كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قانون الأحزاب الفلسطيني في ظل الاحتلال: بين منطق الدولة وضرورات التحرر الوطني

قانون الأحزاب الفلسطيني في ظل الاحتلال: بين منطق الدولة وضرورات التحرر الوطني

تاريخ النشر: 2026-02-05 | 14:22

يعود الجدل مجددًا حول مشروع قانون الأحزاب الفلسطيني، في توقيت سياسي بالغ الحساسية، تتقاطع فيه حرب الإبادة المستمرة على غزة، وتصاعد الاستيطان في الضفة الغربية، مع ضغوط سياسية دولية لإعادة “هندسة” النظام السياسي الفلسطيني.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى ملاءمة سنّ قانون أحزاب بالمعنى الكلاسيكي في ظل احتلال عسكري استيطاني لم ينتهِ بعد، وحول ما إذا كان هذا التوجه يُمثّل خطوة إصلاحية، أم مسارًا يفضي إلى تفكيك البنية النضالية الفلسطينية تاريخيًا وسياسيًا.
وتكتسب هذه الأسئلة أهميتها في ضوء ما طرحه الكاتب والباحث والمفكر بكر أبو بكر، رئيس أكاديمية حركة فتح وعضو المجلس الثوري السابق، في مقالته اللافتة “قانون أحزاب بلا فصائل”، التي قدّمت تشخيصًا عميقًا لمخاطر نقل نموذج الدولة المستقلة إلى واقع لم يُنجز بعد شروط الاستقلال.
أولًا: الحزب السياسي في الفقه الدستوري – المفهوم والسياق
في الفقه الدستوري المقارن، يُعرّف الحزب السياسي بأنه تنظيم دائم يعمل على الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها عبر الانتخابات، ضمن دولة ذات سيادة، ودستور نافذ، ونظام قانوني موحد.
وبالتالي، فإن قانون الأحزاب هو أداة لتنظيم التنافس السياسي داخل الدولة، لا لتنظيم الصراع ضد الاحتلال أو إدارة مرحلة تحرر وطني غير مكتملة.
من هنا، يبرز التناقض البنيوي في الحالة الفلسطينية:
فالسلطة الفلسطينية ليست دولة مستقلة، والسيادة منقوصة، والاحتلال ما زال يفرض سيطرته العسكرية والأمنية والاقتصادية، بما يجعل استنساخ قوانين الأحزاب من تجارب الدول المستقرة نقلًا شكليًا للنموذج دون مضمونه التاريخي والسياسي.
ثانيًا: “قانون أحزاب بلا فصائل” – تشخيص دقيق لمأزق سياسي
تُصيب أطروحة بكر أبو بكر جوهر الإشكال حين تشير إلى أن سنّ قانون أحزاب في ظل الاحتلال لا يعني تنظيم الحياة السياسية بقدر ما يعني إعادة تعريف الفاعلين السياسيين وفق شروط جديدة تُفرغهم من مضمونهم النضالي.
فالفصائل الفلسطينية لم تنشأ بوصفها أحزابًا انتخابية، بل كتنظيمات تحرر وطني، تحمل رواية فلسطين التاريخية، وتمثل الشعب الفلسطيني داخل الوطن وفي الشتات.
وعليه، فإن إخضاع هذه الفصائل لقانون أحزاب تقليدي يفرض عليها:
قطعًا مع تاريخها وأديباتها،
إعادة تأسيس قانوني ومالي وتنظيمي كامل وحصر نشاطها في الجغرافيا الخاضعة للسلطة، وتقييد خطابها وأدواتها بما لا يتعارض مع “قانون النظام العام”. وهنا، لا يكون القانون محايدًا، بل يتحول إلى أداة سياسية لإعادة تشكيل المشهد الوطني.
ثالثًا: التجربة المقارنة – كيف تعاملت حركات التحرر مع مسألة التحزب؟
تُظهر التجارب التاريخية لحركات التحرر الوطني حقيقة قانونية وسياسية واضحة:
المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC) في جنوب أفريقيا لم يُجبر على التحول إلى حزب خاضع لقوانين نظام الأبارتهايد، بل ظل حركة تحرر حتى سقوط النظام العنصري، ثم دخل الحياة الحزبية بعد الاستقلال.
جبهة التحرير الوطني الجزائرية لم تُنظم كحزب سياسي أثناء الثورة، بل كإطار تحرري شامل، ولم يُفتح النقاش الحزبي إلا بعد الاستقلال.
منظمة سوابو في ناميبيا اعترف بها المجتمع الدولي ممثلًا شرعيًا للشعب، وتحولت إلى حزب سياسي فقط بعد إنهاء الاحتلال.
هذه التجارب تؤكد أن التحزب كان نتيجة للاستقلال، لا شرطًا له.
رابعًا: الحالة الفلسطينية في ميزان القانون الدولي
تتمتع القضية الفلسطينية بوضع قانوني خاص:
منظمة التحرير الفلسطينية معترف بها دوليًا ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني.
الشعب الفلسطيني ما زال يتمتع بحق تقرير المصير وفق القانون الدولي.
الاحتلال قائم، والاستيطان مستمر، والقدس محتلة.
وبالتالي، فإن أي قانون داخلي:
يُقيّد التنظيمات الوطنية، أو يُجرّدها من وظيفتها التحررية،أو يحصر نشاطها في نطاق سلطوي ضيق، يصبح في تعارض واضح مع حق الشعوب الخاضعة للاحتلال في تنظيم نفسها ومقاومة الاحتلال بكافة الوسائل المشروعة.
خامسًا: المخاطر السياسية والقانونية لقانون أحزاب في هذه المرحلة
من منظور قانوني وواقعي، فإن المضي في سنّ قانون أحزاب في ظل الاحتلال قد يؤدي إلى:
تجريم المقاومة الشعبية السلمية بوصفها خروجًا عن العمل الحزبي.
إقصاء اللاجئين والشتات من الحياة السياسية المنظمة.
تكريس الفصل بين الداخل والخارج بصورة قانونية دائمة.
تحويل الفصائل إلى كيانات إدارية منزوعـة المشروع التحرري.
مواءمة النظام السياسي الفلسطيني مع اشتراطات دولية لا مع مقتضيات النضال الوطني.
وهو ما يجعل هذا التوجه، عمليًا، إدارة للأزمة لا معالجة لها.
سادسًا: البديل الواقعي – التنظيم السياسي في مرحلة التحرر
البديل ليس في رفض التنظيم أو الانتخابات، بل في اختيار الصيغة القانونية الملائمة للمرحلة، عبر:
الإبقاء على الفصائل والتنظيمات كأطر تحرر وطني.والسماح بإنشاء قوائم انتخابية أو أذرع سياسية داخلية لخوض الانتخابات.والإبقاء على منظمة التحرير الفلسطينية مرجعية جامعة.
تأجيل قانون الأحزاب بالمعنى الكلاسيكي إلى ما بعد إنجاز الاستقلال.
بهذه الصيغة، لا يُلغى النضال، ولا تُختزل فلسطين في جغرافيا منقوصة، ولا يُجرّد الشعب من أدواته السياسية والتاريخية.
وعليه ووفق كل ذلك فإن سنّ قانون أحزاب في ظل الاحتلال، دون إنجاز الاستقلال، ودون تحرير القدس، ودون حل عادل لقضية اللاجئين، لا يمكن اعتباره إصلاحًا ديمقراطيًا مكتمل الأركان، بل خطوة إشكالية قد تُفضي إلى تفكيك ما تبقى من المشروع الوطني.
ففلسطين، حتى هذه اللحظة، ليست دولة تبحث عن تنظيم أحزابها، بل قضية تحرر وطني تبحث عن استكمال حريتها.
وهذا ما يجعل التحذير الذي أطلقه بكر أبو بكر في “قانون أحزاب بلا فصائل” تحذيرًا سياسيًا وقانونيًا في آن واحد، يستحق التوقف الجاد عنده قبل الإقدام على أي تشريع قد يُغيّر طبيعة الصراع لا لصالح الشعب الفلسطيني.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط