملة، عسقلان، السبع، الدامون ونفحة.

"علي جدة" الذي قضى سبعة عشر عاماً خلف قضبان سجون الاحتلال، لم يستسلم يوماً للسجن وظروفه القهرية، أو للسجان وقهره، بل سعى دوماً إلى تغيير الظروف نحو أفضل والبحث عن أدوات تساعده والجماعة على استثمار الوقت عملاً بالقول: ان كانت الظروف هي التي تخلق الإنسان، فعلينا أن نخلق ظروفا أكثر انسانية. فكان دائم الاحساس بالمسؤولية، الفردية والجماعية، واينما ذهب، وفي كل الظروف والأزمنة، جسد مقولة غسان كنفاني: الإنسان قضية. وكان قائداً ومعلماً، ونموذجاً يُحتذى لكافة الأسرى على اختلاف انتماءاتهم، الفكرية والسياسية، وعمل ممثلا للأسرى لسنوات طويلة وفي سجون كثيرة، وكان يتميز بعلاقات وطنية واسعة.

"على جدة" كان يدرك أهمية تعلم القراءة والكتابة، ويؤمن بضرورة امتلاك الأسير للوعي والثقافة، ويعلم بقيمة التسلح بالفكر والمعرفة، فاهتم بنفسه وتميز بالقراءة والمطالعة الذاتية، وثقف ذاته وسعى دوماً الى تطوير قدراته على أكثر من صعيد، ونجح في تحقيق ما أراد. فأضحى واحداً من المثقفين المميزين في السجون، وبجانب العربية علم نفسه ثلاث لغات وأتقنها(الإنجليزية، الفرنسية، العبرية) وقد ترجم العديد من الكتب من وإلى العربية. وبعد تحرره أصبح مرشدا للزوار القادمين الى القدس ومرجعاً لهم، وفهرسا لمن يبحث عن تاريخ العاصمة المقدسة وأصالتها العريقة.

"علي جدة" هذا الرجل الأسمر، القاطن في حي الجالية الأفريقية-باب المجلس في البلدة القديمة بالقدس المحتلة، يعرفه المقدسيون جيداً، فهو علم من أعلام المدينة البارزين، وتشهد له شوارع القدس العتيقة بسيرته النضالية وتاريخه المشرف، وتعرفه الوفود الزائرة على اختلاف أجناسهم وجنسياتهم، ونعرفه نحن الأسرى ونردد اسمه بفخر وعزة كواحد من الرعيل الأول وأحد أبرز مؤسسي الحركة الوطنية الأسيرة وقياداتها ومشعلي ثورة العلم والتعليم في السجون.

"علي جدة" وبعد تحرره من السجن منتصف عام 1985، تزوج من فتاة فلسطينية تقطن مدينة عكا شمال فلسطين، وانجب منها خمسة ابناء، وعمل صحافياً ومترجماً ومرشداً للوفود القادمة الى القدس ليشرح لهم بلغاته المتعددة التي يتقنها بجدارة، فأضحى فهرسا للقدس، وتميز في عمله دوما كما هو دائما، فأصبح عنواناً لأولئك القادمين.

"علي جدة" المريض الان، لم يعد قادرا على ممارسة عمله كالمعتاد، لكنه ليس عاجزاً على مواصلة واجبه الوطني ومرافقة الوفود ان سُمحت له ظروفه الصحية. فيما ما يزال هذا الرجل يختزل ذاكرة أجيال مضت وأخرى حلت. ويختزل تاريخاً سُطر خلف القضبان وما زال مستمراً. فما أن اتصلت به وعرفته على نفسي، حتى بدأ بالترحاب، واسترسل بالحديث في سرد ذكريات الماضي واستحضر ذكريات عقود مضت ليحدثني عن البدايات الأولى للسجون وفترة معايشته لـ "والدي" رفيق دربه في سجن بئر السبع. تلك الفترة التي يصفها بأنها كانت الأجمل من بين الفترات الطويلة التي قضاها في سجون الاحتلال.

"علي جدة"، المناضل والأسير لسبعة عشر سنة متتالية، والمثقف الثوري الذي يجيد ويتقن التحدث بثلاث لغات (الإنجليزية والفرنسية والعبرية)، وعاشق القدس وفهرسها، ليس مسؤولاً رسمياً، ولم يتبوأ من قبل منصباً رسمياً..!

تسعة وستون عاما وما انتهت صلاحيته أو مُسحت ذاكرته. وما توقف عطائه ما دام في العمر بقية. وكل عام وأنت بألف خير.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط