كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قراءة-عجولة-في قصيدة الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي "ظلال الوداع"

قراءة-عجولة-في قصيدة الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي "ظلال الوداع"

تاريخ النشر: 2025-12-06 | 13:07

“أنا مؤسس أول جمهورية شعرية أكثر مواطنيها نساء..”(نزار قباني)

مقدمة : قصيدة "ظلال الوداع" للشاعر التونسي د- طاهر مشي تقدم تجربة وجدانية عميقة تعبر عن حالة فراق وألم وحنين،من خلال لغة شعرية مكثفة وصور فنية مؤثرة.تتداخل في القصيدة عناصر الرومانسية والوجدانية الصوفية بأبعاد إنسانية معاصرة.

يعتبر الشعر منذ نشأته وتطوره عبر التاريخ حالة فريدة تستفيد من اللغة العربية من خلال تحريك معانيها والاستفادة من مجالها الإبداعي والروحي والفني،وإذا كان الشعراء الكبار من أمثال امرئ القيس وأبي الطيب المتنبي والنابغة الذبياني،وشعراء معاصرين أمثال أبي القاسم الشابي وحافظ إبراهيم وأحمد شوقي ومحمد مهدي الجواهري وغيرهم عرفوا كيف تستخدم فنون اللغة في الشعر سواء من خلال محاكاة الإبداع الجمالي أو بناء الصور الفنية وتوظيفها في روح القصيدة،أو من خلال تفرّد اللغة وجمالها في بناء القصيدة وتحويرها،فإن أكبر ملهم للشعراء في إيصال القصيدة إلى مرحلة التصوير الفني والجمالي هو قدرة الشاعر ومهارته في استخدام اللغة وخياله الإبداعي وفنون التعبير عن حالته وسبكه للأبيات..

من هنا،لا أجانب الصواب،ولا أرمي الورود جزافا،إذا قلت أن الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي شاعر حجز لنفسه مقعدا للشعر في عالم الإبداع تونسيا وعربيا،إذ ينطق بموهبة شعرية عربية أصيلة،يخضب حرفه بشاعريته و فلسفة أشعاره لتمتزج المدارس الأدبية الشعرية في كتاباته المتماوجة بين الرمزية و الرومنسية، وليصير التشكيل السريالي في الرسم ( الفن التشكيلي ) ظاهرا في قصائده معلنا ميلاد شاعر متجه إلى البحث عن طريقة و أسلوب خاص لتبليغ رسالته الشعرية في عالم سريالي رائع مملوء بالتساؤلات والصور الشعرية المكثفة المتداخلة و التي إن دلت تدل على جمالية الإبداع و التحليق بالقارئ في صوفية الوجدان و عبقرية البوح العفوية التي يغرق فيها الشاعر د-طاهر مشي..

و لعلني أستشهد بقصيدة من روائع قصائده الشعرية :

ظلال الوداع

 أحبّكِ والقلبُ شاخَ الحنينُ

وفي الروحِ جرحٌ يبوحُ السكونُ

أتجول في الليل وأحسب خطواتي.

فيسبقني الشوقُ حيثُ تكونُ

أحنُّ إليكِ ووجدي جناحٌ

يُطيرُ بقلبي ويُغري الظنونُ

فإن جئتِ عادَ الربيعُ دفينًا

وإن غبتِ ماتتْ أغاني المجون

كتبتُ عنكِ الهوى والدموعا

وعن رحلتي حينَ ضاعَ الفتونُ

فإن عدتِ عادَ لنفسي أمانٌ

وإن لم تعودي تَهيمُ السُّنونُ

ويمتدُّ دربي إذا ما افترقنا

ويُثقلُ روحي مرايا الشجون

وأجمعُ أنفاسي خوفَ الفراقِ

فيا ليتَ قلبي تقيهِ الحصون

إذا ما تنادَيْتِ عادَ الرجاءُ

وعادَ لصدري نسيمٌ يمون

وإن طالَ صمتُكِ ماتتْ خطايا

وكان الرحيلُ سؤالاً يخونُ

فكوني معي نجمةً لا تغيبُ

فإني بغيرِكِ—ربيعٌ يهونُ

وأمسي غريبًا تجرّعُ روحي

همومًا إذا غبتِ لا تستكينُ

 ويخبو بقلبي ضياءُ الأماني

وتُطفِئُ روحي ركامُ هجين

وفيكِ ملاذُ الحياةِ الوضيءِ

وحُسنٌ إذا لاحَ حصن  مكين

 فإن كنتِ في القلبِ نبعُ الأملُ 

فأنتِ مع النجمِ أبهى سكون 

وإن صاغك النبض هذا القصيد

فإنكِ وحدكِ مرادُ الجنونُ

طاهر ماشي

إن القصيدة التي بين أيدينا من روائع الشعر (وهذا الرأي يخصني)،و لعل القراءة الإنطباعية التي كنت قد قدمتها سريعة،إلا أننا نلمس أسلوبا جديدا في إيصال الرسالة الإبداعية انتفضت فيه شخوص متعددة داخل الفضاء الشعري للقصيدة ( الشاعر-الوَجد-العشق-الغرام..مناجاة الحبيبة بأسوب شعري عذب..) ،فالخلق الفني متفاوت في جسد القصيدة تبعا لإهتزازت نفسية الشاعر بين الصوفية و الرومنسية و الرمزية  والصورة السريالة الراقية ..

و نحن لا نبحث عن التجربة الانفعالية،بل نبحث عن قوة التاثير التي كان الشاعر موفقا فيها بطريقته الإبداعية،لأن معيار التمكن الفني لا يكمن في ارتباط القصيدة بذاتية المبدع،بل يتحوله إلى معيار التمكن الموضوعي عندما تترك القصيدة أثرها و مدى تأثيرها في عقل و قلب المتلقي للرسالة الإبداعية..

هذه اللوحة الشعرية الرائعة("ظلال الوداع")   مكتوبة على وزن بحر الكامل (متفاعلن متفاعلن متفاعلن)،مما يعطي إيقاعاً منتظماً يتناسب مع موضوع الحزن والتفجع.

والسبب في ذلك أنَّ تفعيلته (متفاعلن) تظهر في أبيات القصيدة بنظام مطّرد،كما يظهر من وزن الأبيات وإيقاعها.

وتفتتح بعنوان دالّ "ظلال الوداع" الذي يضع القارئ في جوّ من الوداع الحزين والفراق المؤلم،حيث تشير كلمة "ظلال" إلى بقايا وأشباح العلاقة التي قد تكون انتهت.كما أنها  (القصيدة) تبدأ ببيت عاطفي مباشر:

"أحبّكِ والقلبُ شاخَ الحنينُ

وفي الروحِ جرحٌ يبوحُ السكونُ"

وهنا نلاحظ:

افتتاحية قوية بالاعتراف بالحب رغم مواجع القلب من طول الحنين..واستخدام لفظ "شاخ" مجازاً للحنين،مما يوحي بأنه قديم ومتعب،كذلك التناقض بين "جرحٌ يبوح" و"السكون" حيث الجرح يتحدث في صمت الروح،كما أن الجناس بين "شاخ" و"بوح" يعطي إيقاعاً داخلياً..

اعتمد الشاعر على نظام المقطوعة الشعرية ذات الشطرين المتساويين في الغالب:تفعيلة متقاربة تخلق إيقاعاً حزيناً يتناسب مع موضوع الفراق، تكرار القافية النونية ("الحنين"، "السكون"، "تكون"، "المجون"... إلخ) التي تعطي نغمة موحدة تزيد من تأثير الحزن والوجع.

خلاصة القول : قصيدة "ظلال الوداع" تمثل نموذجاً للشعر العاطفي العميق الذي يجمع بين صدق العاطفة وجمال الصورة وإتقان الشكل.تبدأ القصيدة بجرح في السكون وتنتهي بجنون في النبض،في رحلة شعرية تعبر عن تناقضات الحب بين الأمل واليأس،الحضور والغياب،االعقل والجنون..والشاعر (د-طاهر مشي) ينجح في تحويل المشاعر الشخصية إلى تجربة إنسانية عامة من خلال لغة مجازية مؤثرة وبناء فني متكامل.

أما الصور الفنية،فتتجلى بوضوح على غرار 

 الطيران والجناح: "ووجدي جناحٌ يُطيرُ بقلبي" ،

 الربيع والموت الموسمي: "عادَ الربيعُ دفينًا" مقابل "ماتتْ أغاني المجون"، القلع والحصون: "يا ليتَ قلبي تقيهِ الحصون"، النجوم والغياب: "كوني معي نجمةً لا تغيبُ"و الضوء والخبو: "ويخبو بقلبي ضياءُ الأماني..

هذا البناء الفني المتكامل جعل القصيدة ("ظلال الوداع" تتميز بوحدة موضوعية قوية،حيث تنسجم الصور والإيقاع والعاطفة لترسم لوحة وجدانية متكاملة.وقد استطاع الشاعر ببراعة واقتدار تحويل التجربة الشخصية إلى تجربة إنسانية شاملة،مستخدماً أدوات فنية تقليدية بطريقة معاصرة ومؤثرة،مما سيبقي القصيدة نموذجاً للشعر الوجداني الذي يجمع بين جزالة اللغة وعمق التجربة وصدق العاطفة.

وإذ أختم هذه القراءة العجولة،فإني لا أجد- هنا-أجمل من قول “كارل ساندبرج”: “الشعر يوميات يكتبها كائن بحري يعيش على البر حالماً بالطيران.”

وأرى شاعرنا د-طاهر مشي-قد جاوز ذلك أيضاً،فهو شاعر،وإنسان،وعاشق،ومبدع،يعيش بين ضلوع وحنايا القلب،يكتب بريشة الحب سفر الإنسانية الخالد لكتاب الشعرية الأبديّ الممتد بين سماوات الكون،وسهول الأرض الممتدة بالاخضرار والحب والشعر أيضاً.كما أرى غربته العاطفية العاصفة-تعاني وتعاين وتحلم،ولكنّها لا تهرب،بل تواجه بغير قليل من الصمود،وبغير قليل من المعاناة تماهيا مع وجدان تعتمل في داخله الأحاسيس وتحتدم المشاعر..ويندلق الحب في ثناياها المتعرّجة غزيرا بحجم المطر..

ولك مني يا شاعرنا السامق ( د-طاهر مشي) باقة من التحايا،مطرزة بأريج الشعر ومفعمة بعطر الإبداع..

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط