كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قراءة في الحرب النفسية الإسرائيلية عبر الإعلام العبري

قراءة في الحرب النفسية الإسرائيلية عبر الإعلام العبري

تاريخ النشر: 2026-08-15 | 11:49

لم تعد الحروب الحديثة تُحسم فقط في الميدان؛ فقد أصبحت المعركة على الوعي والإدراك موازية للمعركة على الأرض. وفي هذا السياق، تبرز الصحافة العبرية، في بعض تغطياتها و تحليلاتها، بوصفها طرفا في منظومة أوسع لإدارة الإدراك وصناعة التوقعات وتوجيه السلوك. ومن هنا يمكن القول إن الخبر لم يعد مجرد نقل للوقائع، بل أداة ضغط نفسي ورسالة سياسية قد تتحول إلى "طلقة من نوع آخر".

وتشير المعطيات التي تناولتها دراسة "حرب الادراك" التي نشرها مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير إلى أن المسألة لا تتعلق بصدق الخبر أو كذبه، بقدر ما تتعلق بالطريقة التي يُصاغ بها، وما يُراد للجمهور أن يراه أو يغفله ولعل من المناسب أن ننظر إلى هذه التغطيات بوصفها محاولة لصناعة بيئة إدراكية يشعر فيها الخصم بأن خياراته تضيق، وأن الزمن يعمل ضده، وأن الحرب أقرب إلى القدر منها إلى القرار السياسي.

ومن زاوية أخرى، لا تمارس هذه الوظيفة دائمًا عبر خطاب صاخب ومباشر؛ فقد تأتي في صورة تحليل عسكري رصين، أو تسريب استخباري، أو معلومات منسوبة إلى مسؤولين مجهولين، أو قراءة لحركة حاملة طائرات. وهنا لا بد من بيان أن خطورة الحرب الإعلامية الحديثة تكمن في أنها لا تقدم نفسها بوصفها دعاية، بل ترتدي ثوب التحليل والخبرة والمعلومة الاستخبارية.

ولتوضيح ذلك، يمكن العودة إلى مقالات تناولت التحركات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية تجاه إيران ففي أحد التحليلات، جرى توجيه الانتباه من إخفاقات الردع السابقة إلى ما سُمّي "دبلوماسية البوارج"، بحيث أصبحت حركة حاملات الطائرات مفتاحا لتفسير النوايا السياسية. وبناء على ذلك، ينتقل القارئ من سؤال "ماذا حدث ولماذا فشل؟" إلى سؤال "متى ستبدأ الحرب؟"، و كأن المسار العسكري أصبح مرسوما سلفا.

وهذا ما يقود إلى واحدة من أهم قواعد الحرب النفسية: التحكم في الانتباه. فمن يملك تحديد الموضوع الذي يفكر فيه الجمهور يستطيع، إلى حد بعيد، التأثير في النتيجة التي يصل إليها. وفي المقابل، حين ينشغل الجمهور بحركة الأساطيل وحجم القنابل و المهل الزمنية، قد لا يلتفت بالقدر نفسه إلى كلفة الحرب أو احتمالات فشلها أو التناقضات السياسية المحيطة بها.

ومن هذا المنطلق، تتكشف قاعدة أخرى هي التوقيت بوصفه أداة ضغط على القرار. فقد ركزت المقالات على رمضان وعيد النوروز والمواعيد السياسية و المهل الزمنية باعتبارها نقاطا يتحول فيها الضغط النفسي إلى عامل مؤثر في حسابات الخصم. وفي ظل تلك الظروف، لا تكون الرسالة أن الحرب ممكنة فحسب، بل أن الوقت ينفد، وأن الطرف المقابل إذا لم يقرر الآن فقد يستيقظ على واقع جديد. وهذا ما تسميه الدراسة وضع صانع القرار تحت "الزمن القاتل".

وعلى النقيض من ذلك، لا تكتفي الحرب النفسية بتخويف الخصم، فهي تعمل في الاتجاه المعاكس لطمأنة الجمهور الداخلي وإزالة الخوف من النتائج. وفي هذا السياق، ظهرت مقالات قلّلت من حجم التهديد الإيراني في مقابل تضخيم القدرات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية. فبينما يحتاج الجمهور الإسرائيلي إلى رسالة تقول إن الصواريخ ليست سببًا للذعر وإن التفوق التكنولوجي سيحسم المعركة، يُرسل إلى الخصم ما يوحي بأن القوة المقابلة هائلة وأن كلفة المواجهة ستكون باهظة.

ونتيجة لتلك العوامل، تتشكل لعبة مزدوجة تقوم على تضخيم التهديد خارجيا و تقليله داخليا. وهذا التناقض ليس خللًا بالضرورة؛ فقد يكون جوهر العملية النفسية ذاتها.

ولعل من المناسب أن ننتقل إلى ما يمكن تسميته "التماسك السردي المفرط". فحين تُجمع التحركات العسكرية والتصريحات السياسية و التسريبات الاستخبارية والتوترات الداخلية في رواية واحدة شديدة الانسجام، يشعر القارئ بأن كل شيء يتحرك وفق سيناريو محدد. ومن الرؤى الشائعة كذلك أن الحشد العسكري والمفاوضات المتعثرة والضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الداخلية كلها مؤشرات تفضي إلى نتيجة حتمية واحدة: الحرب تقترب.

وهنا لا بد من بيان أن السياسة والحرب لا تسيران بهذه الميكانيكية فهناك دائمًا عنصر المفاجأة والخطأ وسوء التقدير وتضارب المصالح واحتمالات الفشل. ولذلك فإن حذف هذه الاحتمالات من الرواية لا يجعلها أكثر صدقًا بل أكثر قدرة على التأثير النفسي. وفي ضوء المعطيات السابقة، يمكن فهم الإغلاق المعرفي الذي تكرر في هذه المواد؛ فعندما تنتهي المقالة بخلاصة حاسمة توحي بأن الخيار العسكري هو الخيار المنطقي أو أن الاستعداد للحرب بات أمرًا واقعًا فإنها تغلق الباب أمام أسئلة بديلة: ماذا لو فشل الهجوم؟ ماذا لو كان الحشد مجرد ورقة تفاوضية؟ ماذا لو جاءت استجابة الخصم غير متوقعة؟ وماذا ستكون كلفة الحرب على الداخل الإسرائيلي؟

ومن زاوية أخرى، يمنح استخدام المصادر المجهولة مثل "مسؤول عسكري رفيع" أو "تقديرات أمنية" الرواية سلطة لا يستطيع القارئ اختبارها. وهكذا يتحول المجهول إلى مصدر يقين وتصبح المعلومة غير القابلة للتحقق أكثر تأثيرًا من المعلومة التي يمكن مساءلتها. وهذا ليس تفصيلًا صحفيًا عابرًا، بل أداة من أدوات بناء السلطة المعرفية للحرب النفسية.

وإذا جمعنا هذه العناصر، فإننا أمام نموذج واضح لما يمكن تسميته إدارة الإدراك قبل إدارة المعركة فالتحركات العسكرية لا تعمل وحدها، والتصريحات السياسية لا تعمل وحدها، والإعلام لا يعمل وحده. وفي هذا السياق، يجري تقديمها للجمهور في صورة مشهد واحد: بارجة تتحرك، ومسؤول يصرح، ومصدر أمني يسرب وصحيفة تحلل، ثم تتشكل لدى المتلقي قناعة بأن كل شيء منسق وأن القرار العسكري أصبح قريبًا. وقد وصفت الدراسة هذا التزامن بين العسكري والسياسي والإعلامي بأنه أشبه بإخراج متقن لرسالة ردع موحدة.

وهنا لا بد من بيان أن ذلك لا يعني أن كل ما تنشره الصحافة العبرية تضليل. فالدراسة نفسها تؤكد أن مؤشرات كشف التضليل ليست أدلة قاطعة، و إنما أدوات لبناء الفرضيات وتوجيه التحليل. وبناء على ذلك، فإن المطلوب ليس رفض الإعلام العبري بالجملة، بل قراءة بنيته ووظيفته وسياقه ومصادره وتوقيته والتمييز بين الخبر بوصفه معلومة والخبر بوصفه عملية تأثير.

لقد تغيرت طبيعة الحرب. فبعد أن كان الهدف العسكري تدمير قدرة الخصم على القتال، أصبح الهدف النفسي دفعه إلى تدمير خياراته بنفسه. يكفي أن يقتنع الخصم بأن الهجوم حتمي حتى يعيد ترتيب حساباته قبل وقوعه، وأن يعتقد أن ميزان القوى مختل بصورة ساحقة حتى يدخل المفاوضات من موقع أضعف، وأن يشعر بأن الزمن ينفد حتى يقدم تنازلات لم يكن ليقدمها في ظروف أخرى. ومن هنا يمكن القول إن فلسفة الحرب النفسية في أبسط صورها لا تقتضي إطلاق النار دائمًا؛ بل يكفي أحيانًا أن تجعل خصمك يتصرف كما لو أن النار قد بدأت.

وفي ضوء المعطيات السابقة تتبين المساحة التي ينبغي أن تحظى باهتمام أكبر في قراءة الإعلام العبري. فالمعركة ليست فقط فيما تقوله الصحيفة، بل فيما تريد أن يفكر فيه القارئ بعد أن ينتهي من قراءتها. إنها معركة على ترتيب الأولويات، وعلى تعريف الممكن و المستحيل وعلى صناعة الخوف والأمل، وعلى تحويل الاحتمال إلى حتمية والحشد إلى قدر.

وأخيرًا، فإن مواجهة هذا النوع من الحرب لا تكون بالصراخ المضاد ولا بإعادة إنتاج الدعاية في الاتجاه المعاكس، بل ببناء وعي نقدي مقاوم يقرأ الخبر في سياقه، ويفحص مصدره، ويتساءل عن توقيته، ويفكك لغته، ويميز بين المعلومة والتسريب، وبين التحليل والتوجيه، وبين الردع الحقيقي والاستعراض النفسي فحين تنجح الدعاية في احتلال العقل قبل أن تحتل الأرض تكون قد قطعت نصف الطريق نحو تحقيق أهدافها.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط