كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قراءة في رواية الشاعر الراحل سليم النفار" هذا ما أعنيه"

قراءة في رواية الشاعر الراحل سليم النفار" هذا ما أعنيه"

تاريخ النشر: 2023-12-25 | 17:29

أكتب هذه القراءة لرواية الشاعر الاديب سليم النفار الأولى " هذا ما أعنيه " ، إحياءً لذكراه ، وقد بات شهيدا مثل والده ، بل ووالد الشهيد والشهيدات زوجته والبنات الثلاث .
عندما يكتب الشاعر رواية تشعر أن اللغة تنزاح إلى جانبه وتنحاز له ، وهذا حال الشاعر المبدع سليم النفار في روايته الأولى بعد رحلة العودة ، عودة " عوليس " الفلسطيني ، فهو يركب اللغة ، متمكناً من انزياحها ، متأكداً من انحيازها له ، مثلما ركب البحر عائداً للوطن ، فقد استفزني للكتابة عن روايته من أول قراءة لها ، والتي نشرت بداية تحت عنوان " صناعة الحياة " في فصلية " أقواس " الأدبية ، ثم بعنوان " هذا ما أعنيه " في كتاب صادر عن المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي ، عام 2004 ، من سلسلة ثقافة وإبداع ، وهي التي ربما كانت تحتمل عنوانا ثالثا بوسم " عودة عوليس الفلسطيني ".
هذه قراءة شخصية ، ربما غير نقدية ، لقارئ متذوق ومحب للأدب ، صديق للكاتب ، ورفيق نضال لوالده الشهيد فترة قصيرة من أيام الزمن الجميل، استفزته موضوعة الرواية "العودة" ولغتها الجميلة ، التي تنقلك إلى عوالم الغوص في بحور اللغة.
يبدأ الكاتب رواية العودة بلعنة الخروج ، "جدّي سليم ولعنة الخروج الأول .. حكمة جدتي وحبها ليافا " .. البحر الذي ابتلع أباه في طرابلس الشرق ، وحمله إلى طرابلس الغرب ، ورسا به على شواطئ غزة من جديد ، رحلة الشقاء والشتات ، رحلة الشوق والاشتياق ، رحلة العودة والوطن.
ولا أدري لماذا اختار الكاتب ذلك العنوان لروايته ، وإن كنت أعتقد أنها تحتمل عناوين أخرى قد تكون أقرب للمعنى والمضمون الذي حملته الرواية .
سيرة ذاتية بلغة شعرية راقية ، رواية بلغة الشعر ، أو شعر يحمل تفاصيله إلى سطح الرواية ، بلون السوسن ، ورائحة البحر ، وطعم البرتقال .
الأزرق لون البحر .. لون الفضاء .. وربما لون عيون زهرة " السوسن(1) " التي عشقها سليم وظل وفياً لها ولمن خَلَفها في قلبه وفي بيته بعد ذلك ،، أحب اللون الأزرق رغم خوفه الدائم من زي الشرطي الذي يلاحق خطوات الفلسطيني في كل المرافئ والموانئ والمطارات .
" البحر عباءتي منذ البدايات الكالحة ، يدثرني بموجة الهارب من جحيم الرمل .. رذاذة عريشتي ، حينما تفقد السماء قدرتها " هكذا يبدأ سليم الجزء السابع من روايته " حينما يرى البحر عريشته وعباءته ، يحتمي به من قدر السماء الذي جعل من البحر كفنا لوالده الشهيد القائد البحري الذي أعطى للموت معنى الحياة ، وسليم يخطو على خطاه فيرفض بشدة أن يكون للبحر معنى الموت رغم أنه حمل له هذا المعني يوم كان طفلاً في العاشرة على شواطئ " برج اسلام(2) " في الأطراف المترامية لبحر اللاذقية في يوم شديد الزرقة استحال إلى الأسود من شدة زرقته .. فالبحر في الرواية يعني الحياة ، ورذاذ موجه ينعش الذاكرة المثقوبة مثل سلك هاتف صديقه " قاسم " الذي أراه أنا " جامعاً " وليس قاسماً من خلال بشراه لسليم بالعودة ليجتمع الشمل في ارض غزة مرة أخرى بعد رحلة العذاب والتشتت .. رحلة الموت والحياة ثم الاستشهاد.. رحلة البر والبحر التي لا يحددها الزمن ،"البحر لغتي التي لا تستطيع التواصل ، من دون جمل اعتراضيه " هكذا يجد الكاتب البحر مفتوحا على فضاء لا حدود له يمتد من طليطلة (*) وغرناطة (**) في الأندلس إلى عروس البحر "يافا" منبع الأجداد إلى اللاذقية مرفأ الحب والصبا ، إلى طرابلس الغرب الممر البحري إلى صحراء " السارة " (3)، والتي لم تكن سارة أبداً ، التي يسميها صديقه ماهر ( صاحب الناي الحزين )" مقلاة الله "،إلى غزة الميلاد والميعاد.
في الجزء العاشر أيضا لم يغب البحر عن بال الكاتب حتى وهو في صحراء الرمل المحمص في " مقلاة الله " ، عندما يتحدث عن زميل آخر في تلك " السارّة" ،، أبو حديد اسم على مسمى " كان في "خلدة" (4) ، يفتق قلب الحديد ، على عفاريت الموت ، كان يمشي بابتسامته العريضة ، كبحر يافا ، ذاك الذي لا يعرفه ، عزاؤه أنه كان يعرف كيف تنام موجته " .
وحين يغيب البحر عن خاطر الكاتب في بحر رمال " السارّة فإن شكل الماء لا يغيب " الماء العذب لم يستطع إرواء نهمنا " .. " راح يرقص تحت الصنبور " .. كان هناك رذاذ الماء والبخار والثلج ، كلها مشتقات من البحر الذي يسع كل هذا الماء على مدّ البصر من يافا إلى غزة مروراً باللاذقية وطرابلس بشقيها الشرقي والغربي .
الكاتب لم ينس الفردوس الضائع الذي أضاعه ملوك الطوائف مثلما أضاع ملوك العرب عروس البلدان وزهرة المدائن ، فطليطلة تحمله إلى فلسطين دائماً في رواية الحياة :"في كل مئذنة حاوٍ ومغتصبُ .. يدعو لأندلس إن حوصرت حلبُ "
الأم .. الأرض .. الوطن ، هي مترادفات للحب والعطاء ، كانت حاضرة دائماً عند الكاتب في رواية الحياة والشهادة، وإن لخصَها جميعا في معنى الأمومة ، نظراً لالتصاقه بوالدته التي أصبحت له يوم غاب الوالد ، تعني الأم والأب والأرض والوطن ، التصق بها تحميه من كل " عفاريت الأرض " وأعداء الإنسان " بيديها الناعمتين راحت تفرك زنار خوفي وحيرتي " .. " هي كذلك ، دائما تكشط خوفنا وحزننا " .
ارتباط معنى الأم بالأرض كان حاضراً بشدة " إنها ترى خيالات طفولتها في يافا ، على بطن موجة ، في مخيم الشاطئ " الرحلة طولت ، بس قلبي حاسس إنه غزة قريبة منا " .
ارتباط الكاتب " الوثيق " بأمه هو ارتباط بتربته التي أنتجت هذا الشبل من ذاك الأسد .. " اليوم موعدنا مع الأم الحنون " ، كان ينتظر رسائلها حتى يبللها بدموع تمطر في صحراء " السارة " التي لا تعرف المطر ، كانت رسالتها صورة تلفزيونية يراها الكاتب بألوان قوس قزح :
" أنا شايف صورتك على موجي
بتروح مثل الهوا .. وتيجي
محملة أحلام ، وأنغام جروحي
أنا .. ما ضيعت موجك يا روحي
وتحن لموجتك موجتي " .
بشرى العودة لم تأت من " مخيم سبينة(5) " فقط ، بل هو حدس الأم الذي حدّث سليم في المنام " فهي تمتلك حدسا خاصا ، يتكئ على فلسفة قلبها " . " كان صوتها المحمول على هسيس الليل ، يفتق الحكايات ، المحشوة بالآلام والآمال". الخامس من أيار (6) يشبه إلى حد كبير الخامس عشر من أيار(7) فكلا التاريخين يمثل فاجعة كبيرة للكاتب فالخروج من الحياة ، كالخروج من الوطن لكن الثامن من حزيران (8) ليس كالخامس من حزيران (9)!! قطعاً .
الأحلام التي تحولت إلى حقائق حاضرة بقوة في النص ، فهذا حلم الأم " أنا حلمت بالليل ، أبوك جاي بثوب أبيض .. ضحك لي ، وراح مبسوط .. يما الميت بحس بلّي بصير .. فكيف أبوك الشهيد ".
وهنا يعود سليم لإبراز الارتباط بالأم .. الوطن .. حينما يبلغ والدته بخبر العودة الذي نقله له صديقه قاسم ، والتي لم تستطع إخفاء دموعها الذي رأى فيه سليم " حنينا يكاد ينطق : قم يا مصطفى ، قم .. إننا سنقرقع فوق الجسر ، ولكن إلى غزة .. وليس من غزة " .
هكذا يطل الشهداء من جديد ، من بين سطور الرواية ، من خلال وجود الشهيد الوالد في الأحلام تارة مبشراً بالعودة ، وفي " الاستنساخ " تارة أخرى من خلال مصطفى الجديد "ابن الكاتب" عندما أقلعت طليطلة ، كان مصطفى الصغير ، لم ينجز شهوره الأربعة .. مصطفى يطل من كوة ، تلك الليلة ، يندهني باسمي .. أسمعه ولا يسمعني ". " ولكن ربما رأيت مصطفى الكبير بمجدافه ، كان يحاول كسر الأمواج الليلية ، تلك التي تحاصرني " كأنها نبوءة لاستشهاد مصطفى مرة أخري ، ليكون الشهيد الحفيد.
حدس الأم وأحلامها تنقل إلى سليم البشرى حين تقول " طولت رحلتنا ، يما طولت ، بس قلبي اليوم حاسس ، غزة قريبة منا .. وسيدك شفته بالليل عابس .. يمكن يما!! الله يجازي أولاد الحرام".هكذا تحولت الخيالات والأحلام إلى حقائق منتصبة بين السطور ، وبات الحدس رؤيا واقعية بشرت بالحدث الكبير " العودة إلى الوطن " .
من غرناطة إلى طليطلة إلى بورسعيد .. لماذا بورسعيد وليس الإسكندرية ؟ بورسعيد تشبهنا ، في يوم ما كانت تشبهنا . من بورسعيد إلى غزة ، لا شك أن الرحلة أقصر وأجمل ، وأكثر قرباً من القلب والذاكرة ، رغم ما يصفه الكاتب في بطء تلك الرحلة " الحافلات التي تحملنا ، من بورسعيد إلى سيناء أشبه ما تكون بسلحفاة " غير أن الذاكرة كانت بسرعة البرق .. آه كم شهدت هذه الأرض من حروب ودماء ،، نمر الآن فوق قناة السويس .. " السمسمية " تطرب الآذان وتبعث الأشجان ، تمر صور العبور سريعة .. لماذا تمر هذه الصور باهتة وربما سائحة .. سليم يرد إنه لا يدري!!
لا يهم معنى العبور في ذاكرة سليم الطفل ، فيومها كان في العاشرة ، ولكنه اليوم يشهد عبوراً آخر ، يرسم كل ملامحه ، يوثق كل دقائقه ، يتحسس أطرافه ليفيق من الحلم ، يكتب سفر العودة من جديد ، حدث يصنع الحياة ، في انتظار الغيب والغول ، الذي حمل استشهاده مع كل عائلته ، لم يكن يسمع غناء وأهازيج الرفاق ، أبو رجب .. حمزة .. ماهر ، فرفح تلوح من بعيد .. هل هي بوابة لغزة أم بوابة للوطن ؟! رفح مفتوحة على كل شيء ، وفي نفس الوقت مغلقة .. الهواء الذي يلعب في فضائها كان يحكي .. المكان هنا يختلف عن كل الأمكنة .. والزمان كذلك !!
هكذا عاد سليم راوياً رحلة العودة .. " صناعة الحياة " في لوحة فنية ، مليئة بالمشاهد المؤثرة والصور السينمائية المجسمة ، التي لا يتسع المكان هنا لنقلها للقارئ والمشاهد : "إنني هنا .. قد جئت إلى أبد أبيد .. وأعرف أنني : لن أسلخ جلد سعادتي".
وأنا هنا أستمع له ينشد لغزة الأشعار :
رمل ألعابي ، وظل أبٍ هنا
ما زال يطلع لو مضى
فهنا على نعش المكان نما
كأعشاب الطريق(***)
الهوامش :
(1) سوسن : الحب الأول للكاتب في مدينة اللاذقية .
(2) برج إسلام : قرية سورية على ساحل اللاذقية ، ىكانت تقع بها القاعدة البحرية لحركة " فتح " .
(3)السارّة: معسكر القوات الفلسطينية في الصحراء الليبية .
(4) سبينة :مخيم فلسطيني بضواحي دمشق يقطنه قاسم .
(5) خلدة : بلدة لبنانية على طريق بيروت – صيدا شهدت مقتل قائد الجيش الإسرائيلي عام1982 .
(6) 6 من أيار 1973 : يوم استشهاد والد الكاتب
(7) 15 أيار 1948: يوم النكبة الفلسطينية .
(8)8 حزيران : يوم خروج الكاتب من ليبيا في رحلة العودة .
(9)5 حزيران : يوم النكسة عام 1967 .
(*)غرناطة : السفينة التي حملت الكاتب من اللاذقية الى طرابلس .
(**) طليطلة : السفينة التي حملته من طرابلس إلى بورسعيد
(***) مقطع من قصيدة غزة التي كتبها الشاعر بعد عودته إلى غزة. ديوان " بياض الأسئلة" ص 51.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط