كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قدرة الشعور على توليد الزمان وصناعة المكان

قدرة الشعور على توليد الزمان وصناعة المكان

تاريخ النشر: 2020-01-18 | 06:09

إن التحليل الاجتماعي للعناصر النفسية المُتحركة في داخل الإنسان ، يُلغي الفرقَ بين العَالَم الواقعي والعَالَم الافتراضي، ويُوحِّد الزمانَ والمكانَ في سياق فكري واحد ، لأن الإنسان لا يتحرَّك في الحياة وفق مسار خَطِّي بسيط ، وإنَّما يتحرَّك في مسارات مُتشعِّبة معنويًّا وماديًّا ، وينتقل عبر أطوار معرفية مُعقَّدة ، كما أن مشاعره لَيست كُتلةً محدودة ومُتجانسة ، وإنَّما كُتَل كثيرة مُتعدِّدة ومُتناقضة . وكثيرٌ مِن الناس يَعيشون ويَموتون، وهُم لا يَعرِفون ما يُريدون. ويَأتون إلى هذه الحياة، ويَخرجون مِنها، وهُم لا يَعرِفون الهدف مِن وُجودهم ، ولا يُدرِكون طبيعة مسارهم ومصيرهم . وهذا يدل بوضوح على أن النَّفْس الإنسانية كيان في غاية التعقيد ، ومُتشابك مع عناصر الحياة بكل تناقضاتها وتقلُّباتها .

     وكما أن الوجود الإنسان مُوزَّع بين الضحك والبُكاء،والحُب والكراهية، والفَوز والخسارة، والنصر والهزيمة، والحياة والموت، كذلك حالته النَّفْسية مُوزَّعة بين الأضداد، ومُنقسمة بين التناقضات ، بسبب الصراع الإنساني الداخلي بين الحُلم والقُدرة على تحقيقه، والصِّدام بين الرغبة وإرادة تنفيذها. وبُنية الصراع تعني بالضرورة وُجود شظايا فكرية ، وانبعاثات معرفية يَصعب السَّيطرة عليها ، لأن بُنية الصراع في داخل الإنسان لا تقع تحت سيطرته ونفوذه، ولا يَملِك القُدرة على التحكم بها ، وتوجيه مسارها . تمامًا كالحرب ، يَستطيع الإنسانُ أن يُحدِّد موعدَ بدايتها ، ولكنَّه لا يَستطيع أن يَتحكَّم بمسارها ، ولا يَقْدِر على تحديد موعد نهايتها ، لأنَّ هناك تفاصيل كثيرة ، ومُفاجآت غَير مُتوقَّعة ، وأحداثًا مُتجدِّدة ، لم تَكن في الحُسبان . وكما يُقال : الشَّيطان كامن في التفاصيل . والإنسانُ قد يَرمي عُود ثِقاب مُشتعلًا في غابة مِن الأشجار بسهولة ، ولكنَّه لا يَستطيع أن يَعرِف مدى الحريق وانتشار النار التي ستأكل الأخضرَ واليابس .

     والحروبُ التي يَخوضها الإنسان في داخله ، والمعارك التي يَخوضها بينه وبين نفْسه ، لا يُمكن التَّنَبُّؤ باتِّجاهها ، ولا معرفة حركتها ، لأن الإنسان في هذه الحالة يَكون مَحصورًا في زاوية رَد الفِعل لا الفِعل ، ويَكون في إطار المفعول به لا الفاعل . لذلك ، تَخضع سلوكياتُ الناس الاجتماعية ، وتصرُّفاتهم في الحياة ، لمشاعرهم العميقة ، وأحاسيسهم الدَّفينة ، ومُشكلاتهم النَّفسية التي سَيطرت على اللاوَعْي مُنذ طُفولتهم ، والماضي لا يَمضي، وطُفولةُ الإنسان_ بأفراحها وأحزانها _ تنتقل مع الإنسان في كُل مراحل وجوده رَغْمًا عنه . والإنسانُ لا يَقْدِر على تجاوُز مرحلة الطفولة مهما بَلَغَ مِن العُمر ، لأنَّها راسخة في تفاصيل كيانه وأعماق وجدانه . ومَن يَعتقد أنَّ بإمكانه تجاوز مرحلة الطفولة ، كَمَن يَعتقد أن بإمكانه خَلْع جِلْده ووجهه ، والعَيش بجِلْد جديد وقِناع مُستعار . والشُّعورُ الإنساني العميق يُكَوِّن زَمَنَه الخاصَّ به ، لِكَيْلا يَقفز الإنسان في الفراغ .

     والمراحل الزمنية في حياة الإنسان ( الماضي ، الحاضر ، المُستقبل ) تُشبِه الحواجزَ العسكرية في الطريق، فهذه الحواجز موجودة، والإنسان مُجبَر على التَّوَقُّف أمامها، ولكنَّها لا تُغيِّر شيئًا في طبيعة الطريق ، ولا تُبدِّل اتجاهه. والطريق جَوهر ثابت، والحواجز أعراض زائلة، وسَوْفَ تَختفي الحواجزُ يَوْمًا ما، ويظل الطريقُ كما هُوَ . وهذا يعني ضرورة التركيز على الطريق ، لأنَّه الثابت في عَالَم التَّحَوُّلات .

     وحياةُ الإنسان هي طريقه الأساسي الثابت ، أمَّا الواقع والخيال ، فهُما عُنصران مُتغيِّران ، وخاضعان للتأثيرات الروحية والمادية . وجَوهرُ الوُجود الإنساني واحدٌ في العَالَم الواقعي والعَالَم الافتراضي ، لذلك ينبغي التركيز على هذا الجَوهر ، لأنَّه الطريق الرئيسي ، وعدم إضاعة الوقت في الطُّرُق الجانبية والشوارع الخلفية .

     وتحليلُ الوجود الإنساني لا يتأتَّى إلا بإزالة الفرق بين العَالَم الواقعي والعَالَم الافتراضي ، كَي يَرى الإنسانُ وَجْهَه في المِرْآة، بدون مِكياج ولا إضاءة خادعة ، ولا مُؤثِّرات خارجية . وقُوَّةُ الإنسان الحقيقية تَنبع مِن ذاته ، وتنبعث مِن أعماقه ، ولا تُسْتَمَدُّ مِن عناصر دخيلة ، أو إسناد خارجي .

     وكما أن الإنسان لا يَقْدِر على رؤية جسده إلا إذا خَلَعَ ثِيَابَه ، كذلك لا يَقْدِر على رؤية قُوَّته الحقيقية وإمكانياته الفِعلية ، إلا إذا خَلَعَ أقنعته ، وتخلَّصَ مِن عناصر الإسناد الخارجية ، واعتبرَ العَالَمَ الواقعي والعَالَمَ الافتراضي شيئًا واحدًا ، واعتبرَ الزمانَ والمكانَ شيئًا واحدًا ، لأنَّ العِبرة لَيست في عناصر البيئة المُحيطة بالإنسان ، وإنَّما في ذات الإنسان باعتباره كيانًا قائمًا بذاته ، يتمتَّع بالسُّلطة الاعتبارية ، وشرعيةُ حياته مُستمدة مِن حياته ، وغَير مُستمدة مِن العناصر الخارجية . والإنسانُ قد يَشعر بالفَرَح في العَالَم الافتراضي ، كما يَشعر به في العَالَم الواقعي، والنائم قد يَجِد لَذَّةً في مَنامه ، كما يَجِدها الشخص المُستيقظ في الواقع ، مِمَّا يدل على أن الشعور الإنساني هو الأساس ، وليس البيئة .

     وكثيرٌ مِن الناس يَشعرون بغُربة بين أهلهم وفي وطنهم ، مِمَّا يدل على أن الغُربة الحقيقية هي غُربة الرُّوح لا غُربة المكان . وكثيرٌ مِن الناس يَشعرون بأحلام الطفولة في مرحلة الشَّيخوخة ، وكَم مِن عَجُوز يَشعر بوجود طِفل صغير في أعماقه ، مِمَّا يدل على أن الزمان الحقيقي هو ما يُفْرِزه الشُّعور الإنساني ، وليس ما يُفْرِزه مُرور السنوات . وهذه الأمثلةُ تُشير بوضوح إلى أن الإنسان كيان قائم بذاته ، ومُستقل بوجوده وأحلامه عن العَالَم الواقعي والعَالَم الافتراضي والزمان والمكان ، وأنَّ هذه المفاهيم مُجرَّد عناصر تابعة للشُّعور الإنساني الداخلي ، الذي يُمثِّل التَّجسيد الحقيقي لمعنى الوجود الإنساني وشَرْعيته وماهيته .

     والمشكلةُ أن البَشَر المَحصورين ضِمن الأنظمة الاستهلاكية المُغْلَقَة ، يَبحثون عن السعادة في العناصر الخارجية ، ولا يُدْرِكُون أن السعادة كامنة في ذَوَاتهم وأعماقهم ، ولكنَّها تحتاج إلى عملية تَنقيب وغَوص في الأعماق ، كما يُنقِّب عُمَّال المناجم عن الذهب في التُّراب ، وكما يَغُوص الصَّياد في أعماق البحر للحُصول على اللؤلؤ .

     وبشكل عام ، ينبغي على الإنسان أن يكون كالشمس لا القمر ، لأن نُور الشمس ذاتي وأصلي ، أمَّا نُور القمر فهو مُستمد مِن نُور الشمس . وقُوَّةُ الإنسان تتجلَّى في القُدرة على الاستغناء لا الامتلاك ، وكُل شَيء تَمْلِكه فهو يَمْلِكُك بصورة أو بأُخرى . والغنيُّ هو المُستغني . والدَّوْلَةُ ( الكيان السياسي ) لا تَمِلك قرارها وسِيادتها إلا إذا كانت قائمة بنفْسها ، ومُكتفية ذاتيًّا ، وكذلك الإنسان . والخُضوع بقَدْر الحاجة ، ومَن احتاجَ إلى شيء ، كان فقيرًا إلَيه ، وخاضعًا لشروطه .

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط