كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قانون إعدام الأسرى: شرعنة القتل وانحدار نحو الفاشية القانونية

قانون إعدام الأسرى: شرعنة القتل وانحدار نحو الفاشية القانونية

تاريخ النشر: 2026-03-31 | 13:38

في تطور بالغ الخطورة، أقدم الكنيست الإسرائيلي على إقرار ما يُعرف بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، في خطوة لا يمكن قراءتها بوصفها إجراءً تشريعياً عادياً، بل باعتبارها انتقالاً نوعياً نحو “تقنين القتل” ومنح الجريمة غطاءً قانونياً. إن هذا التشريع لا يشكل فقط انتهاكاً جديداً بحق الشعب الفلسطيني، بل يمثل ضربة مباشرة لأسس النظام القانوني الدولي، ويضع العالم أمام اختبار أخلاقي وقانوني غير مسبوق.
من حيث المبدأ، يتعارض هذا القانون بشكل صارخ مع أحكام اتفاقيات جنيف، التي تنص بوضوح على حماية الأسرى وضمان حقوقهم الأساسية، بما في ذلك الحق في محاكمة عادلة أمام جهة قضائية مستقلة ومحايدة. غير أن الإشكالية الجوهرية هنا تتجاوز مسألة الإجراءات، لتطال طبيعة الجهة التي تدّعي حق المحاكمة؛ إذ كيف يمكن لسلطة احتلال، متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، أن تنصّب نفسها قاضياً وجلاداً في آنٍ واحد؟
إن هذا التشريع يضرب عرض الحائط كذلك بمبادئ القانون الجنائي الدولي، ويقوّض الأساس الذي قامت عليه العدالة العالمية بعد الحرب العالمية الثانية، حين جرى التأكيد على أن الجرائم الجسيمة لا يمكن أن تُغطى بقوانين محلية. ولنا في تجارب التاريخ أمثلة صارخة، حيث استخدمت أنظمة عنصرية القوانين لتبرير القمع، كما في نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، أو في القوانين النازية التي شرعنت الاضطهاد. إن القاسم المشترك بين تلك التجارب وهذا التشريع هو تحويل القانون من أداة للعدالة إلى أداة للهيمنة.
سياسياً، يعكس هذا القانون صعود تيار متطرف داخل إسرائيل، يتبنى خطاباً قائماً على الانتقام والعقاب الجماعي، وتدعمه قيادات مثل بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير، اللذين يسعيان إلى إعادة تشكيل قواعد الصراع بما يتجاوز كل الأعراف الدولية. هذا التيار لا يرى في القانون الدولي مرجعية ملزمة، بل عائقاً يجب الالتفاف عليه، وهو ما يفسر هذا الاندفاع نحو تشريعات تحمل طابعاً انتقامياً صريحاً.
غير أن الأخطر في هذا السياق هو ما يمكن تسميته بـ“الفاشية القانونية”، حيث يتم توظيف المؤسسات التشريعية لإضفاء الشرعية على ممارسات تنتهك جوهر العدالة. فبدلاً من أن يكون القانون أداة لضبط السلطة، يتحول إلى أداة بيدها، تستخدمه لتبرير القمع وتكريسه. وهذا التحول لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد فكرة القانون نفسها، ويفتح الباب أمام سابقة خطيرة في العلاقات الدولية.
على صعيد القانون الدولي، فإن هذا التشريع، إذا ما تم تطبيقه، قد يندرج ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، باعتباره شكلاً من أشكال الإعدام خارج نطاق المحاكمة العادلة، أو جريمة حرب إذا ما ارتبط بسياسة ممنهجة تستهدف فئة محمية. إن مبدأ عدم الإفلات من العقاب، الذي يشكل حجر الزاوية في العدالة الدولية، يقتضي ملاحقة كل من يساهم في سنّ أو تنفيذ مثل هذه القوانين.
أما الأمم المتحدة، فهي اليوم أمام مسؤولية تاريخية. فالاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً، في ظل تصاعد هذه السياسات. المطلوب هو الانتقال من مرحلة التوصيف إلى مرحلة الفعل، عبر تفعيل آليات المساءلة الدولية، وفرض عقوبات رادعة، وتوفير حماية حقيقية للشعب الفلسطيني، بما في ذلك الأسرى الذين يواجهون تهديداً وجودياً.
فلسطينياً، يفرض هذا التطور إعادة صياغة الاستراتيجية الوطنية، على قاعدة توحيد الصف وتفعيل أدوات القانون الدولي. إن تدويل قضية الأسرى لم يعد خياراً، بل ضرورة ملحّة، تستدعي تحريك الدعاوى أمام المحاكم الدولية، وتكثيف الجهود الدبلوماسية والإعلامية لفضح هذا التشريع وخطورته.
عربياً، فإن الصمت أو الاكتفاء بالمواقف التقليدية لم يعد مقبولاً. المطلوب هو تفعيل أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها قضية مركزية. كما أن التنسيق العربي في المحافل الدولية يمكن أن يشكل قوة ضغط حقيقية، إذا ما تم توظيفه بشكل فعّال.
دولياً، ينبغي على القوى الفاعلة ومنظمات حقوق الإنسان أن تدرك أن التغاضي عن مثل هذه التشريعات لا يعني سوى تقويض النظام الدولي القائم على القواعد. فاليوم فلسطين، وغداً قد تكون أي دولة أو شعب آخر عرضة لمثل هذه السياسات. إن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين هو في جوهره دفاع عن القانون الدولي نفسه.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى قانون إعدام الأسرى إلا بوصفه إعلاناً عن مرحلة جديدة من الصراع، تتسم بمحاولة كسر الإرادة الفلسطينية عبر أدوات قانونية زائفة. غير أن التاريخ يعلّمنا أن القوانين الجائرة لا تصمد، وأن العدالة، مهما تأخرت، تبقى أقوى من كل محاولات طمسها.
إن الرسالة التي يجب أن تصل واضحة اليوم: إن شرعنة الجريمة لن تمنحها مشروعية، وإن الصمت الدولي لن يحمي النظام العالمي من التآكل، وإن الشعب الفلسطيني، رغم كل هذه السياسات، سيواصل نضاله المشروع حتى نيل حقوقه الوطنية، وفي مقدمتها الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة على أرضه.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط