كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قائد الجيش يزور طرابلس قندهار لبنان

قائد الجيش يزور طرابلس قندهار لبنان

تاريخ النشر: 2022-02-12 | 15:45

علي شندب
علي شندب

ليست المصادفات المتزامنة وغير البريئة بين أحداث سجن الحسكة في سوريا وبين توالي الأنباء عن مقتل عدة شبّان من عكار والضنية وطرابلس في العراق بزعم التحاقهم بتنظيم داعش هي التي صوّرت طرابلس وكأنها على فوّهة بركان على وشك الانفجار، بل هي "الشيطنة"، شيطنة طرابلس التي انطلقت عبر منصّات ومنابر سياسية واعلامية حزبية ورسمية معلومة. وتوالي التطورات والأحداث على لبنان وشماله لم تنسي الطرابلسيين والشماليين عامة تصريح وزير الدفاع السابق الياس بوصعب ومقولته غير الخالدة "طرابلس قندهار لبنان".

المقصود بمقولة بوصعب تشويه طرابلس واغتيال مكانتها المتقدمة في النسيج السياسي والإجتماعي والثقافي والاقتصادي اللبناني فضلاً عن تهميش وتهشيم دورها الوطني والريادي والقيادي كنموذج حقيقي لعيش وطني واحد تتعانق فيه الكنائس مع المساجد في مشهدية تفتقدها غالبية مدن وبيئات ألسنة السوء التي تنضح طائفية وعنصرية. واذ نُورد اسم وزير الدفاع السابق الياس بوصعب كمثال، فللدلالة على حجم الاستهداف والتنكيل الرسمي بالمدينة وسمعتها، سيّما وأن بوصعب يعلم أكثر من غيره أن طرابلس والضنية وعكار كانوا ولم يزلوا يشكلون الخزّان البشري الحقيقي للجيش اللبناني.

حتى كتابة هذه السطور لم تخبرنا السلطة كيف يجنّد داعش شباباً من مناطق "المثلث السني" طرابلس، الضنية وعكار. وحتى كتابة هذه السطور لم نسمع مطلق موقف رسمي يرتقي لمستوى المسؤولية الوطنية عن شعب متروك لقدره وسط مفاضلات ضيّقة تخيّره بين الموت في جهنم أو الموت بفخ استدراج داعش الأصلي أو المزيّف، في ظل قنبلة موقوتة في "سجون الحسكة اللبنانية" اسمها "الموقوفين الإسلاميين"، تلك القضية التي يحول دون حلها ومعالجتها عبر إقرار قانون العفو العام قوى سياسية عدة يتقدمها حزب الله وحليفه التيار الوطني الحر. انهم الموقوفين بدون محاكمات وغالبيتهم بناء على "وثائق اتصال" وشبهات أمنية أغلبها فارغ المضمون، في وقت يغادر عملاء إسرائيل "الحقيقيين" السجون وقد يترشح بعضهم للانتخابات المقبلة.

وسط هذه المشهدية القاسية جاءت زيارة قائد الجيش العماد جوزف عون الى طرابلس ولقائه مرجعياتها الروحية الاسلامية والمسيحية في دار الفتوى ومطرانية طرابلس المارونية والمجلس الإسلامي العلوي. إنها الزيارة غير الفلكلورية وغير البروتوكولية والتي تركت ارتياحاً واسعاً بين عموم أبناء طرابلس. وقد بيّنت وقائع الجولة أن دار الفتوى شكلت بيت قصيد الزيارة ومضمونها الأساسي، ليس تمايزاً ولا تمييزاً، وإنما بالنظر الى المشكلات المزمنة التي يعانيها أبناء المدينة ولم يزلوا.

إنها زيارة عمل جرى اعداد وتحضير متقن لها بهدف تأمين كل عناصر النجاح للقاء قائد الجيش مع مفتي وعلماء المدينة، وقد تجسّد الإعداد بتسليم قيادة الجيش دار الفتوى لائحة باسم 26 شيخاً من أئمة وخطباء المدينة المعروفين بتأثيرهم الديني والاجتماعي لحضور اللقاء.

في مستهل اللقاء شكر العماد جوزف عون مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمد إمام على استقباله في هذه الدار التاريخية العريقة التي تلعب دوراً دينياً وسياسياً واجتماعياً، قائلاً "أنتم كمؤسّسة روحية ونحن كمؤسّسة عسكرية نقوم بواجبنا، والمؤسّسات السياسية لديها واجب تجاه شعبها، وتابع "نحن خدّام لدى شعبنا وليس الشعب خادماً لنا، ونحن نكمّل بعضنا".

توأمة الجهود بين المؤسّسة العسكرية ودار الفتوى عكسها كلام قائد الجيش الأبوي تجاه الشباب خصوصاً المغرّر به مؤكداً بأنهم "شبابنا وأبناؤنا وهم ليسوا مسؤولين عن الظروف التي يمرون بها.. ومسؤوليتنا جميعاً أن نساعدهم على إيجاد الحلول لأنهم أبناؤنا".

وفي موقف لطالما انتظرته طرابلس أكد العماد عون أن "طرابلس ليست عاصمة للإرهاب، وأنا لا أسمح لأحد بمثل هذا القول، وإذا كان بعض الشبان قد تعرضوا للتغرير بهم فهذا لا يعني أنّ المدينة أصبحت إرهابية، لدينا عسكر من طرابلس وشهداء وجرحى من هذه المدينة العزيزة". وقد بدا رفض قائد الجيش لهذا الافتئات على طرابلس ووصمها بالارهاب بمثابة رد واضح وبمفعول رجعي على وزير الدفاع السابق الياس بوصعب وغيره.

ومن نفيه وصمة الارهاب عن طرابلس توّجه العماد عون الى المفتي وعلماء المدينة بالقول "موضوع الإرهاب لكم دور أساسي في مواجهته وأنتم على تماس يومي مع المجتمع في خطاباتكم وتوجيهاتكم وتعاطيكم مع الناس".

والى الارهاب توقف قائد الجيش عند شيوع آفة المخدرات الأخطر من الإرهاب والمؤدية اليه أيضاً، ليؤكد بأنّنا "أمام خيار من اثنين: إمّا أن نستسلم، وإمّا أن نواصل مساعينا لاستيعاب أبنائنا لمصلحة شعبنا ومجتمعنا".

الصراحة والوضوح وقوة الطرح عناصر ميّزت اللقاء بين قيادة الجيش ودار الفتوى، حيث شكّل ملّف الموقوفين الإسلاميين وما يعانوه، وأيضاً ما يتكبده ذويهم خلال زيارة أبناءهم في السجون المتفرقة مادته الدسمة بوصفه الملف الذي يقضّ مضاجع المدينة وأحزمة البؤس والفقر فيها. وهنا كان قائد الجيش واضحاً في وعده بتكثيف الجهد والعمل بكل ما يتعلق بالجيش من الناحية الإدارية عبر تسريع محاكماتهم في المحكمة العسكرية. ولتخفيف معاناة الأهالي وعد قائد الجيش مفتي طرابلس الشيخ محمد إمام وعلماء المدينة بنقل غالبية الموقوفين الى سجن طرابلس. أما المعالجة العامة للملف فهي ملك السلطة السياسية ومسؤوليتها الأساسية أيضاً.

وثائق الاتصال أخذت بدورها حيّزا هاماً من النقاش، سيّما وأن المدرجين في برقيات الإرهاب رغم عدم ثبوت التهم عليهم، كما ومن شأن إبقاء أسمائهم على وثائق الاتصال ما يعرضهم للملاحقة والتوقيف على الحواجز ويعيقهم في حياتهم المدنية العامة من تسجيل الزواج على سجلات النفوس والعمل والاستحصال على جوازات السفر، وقد وعد قائد الجيش بالعمل على معالجة ملف وثائق الاتصال نهائيا. كما أثار علماء طرابلس مع قائد الجيش موضوع تحديد مدة السجن المؤبد والإعدام والسنة السجنية، وأيضاً ملف السجينات المعتقلات في مخيم الهول في سوريا وضرورة العمل على إعادتهم مع أطفالهم الى طرابلس.

وقد بدا قائد الجيش شديد الإطلاع والفهم ليس لمشكلات طرابلس وملفاتها الشائكة فحسب، وإنما لنفسية وعقلية الطرابلسيين والشماليين بشكل عام، وقد خبر المدينة التي عرفها عن كثب خلال خدمته فيها وتنقله بين ثكناتها. وقد ساد اللقاء جو من الارتياح والثقة المتبادلة، وتعلق دار الفتوى وعلمائها في طرابلس ايجابية كبيرة على هذا اللقاء الهام وغير المسبوق والذي ستتظهّر نتائجه قريباً.

وبحسب شيخ قراء طرابلس وإمام مسجد السلام الشيخ بلال بارودي فقد تلقّف قائد الجيش مقترحاً بأن يحاول الجيش اللبناني الاستفادة من تجربة الجيش المصري، الذي أنشأ الكثير من المؤسّسات الصنّاعية والتجارية والاستثمارية مكنته من تحقيق عوائد مالية للدولة والجيش المصري، وتوفير فرص عمل كبيرة للكثير من الشباب العاطل عن العمل من جهة ثانية، وبامكان الجيش اللبناني بالنظر لما يتمتع به من مصداقية وثقة من المانحين في الداخل والخارج التطلع لبناء بعض مشروعات الأعمال الاقتصادية التي يحتاجها السوق اللبناني.

بهذا المعنى فزيارة قائد الجيش لمدينة طرابلس، والنقاشات الحيوية المعمّقة التي تخللتها، إنما تهدف شكلاً وموضوعاً الى اجتراح حلول ولو متأخرة من شأنها أن تشكل كاسحة ألغام تجهض مخططات مبيتة لتفخيخ طرابلس ومن ثم تفجيرها. وبهذا المعنى يشكل الجهد الاستباقي لقائد الجيش محاولة حاسمة لإحباط أجندات تعيد طرابلس لدور صندوق بريد اقليمي تقتضيه أجندات القوى الاقليمية الطامعة بمدّ نفوذها على كل لبنان.

وما هي ساعات على انتهاء جولة قائد الجيش الطرابلسية حتى عاجله زعيم حزب الله بصلية من المواقف الإتهامية التي تحاول النيل من الجيش اللبناني وقيادته وذلك على خلفية ظاهرها علاقات التعاون مع الجيش الأميركي والقائمة من سنوات بعيدة، وباطنها استدراج ابتزازي لقائد الجيش الى ملف الانتخابات الرئاسية المقبلة. لكن نصرالله وسواء درى أم لم يدر فإنه بهذه الاتهامات بدا كمن يطلق النار على رأسه وليس على قدميه. إنها الاتهامات التي تنهي وتنعي الى الأبد وبلسان نصرالله شخصياً معادلة "الجيش والشعب والمقاومة" التي لطالما تفاخر بها، وها هو اليوم يطيح بها ويرميها أرضاً وربما مقتضيات استراتيجية التغوّل الايرانية يستدعي ذلك.

هجوم نصرالله على الجيش اللبناني واتهام قيادته بالعمالة للعدو الأميركي، أتى كترجمة أمينة لما سبق وأعلنه رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله هاشم صفي الدين حول "إخراج النفوذ الاميركي من مؤسّسات الدولة". كما إن إعلان نصرالله عقب أحداث الطيونة عن امتلاك حزبه "100 ألف مقاتل لو أشير لهم على الجبال لأزالوها"، ويومها اجتهد قادة حزب الله بالقول أن التلويح بالمئة ألف مقاتل غير موجّه للجيش اللبناني، وإنما بهدف منع حرب أهلية يريديها رئيس حزب القوات سمير جعجع.

التهويل على الجيش وتهديده ليس بجديد، لكنه هذه المرة بسبب أداء قيادة الجيش المختلف عن المرحلة السابقة. إنّها المرحلة التي دارت بعض وقائعها خلال 17 تشرين، وكلّنا يذكر كيف تراجع الجيش يومها أمام "شباب الخندق الغميق" في وسط بيروت وهم يصرخون (شيعة شيعة)، إنها الواقعة التي وثقتها وسائل الاعلام.

لكن الواقعة التي لم توثقها وسائل الإعلام، ووثقتها مخابرات الجيش اللبناني فتلك التي حصلت في طرابلس، ويومها حاولت قوة من الجيش فضّ تجمع احتجاجي في "ساحة النور" بالقوة الخشنة، ما دفع المحتجون الطرابلسيون للاحتماء بهتاف (شيعة شيعة) الذي ما إن سمعه العسكريون حتى توقفوا عن ضرب وتهديد المحتجين وتراجعوا.. نعم تراجعوا!

ويرجّح أن هذه الواقعة البليغة وغير الكاريكاتورية بلغت قيادة الجيش التي قرأت فيها أبعاداً خطيرة ومكبوتات مكنونة، فعمدت الى إجراء تغييرات وتشكيلات جوهرية تختلف جذرياً عن هندسات غسان سلامة المالية. إنها التغييرات والتشكيلات التي يرجّح أنه بسببها كما وبسبب رواية الجيش المختلفة عن رواية حزب الله حول أحداث الطيونة، يصوّب نصرالله على قيادة الجيش التي سمعت أصواتاً طرابلسية وشمالية تقول بأنّ حزب الله هو من يدير إجراءات الجيش وتدابيره ضد طرابلس وشبابها.

وللحديث بقية..

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط