كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قراءة في المؤشرات السكانية الفلسطينية المتوقعة

قراءة في المؤشرات السكانية الفلسطينية المتوقعة

تاريخ النشر: 2022-01-31 | 08:54

د. محسن محمد صالح
د. محسن محمد صالح

يأتي ضمن التوقعات الفلسطينية لسنة 2022 المؤشرات السكانية اللافتة التي تحدث عنها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بأن عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية سيتساوى مع أعداد اليهود في فلسطين التاريخية مع نهاية هذه السنة؛ إذ سيبلغ عدد كل منهم سبعة ملايين ومئة ألف نسمة. وأن عدد الفلسطينيين سيبدأ بعد ذلك بتجاوز عدد اليهود، ليزيد عنهم بنحو 300 ألف بعد أربع سنوات (نهاية 2026).

وهذه التوقعات في إطارها الإيجابي تؤكد على أن الشعب الفلسطيني بالرغم مما عاناه ويعانيه من قهر وتشريد واحتلال، ما زال صامداً على أرضه. وأن المشروع الصهيوني بعد نحو 125 عاماً على نشأة المنظمة الصهيونية العالمية، ونحو 74 عاماً على إنشاء الكيان الصهيوني يجد نفسه أمام حقيقة أن عدد الشعب الفلسطيني في الداخل يتجاوز عدد المستوطنين اليهود الذين قام بتجميعهم من أكثر من مئة بلد حول العالم على مدار تلك السنين والأعوام. وهذا بلا شك حقيقة مقلقة للكيان الصهيوني.

في المقابل، فإن الحديث عن “القنبلة الديموجرافية” الفلسطينية لا ينبغي أن يصيب الفلسطينيين بنشوة الانتصار أو الاسترخاء. إذ إن الصمود الفلسطيني على الأرض والزيادة السكانية ظاهرة مهمة، ولكنها غير كافية، وهي واحدة من مجموعة عناصر أساسية في مشروع الصمود والتحرير. وهي لوحدها ليست عنصراً حاسماً، إذ إن التجارب الاستعمارية عبر التاريخ أظهرت قدرة الاستعمار في أحيان عديدة على التعامل مع هكذا ظواهر وتجاوزها، وتظل “صناعة” الإنسان أهم بكثير من مجرد زيادة “المواليد”.

ومن ناحية ثانية، فإن الصهاينة الذين يدركون خطورة هذه الظاهرة يعملون منذ عشرات السنوات على تجاوزها؛ فكان انسحابهم من قطاع غزة سنة 2005، حيث يتواجد مليونان و140 ألف فلسطيني مع بداية 2022 (نحو 30.7% من فلسطينيي الداخل)؛ وكانت خطتهم في الضفة الغربية في “الضم الزاحف” و”الانفصال الزاحف” لضم أكبر مساحة من الأرض وأقل عدد من السكان، وإبقاء الفلسطينيين في معازل “كانتونات” في شكل حكم ذاتي ممسوخ قد يحمل شكلياً اسم دولة؛ وهو ما يحدث فعلياً على الأرض، بعد الانهيار العملي لمسار التسوية وحلّ الدولتين.

من جهة ثالثة، فإن الاحتلال الصهيوني أوجد بيئة حياة طاردة للفلسطينيين، سواء بسبب الحصار الخانق في قطاع غزة، أو ممارسات التهويد والاستيطان والاستغلال الاقتصادي ومطاردة الأحرار في الضفة. حيث تشير بعض الاحصائيات إلى مغادرة نحو 415 ألف فلسطيني للضفة والقطاع خلال الفترة 1967–2003، هذا بالإضافة إلى عشرات الآلاف من كل من الضفة والقطاع في السنوات الماضية، حيث لا تتوافر إحصاءات دقيقة بذلك.

وعلى سبيل المثال، أشار تقرير لدائرة شؤون المغتربين في منظمة التحرير الفلسطينية، أعدها تيسير خالد، أن عن نحو 50 ألف فلسطيني في الضفة والقطاع تقدموا بطلبات هجرة سنة 2006  إلى القنصليات الأجنبية خصوصاً الأمريكية والكندية والاسترالية والاسكندنافية، وأنه تم قبول 10 آلاف طلب. وهذه حالة من النزيف المستمر وربما المتزايد الذي يحتاج إلى متابعة، على الأقل لمعرفة حجم الظاهرة بدقة، والعدد الحقيقي للفلسطينيين تحت الاحتلال، وكيفية دعم صمودهم.

من جهة رابعة، فيجب ملاحظة أن خصوبة المرأة الفلسطينية في حالة تراجع في الداخل الفلسطيني، بالرغم من أنها تظل في الأمد القريب والوسيط أعلى من مثيلتها اليهودية. إذ بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فإن معدل خصوبة المرأة الفلسطينية في الضفة والقطاع انخفضت من 6 مواليد سنة 1997 إلى 3.8 مواليد سنة 2020، حيث انخفضت في الضفة الغربية من 5.6 إلى 3.8، وفي القطاع من 6.9 إلى 3.9 للفترة نفسها (1997–2020). كما انخفض معدل الزيادة السكانية الفلسطينية في الضفة والقطاع من 3.8% سنة 1997 إلى 2.4% سنة 2021، حيث انخفض المعدل في الضفة من 3.6% إلى 2.2%، وفي القطاع من 4.1% إلى 2.8% للفترة نفسها (1997–2021). وهي ظاهرة يجب أن تقلق الفلسطينيين أيضاً.

وحتى في فلسطين المحتلة 1948، فإن معدل خصوبة المرأة الفلسطينية تراجعت إلى نحو ثلاثة مواليد في سنة 2018 لتتساوى تقريباً مع خصوبة المرأة اليهودية. مع ملاحظة أن اليهود الحريديم (المتدينين المتشددين) تصل خصوبة المرأة لديهم إلى سبعة مواليد. كما انخفضت نسبة الزيادة السكانية لفلسطينيي 1948 من 3.4% سنة 1998 إلى 2% سنة 2021.

من ناحية خامسة، فإن ملفات التهجير و”الترانسفير” ما تزال موجودة على طاولة صانع القرار الإسرائيلي، الذي يزداد مجتمعه الصهيوني تطرفاً دينياً وقومياً.

وبالرغم من أن معدلات الزيادة السكانية وسط اليهود في فلسطين المحتلة كان بحدود 1.57% سنة 2021، أي أقل من معدلات الزيادة الفلسطينية، فإن تجاوز أعداد الفلسطينيين لأعداد اليهود في فلسطين التاريخية يجب أن يوضع في إطاره الموضوعي، وفي إطار العديد من التحديات والمخاطر التي تواجه الشعب الفلسطيني في الداخل.

***

المؤشر السكاني الفلسطيني الثاني الذي يجدر التوقف عنده هو أن تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني التي قدَّرت عدد الفلسطينيين في العالم بنحو 14 مليوناً في نهاية 2021 (مطلع 2022)، تشير إلى أن فلسطينيي الخارج يصل عددهم إلى نحو سبعة ملايين و37 ألفاً، أي أكثر من نصف عدد الشعب الفلسطيني بقليل (50.2%). ونبه إلى أن عدد فلسطينيي الدول العربية بلغ نحو ستة ملايين و287 ألفاً؛ بينما قدّر فلسطينيي باقي بلدان العالم بنحو 738 ألفاً.

ويلاحظ أن الفلسطينيين المقيمين في بلدان الطوق (على حدود فلسطين) يزيدون عن 75% من فلسطينيي الخارج، مما يدل على أنهم ما زالوا قريبين وملتصقين بأرضهم وأن عودتهم عملية وممكنة. وهو الارتباط نفسه الذي يشمل باقي فلسطينيي العالم الذين تنشط في أوساطهم مؤسسات العودة وفعاليات الجاليات الفلسطينية، وإن كانوا يتعرضون بشكل أكبر لمخاطر “الذوبان” في البيئات الغربية.

وتشير بعض التقديرات إلى وجود نحو أربعة ملايين و390 ألف فلسطيني في الأردن يحمل معظمهم الجنسية الأردنية؛ لكنهم يرفضون “التوطين” و”الوطن البديل”.

من ناحية ثانية، فإن فلسطينيي سورية ولبنان يتعرضون لحالة “نزيف” سكاني كبيرة. فبالرغم من أن اللاجئين الفلسطينيين في سورية كانوا من أكثر التجمعات الفلسطينية استقراراً إلا أن الأحداث التي اندلعت منذ 2011 أثّرت بشكل هائل عليهم، فمن أصل نحو 656 ألفاً بحسب تقديرات في نهاية 2020، اضطر لمغادرة سورية نحو 200 ألف؛ هاجر أكثر من 120 ألفاً لأوروبا، ونحو 25 ألفاً غادروا إلى لبنان، ونحو عشرة آلاف إلى تركيا. في الوقت نفسه عانى نحو 40% ممن تبقوا في سورية من النزوح الداخلي (أكثر من 180 ألفاً) بعد أن تعرضت مخيماتهم للدمار خصوصاً مخيمات اليرموك ودرعا وحندرات وخان الشيخ. وهم يعيشون حالة مأساوية من البطالة والفقر واللا استقرار، مما يتهدد هذا المجتمع بمزيد من النزيف.

وفي لبنان، تشير أرقام الأونروا إلى وجود نحو 543 ألف لاجئ في سجلاتها في نهاية 2020، إلا أن الإحصاء السكاني للاجئين الفلسطينيين في لبنان في سنة 2017 أعطى أرقاماً بحدود 174 ألفاً فقط. ولو افترضنا وجود نسبة خطأ غير بسيطة في هذه الإحصاءات؛ فإن التقديرات التي يكاد يتوافق عليها معظم الباحثين تتراوح بين 200 و250 ألفاً، مع وجود نسبة عالية من المتبقين ترغب بالمغادرة والهجرة إن أتيح لها ذلك. وهو ما يعني أن اللجوء الفلسطيني في لبنان عانى ويعاني نزيفاً كبيراً، وهو نزيف تزايد في السنوات الأخيرة مع استمرار إغلاق أبواب العمل في وجوه الفلسطينيين، ومع الأزمات السياسية والاقتصادية التي يعاني منها لبنان.

لقد تلقى الوجود الفلسطيني في البلاد العربية ضربات قاسية خصوصاً في الثلاثين سنة الماضية، كما حدث مع فلسطينيي الكويت وليبيا والعراق، بينما ما يزال “النزيف” مستمراً في سورية ولبنان؛ وهو ما يجب أن يؤخذ بجدية لدى صانع القرار الفلسطيني، ولدى كلّ من يعنيه مستقبل القضية الفلسطينية.

***

المؤشر الثالث والأخير متعلق بتقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لأعداد الفلسطينيين في البلدان غير العربية (أوروبا والأمريكيتين وأستراليا وغيرها) التي تقدرهم بنحو 738 ألفاً. وهو كما يبدو تقديرات قديمة غير محدثة، ولعلها تفتقر للدقة. إذ بالإضافة إلى الفلسطينيين الذين غادروا البلاد العربية في العقود الثلاثة الماضية (من دول الطوق وبلدان الخليج وليبيا)، ومن فلسطين نفسها إلى دول العالم، فإن التقديرات السابقة حول الفلسطينيين في العالم فيها العديد من التباينات، وتحتاج إلى المزيد من التدقيق والمقارنة والمراجعة.

فمثلاً تميل بعض التقديرات إلى أن عدد فلسطينيي أمريكا الجنوبية هو أكثر من 600 ألف منهم 300 ألف على الأقل في تشيلي؛ بينما لا يقل عدد فلسطينيي أوروبا عن 350-400 ألف، وفلسطينيي أمريكا الشمالية عن 300-350 ألف، ولا يقلون في باقي بلدان العالم عن 100 ألف.

ووفق هذه التقديرات يزيد عدد فلسطينيي باقي دول العالم بنحو مليون عن تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. ولعل أمام الباحثين والمتخصصين مهمة شاقة، ولكن ضرورية، للوصول إلى تقديرات أكثر دقة للفلسطينيين في العالم.

المصدر: موقع "عربي 21"، 28/1/2022

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط