كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قاعدة باغرام من جديد لماذا يعيد ترامب فتح جبهة أفغانستان ؟

قاعدة باغرام من جديد لماذا يعيد ترامب فتح جبهة أفغانستان  ؟

تاريخ النشر: 2025-10-08 | 15:11

سنقدم في هذا المقال ما أمكن تحليل سياسي دقيق حول الدوافع الاستراتيجية والرسائل الجيوسياسية ومآلات الصراع المحتملة سيما وإن عودة الحديث عن هذه القاعدة الحيوية ليس حدثاً عابراً بل إشارة إلى محاولة ترامب إعادة رسم موازين القوى في قلب منطقة آسيا ذات الاهمية البالغة 

 

بعد مرور أربع سنوات من الانسحاب الأميركي والفوضوي من أفغانستان في صيف عام 2021 الذي وُصف حينها بأنه أحد أسوأ حالات الهزيمة والتقهقر في التاريخ العسكري الأميركي تعود قاعدة باغرام الجوية لتتصدر عناوين السياسة الخارجية الأميركية مجدداً لكن هذه المرة ليس في سياق دفاعي أو إنساني بل ضمن خطاب ناري أطلقه الرئيس الأميركي المتهور دونالد ترامب معلناً بشكل صريح أن إدارته تعمل على استعادة قاعدة باغرام التي قال إنها سُلّمت مجاناً لطالبان فيما بدا أنه تصعيد سياسي ورسالة قوية باتجاه عدة أطراف دولية وإقليمية

 

تصريحات ترامب لم تأت من فراغ فالرجل الذي بنى حملاته الانتخابية ومشروعه السياسي على مفاهيم الهيبة والهيمنة والسيطرة واستعادة المجد الأميركي لا يرى في الانسحاب من باغرام إلا خطأ تكتيكياً ارتكبه خصومه الديمقراطيون بل وصمة عار يجب تصحيحها وتصويب مسارها ولو بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء في المقابل فإن قاعدة باغرام ليست مجرد منشأة عسكرية خرجت منها القوات الأميركية بل هي رمز تاريخي يختزن الكثير من أرشيف تدخلات واشنطن في آسيا الوسطى وتحديداً في بلد وصفه العديد من الساسة الأميركيين يوماً بأنه مقبرة الإمبراطوريات العالمية

 

قاعدة باغرام العسكرية التي تبعد خمسين كيلومتراً فقط عن كابل لا تزال تحتفظ ببنية تحتية هائلة تشمل مدرجات إسمنتية للطائرات ومنشآت عسكرية ومستشفى وسجناً محصناً ظلّت لعقود طويلة رمزاً لانتهاكات حقوق الإنسان في الحروب الأميركية المتتالية إلى جانب بعض المعالم الرمزية التي تجسدت في مطاعم الوجبات السريعة الأميركية التي استوطنت المكان في محاكاة ساخرة لحياة طبيعية في قلب حرب دموية لكنها اليوم تحولت إلى نقطة توتر جديدة بين واشنطن وطالبان وورقة متفجرة في اللعبة الجيوسياسية التي تلعبها القوى الكبرى في المنطقة

 

خلال مؤتمر صحفي عقد في 19 / 9 / 2025 مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أطلق ترامب أول تصريحاته العلنية عن باغرام قبل أن يصعّد لهجته سريعاً على منصته تروث سوشيال مهدداً بأنه في حال رفض طالبان إعادة القاعدة سيحدث أمر سيئ ما عده مراقبون ليس فقط تهديداً لكابول بل رسالة مبطنة أيضاً للصين التي أصبحت اللاعب الأكثر نفوذاً في جوار أفغانستان

 

جمهورية الصين الشعبية من وجهة نظر إدارة ترامب تعتبر المستفيد الأول من انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان ليس فقط بسبب الفراغ الأمني الذي سمح لها بالتوغل اقتصادياً وسياسياً بل أيضاً بسبب قربها الجغرافي من قاعدة باغرام ومن مناطق إنتاج السلاح النووي الصيني حيث لا تبعد سوى نحو ثمانمئة كيلومتر وبهذا المعنى فإن استعادة باغرام لم تعد مسألة متعلقة بأفغانستان فحسب بل بميزان الردع الاستراتيجي بين واشنطن وبكين وهو ما أكده ترامب حين وصف القاعدة بأنها على بُعد ساعة فقط من أهم منشآت الصين النووية

 

لكن السؤال المهم لماذا الآن ولماذا يفتح ترامب هذا الملف في توقيت حساس جداً يشهد اضطرابات إقليمية في أوكرانيا والشرق الأوسط وتصاعداً في الخطاب القومي داخل الصين يبدو أن ترامب يحاول من خلال هذه المطالبة إحياء رمزية القيادة الأميركية التي تراجعت قوتها وهيبتها ومكانتها بعد الانسحاب الفوضوي من أفغانستان وأيضاً لتأكيد عودة العقيدة الترامبية التي ترى في الهيمنة العسكرية وسيلة لفرض النفوذ السياسي ومن جهة أخرى قد تكون هذه الورقة أداة تفاوضية بحتة خاصة أن إدارة ترامب معروفة باستخدامها لسياسة الحافة أي رفع سقف المطالب إلى أقصاه ثم التراجع تدريجياً مقابل مكاسب جزئية لكنها هامة

 

إضافة إلى ذلك فإن عودة الحديث عن قاعدة باغرام تحمل بعداً انتخابياً داخلياً واضحاً فترامب يسعى إلى توظيف هذا الملف لإعادة كسب دعم القاعدة الجمهورية والقوميين العسكريين الذين رأوا في انسحاب بايدن من أفغانستان إهانة وطنية وهي محاولة ذكية لتصوير نفسه كرمز لاستعادة المجد الأميركي والرد على خصومه الديمقراطيين من خلال خطاب القوة والهيبة

 

في المقابل فإن حركة طالبان التي بنت شرعيتها على فكرة مقاومة الاحتلال الأجنبي لا تبدو في وارد التنازل عن شبر واحد من قاعدة باغرام وقد جاء ردها حازماً من خلال تصريح نائب المتحدث باسمها حمد الله فطرت الذي اعتبر أن مطالب ترامب تنتهك اتفاق الدوحة الموقع عام 2020 والذي نص على احترام وحدة الأراضي الأفغانية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية كما أن طالبان تعلم جيداً أن أي خطوة في اتجاه القبول بهذه المطالب ستفجر صراعات داخلية قد تؤدي إلى تفكك الحركة أو انقسامها وهو ما يجعلها متمسكة حرفياً بموقفها الرافض تماماً لإعادة القاعدة للولايات المتحدة

 

اللافت أن قاعدة باغرام لم تكن في يوم من الأيام مجرد نقطة عسكرية بل مساحة وطنية ارتبطت دائماً بتغير موازين القوى في آسيا الوسطى ففي خمسينيات القرن الماضي شيّدها الاتحاد السوفيتي لتكون بوابة لتدخله في أفغانستان ثم تحولت إلى معقل للسوفيت أثناء الغزو عام 1979 وبعدها خضعت لسيطرة تحالف الشمال ثم حركة طالبان وصولاً إلى القوات الأميركية بعد غزو عام 2001 وكل هذه التحولات جعلت من القاعدة مؤشراً قوياً على صعود وسقوط القوى الكبرى في المنطقة

 

أما عن ترسانة الأسلحة التي تركتها واشنطن خلفها والتي تقدر قيمتها بنحو سبعة مليارات دولار فثمة تساؤلات جدية عما إذا كانت قد تُركت عن عمد لدعم القوات الأفغانية التي سيطرت على البلاد أم أنها كانت ثمناً باهظاً لهروب سريع لم يكن مخططاً له بهذا الشكل خصوصاً وأن البعض كان يرى أن واشنطن كانت تأمل بأن تصمد الحكومة الأفغانية التي تدعمها لأشهر أو حتى سنوات بعد انسحابها وهو ما لم يحدث ما جعل هذه الأسلحة تقع عملياً غنيمة سهلة في يد طالبان دون مواجهة مباشرة لكنها مع ذلك أصبحت جزءاً من معادلة التفاوض الجديدة بين الجانبين

 

وبالعودة إلى الصين نلاحظ أنها تتوخى الحذر الشديد في تعاملها مع الملف الأفغاني لأن عودة الأميركيين إلى قلب آسيا الوسطى تعني تهديداً مباشراً لمبادرة الحزام والطريق ولتوازناتها في بحر الصين الجنوبي وآسيا عموماً ولذلك جاء رد الخارجية الصينية ليؤكد بأن شعب أفغانستان وحده من يقرر مستقبله ويتخذ قراراته في رسالة واضحة بأن بكين لن تقف متفرجة على أي إعادة انتشار أميركي مؤثر في خاصرتها الغربية وفي هذا السياق فإن روسيا وإيران أيضاً تنظران بقلق بالغ إلى أي محاولة لإحياء الوجود الأميركي في أفغانستان باعتبارها خطوة تعيد تموضع واشنطن في تخومهما الجنوبية مما قد يخلق جبهة ضغط جديدة على مصالحهما في آسيا الوسطى والخليج

 

في ضوء ما سبق يمكن القول إن ملف باغرام ليس سوى مؤشر مبكر لتحول استراتيجي أوسع في بنية الصراع الدولي فالتحليل العميق للمشهد يظهر بوضوح أن هذه القاعدة قد لا تكون إلا رأس جبل الجليد في بداية تحولات أوسع قادمة سيما وأن الصراع الأميركي الصيني يدخل اليوم مرحلة المواجهة غير المباشرة عبر أدوات ناعمة وقواعد استراتيجية ومحاور جغرافية بديلة وأفغانستان بما تحمله من موقع وميراث وحجم فراغ كبير تبدو أحد أبرز مسارح هذه المواجهة المقبلة وهي إشارة إلى أن واشنطن بدأت تعود تدريجياً إلى استخدام القواعد العسكرية كأداة نفوذ مباشر بعد أن اعتمدت لسنوات على الحروب بالوكالة والعقوبات الاقتصادية في إدارة صراعاتها الخارجية

 

في النهاية يمكن القول إن ترامب لا يطالب بقاعدة باغرام من أجل عيون كابل بل من أجل إعادة ترتيب أوراق أميركا في عالم يتغير بسرعة أما طالبان التي وجدت نفسها فجأة في قلب صراع الكبار فقد لا تجد مفرّاً في نهاية المطاف من الدخول في مساومات قاسية عنوانها البارز باغرام ومضمونها المخفي إعادة تشكيل النفوذ في آسيا الوسطى بين واشنطن وبكين وموسكو على حساب دولة أنهكتها الحروب ولا تزال تبحث عن سيادتها المفقودة واستقرارها المأمول

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط