كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قبل الموت بلحظات, بعد الألم بسنوات

في قلب المخيم هناك منزل، لا يختلف عن بقية المنازل. فجميعها منازل ضيقة بحجم القبور، جميعها منازل معتمة كعتمة الجحور، جميعها منازل هزيلة، وجدرانها كالقشور!.إنها المنازل المحشوة بالموت, فالموت يكمن بداخلها, من حولها ومن جوانبها, الموت يلفها من كل جانب, ويحيطها من كل صوب.

في قلب المخيم, وفي كافة أنحاءه, وفي كل ضلع أعوج منه, رائحة الموت تتصاعد, تصنع الغيوم, وتطير, وتسير ببطء وتثاقل, فوق منازل المساكين. لتفرض ظلمتهاالموحشة, فوق المنازل المنكوبة, فوق صناديق الموت الإسمنتية.

يغيب النور غيبته الطويلة, فالشمس تضيع وتتبدد, في ظلمة الغيوم. سماء المخيم تزداد سواداً, وحياة الساكنين, تزداد فوق سوادها سواداً آخر. الشمس تغرب, غروبها الكوني المعهود, آناء الليل تقترب شيئا فشيئا, الظلمة تزداد أكثر فأكثر, والسواد يوغل ويستفحل !.

في صناديق الموت الإسمنتية, في قبور الحياة, التي يقبر فيها الناس, أنصاف أموات وأنصاف أحياء. الأطفال تصرخ من الجوع والحر والعطش, الأمهات تبكي من الحسرة, وتنحب على المصير المرير, والرجال تتلوى من العجز والفقر والمسؤولية الثقيلة.المسؤولية, التي لا تقوى على حملها, كل جمال الأرض.

الغيوم السوداء, غيوم الموت, تسير وتتحرك حركتها الدائبة المحمومة, وتبحث عن مستقر لها... لقد حان وقت المطر !!. الشر يحوم ويدور,ويطل برأسه ويمور. الذعر يخيم على المخيم, شيء ما كالفزع الأكبر, الناس بهم ضرب من الجنون, تقشعر أبدانهم, ويتمترسوا في بيوتهم الهزيلة. والترقب سيد الموقف, لمن ستصيبه أمطار الموت.

انقضى مخاض الغيوم السوداء. تمخضت الغيوم السوداء, فوضعت قذائف وقنابل. حان وقت هطول المطر. فمن سيصيبه المطر الغزير؟.الكل خائف, الكل مذهول, الكل مذعور. فالشر يحوم ويدور, ويطل برأسه ويمور.

المدافع والطائرات, تمطر المخيم بالقذائف والقنابل. الغيوم السوداء, تنقلب إلى رعود حمراء, والسماء تشتعل. القذائفالثقيلة, تهوي بأصوات ثقيلة أيضاً, فوق البيوت الهزيلة, فتطحن حجارتها, وتفتت لحوم المساكين, الساكنين فيها. قذائف الحقد تتساقط وتنهمر, على أجساد الفقراء, على حياتهم الرثة البالية, على أوانيهم وأمتعتهم التي تدمع العين لرؤيتها, وعلى الأسطورة التي طالما امنوا بها, أن منازل المخيم, بإمكانها أن تحمي وتذود.

السماء تمطر حمم, على رؤوس أناس, هم ميتين منذ زمن. أناس موجوعين, لا يهنئون ولا يضحكون ولا يفرحون, ولا يعيشون أبداً كما يشتهون. أناس قتل بداخلهم الأمل, يعيشون منذ سنوات طويلة, بلا أمل, فحياتهم القاسية المهلكة, علمتهم أن الأمل محرم, وأن الحلم مستحيل. السماء تمطرقذائفوقنابل, السماء تمطر جنون, الدماء الساخنة تتدفق, وتصنع سيلاً جارف. الدماء تغلي, وتطفو من عتبات المنازل, لتتوحد مع بعضها, في متن السيل. في تلك الناحية, في أحد جداول السيل الصغيرة, يبرد الدم, فيتجلط ويتجلد. وتتجلى آثارطفل, عاري القدمين, طبع بقدميه ودون, فوق الدماء الناشفة, حكاية هروبه, من بيته المهدم, إلى بيت قريب مجاور, قد لا تمهله أمطار الموت كثيراً, هو الآخر.

في قلب المخيم هناك منزل, كانت القذائف تنهمر, جنبه وحوله. مع كل صوت انفجار, كان الأب يتأهب, لرؤية أجساد بنيه تتفتت, أمام عينيه الشاحبتين. كانت الأم تحتضن طفليها الصغيرين, وتواريهما بجسدها المنهك, وتلفهما بذراعيها المرتجفتين, كي تذود عنهما, أوتموت قبلهما. كانت الفتيات يبكين, بل كن يصرخن, كلما سمعن صراخ الجيران, المبتورين الأجساد, والنازفين. كان الشبان اليافعين, يودعون أحلامهم, وداع السفر الأخير, وداع اللارجوع. وكانوا يبكون على حياة بائسة,ظلوا يطاردون فيها السعادة, والسعادة من أمامهم كالسراب, تختفي وتطير.

كان الجميع في غاية الترقب, كانوا يتفقدون بعضهم, ويتبادلون النظرات, ليعلموا من ستكون الضحية الأولى, من سيلتهمه وحش الموت أول. كانوا يراقبوا السقف والجدران, علهم يدركون ذلك الشيطان المعدني, وهو نازل على رؤوسهم. كانوا جميعاً, ساخطين على الحياة, فقد أذاقتهم طعم الموت مئة مرة, قبل أن يتحقق موتهم. كانوا يتحسسوا بأنوفهم, رائحة الثرى, ويهيئوا عيونهم لظلمة القبر, ويجهزوا أسماعهم لجلبة الدفن. لكنهم أدركوا رائحةالبارود, قبل أن يدركوا رائحة الثرى, وأدركوا ظلمة الركام, قبل أن يدركوا ظلمة القبر, وأدركوا جلبة البحث تحت الأنقاض, قبل أن يدركوا, جلبة المشيعين وردم القبور.

قبل أن يموتوا بلحظات, ذهبوا للجوء, إلى أكثر حجرات المنزل منعة وحماية. هجروا كافة أرجاء المنزل, وتجمعوا في تلك الحجرة, يحذوهم الأمل, أنها ستحميهم, أكثر من أخواتها الحجرات الأخريات. جلسوا في حجرة الأمل الأخير, وتكدسوا فيها, وقد كان لهذه الحجرة في نفوسهم, أثر خاص جداً. ففي هذه الحجرة, لطالما التأموا حول مائدة العشاء, لطالما جلسوا يشاهدون التلفاز القابع في أحد الزوايا, لطالما تسامروا فيها, وسهروا ليالي الصيف يكابدون الحرارة. في هذه الحجرة, كانت للأسرة ذكريات, من كافة الأشكال والألوان, ضحكات, بسمات, حنان أم, أنات مرض, بكاء قيام, وبكاء ألم. في هذه الحجرة, عاشت الأسرة بعض اللحظات السعيدة, وما أقلها تلك اللحظات.

كان للأسرة الفقيرة, قصة وحكاية, مع كل جزء صغير من هذه الحجرة. كان لهم قصة وحكاية, مع كل وسادة, مع كل قطعة من الفراش, مع كل رسم أو خربشة على الجدران البائسة المتصدعة, مع كل خرق في ستار نافذتهم المهترئ. لطالما كانت هذه الحجرة, تفيض بالحب, وكانت حضناً حنوناً رحيماً, يرتمي فيه جميع أفراد العائلة. أما الآن, فقد ارتمت الحجرة بسقفها الثقيل, وحجارتها, وقضبانها الحديدية الحادة, فوق أجساد ضعيفة, أنهكها الفقر طيلة سنوات عديدة, ولفحتها قسوة الأيام, فعذبتها, وأججت قرحها, إذ كانت في كل مرة, تدس الملح في جرحها.

تحت هذا الخراب,تحت هذا الركام, سحقت أجساد أطفال, ولدوا وماتوا على ملة الخوف والفزع. وأجساد فتيات, كن مستبشرات رغم الألم, وكن يدارين الجراح وراء البسمات. وأجساد فتيان شباب, كانت أيديهم وأقدامهم, سجلاً حافلاً, بالخدوش والجروح والندبات, شواهد على الشقاء. وجسد أب صابر محتسب, كان في كل يوم يداري دمعته, كي لا تراها الزوجة والأولاد. وجسد أم عظيمةمكافحة, أنجبت تسعة أبناء وبنات, حملت في كل منهم تسعة أشهر. لتموت معهم في النهاية, ويقضوا جميعاً, في غمضة عين.

[email protected]

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط