كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قراءة في رواية "جسر عبدون" للكاتب قاسم توفيق

قراءة في رواية "جسر عبدون" للكاتب قاسم توفيق

تاريخ النشر: 2022-03-28 | 12:09

يطلّ علينا الروائي الأردني قاسم توفيق في روايته "جسر عبدون" الصادرة عن دار الآن ناشرون وموزعون للعام (2021)، وتقع في ثلاث مئة واثنين وخمسين صفحة من الحجم المتوسط، وهي تقدّم للقارئ عوالم متعددة، وتكشف له حقيقة الواقع من حوله،  تعلُّق الإنسان بالحياة وصراعه مع ما يحيط به من خير وشر، صلاح وفساد. 

سبق لي أن قرأت للكاتب رواية "نشيد الرجل الطيب"، التي خرجت عن المألوف والمعروف في الشكل الكلاسيكي للرواية العربية، وخاضت جوانب عديدة في الحياة، من حيث الرؤية، الطرح والموضوع.

أما رواية "جسر عبدون" التي حضرت بلغة سردية سلسة شيّقة، متشابكة بمضمونها وتفاصيلها، فقد انسجمت مع الوصف والحوار بتدفق بالغ، تعددت فيها الأصوات ومستويات التعبير اللغويّ، ولامست الواقع بانفتاح وتنوع.

العنوان "جسر عبدون"، هو العتبة الأساسية التي ترهص بالمضمون وتحفّز القارئ لاستشراف عوالمه الدلالية، فمن المكان، كانت نقطة انطلاق الروائيّ والرواية، ليكون أرضية الفعل في تطور الحدث وبنائه، والعنصر الأهمّ الذي ربط أقسام العمل ببعضها البعض فتفاعل معها شخوص الرواية، لتكون المكون الإضافيّ الذي اجتمعت فيه النقائض، وتداخلت فيه الأصوات والمصائر.

حمّل الكاتب المكان دلالات متنوعة وعلاقات مختلفة، متخذا منه إطارا إبداعيا، جاعلا منه نقطة النفاذ إلى أعماق الشخصيات واستبطان مجراها النفسيّ، وتحت العنوان جاءت عبارة "أكثر من رواية" بخط صغير، إذ يبدو أن الكاتب تقصدّ الإشارة إلى طبيعة العمل، الذي يغوص في النّفس البشريّة، معادنها وتقلّباتها، من ثمّ عرج على إهداء روايته إلى والديه، فكتب من شغاف القلب:

"إلى أول الأبرياء الذين عرفتهم على الأرض، أمي وأبي".

 

تناقش الرواية العبث والوجودية، والتحولات العصرية التي نعيشها في الأماكن التي تدور فيها الأحداث، البحث عن الذات المسلوبة، التشظي والانعزال والاغتراب، كذلك وتخوض في التابوهات والممنوعات، المتمثلة بالدين السياسة والجنس. وبما أن الكاتب هو ابن مجتمعه، فهو القادر إذن على اختراق المسكوت عنه وما يجري حوله في واقعه، يغذّيه بخياله ليحرّك ما يمكن تحريكه، ويصور ما يمكن تصويره، فمن عمّان إلى بيروت والقاهرة، الخليج وإيطاليا والولايات المتّحدة، هكذا حتى تصل الفكرة إلى القارئ المتلقي، فتعكس التعقيد الذي نعيشه في كل مكان.

 وكأنّ الكاتب يقول: ما فتئت الذات العربية تعجّ بتناقضاتها، وتراوح مكانها بين أزمة الوعيّ إلى الوعي بالأزمة.

وظّف الكاتب أساليب متنوعة في بناء حبكته الروائية، فجعل منها رواية حداثيّة غير تقليديّة، مركبة جريئة، متعددة الشخصيات والعناوين، معتمدا طريقة "الفلاش باك" والاسترجاع الفنّيّ لتقديم الأحداث.

حضر الجزء الأول بعنوان “أوطان صغيرة”، أما الثاني فكان بعنوان “أوطان مهشمة”، ولعلّ الكاتب اختار هذه العناوين، للدلالة على المكان والتشتت والمعاناة، فالجرح ما انفك ينزف والأحداث تتوالى، والألم يغور أكثر وتتراكم الأزمات التي تقيّد الشخوص وتضيّق العيش عليها، وفي غمرة ذلك كلّه، نشعر بالأحداث كائنا نابضا، تنمو وتتطور عبر الوقائع وتأثيرها عليها.

لم تكن وظيفة الشخوص بنائية فقط أو دلالية، فكلُّها قد لعبت دورها في تسلسل الرواية وتماسك الحبكة، كان بطل الرواية عادل سليمان يعيش أزمة التسلط الذي يفرضه عليه والده، بحث عن نفسه وعن حياة جديدة لا وجود فيها لسلطة الأب والعائلة، أما نوح آدم العكاوي صاحب المطبعة، فقد ولد في عمان وعاش فيها، لكن الوطن بقي حيّا في خياله، يداعب وجدانه.

رائف الساقي هو أحد شخوص الرواية أيضا، وهو الأصغر بين أخوته وشقيقاته، تغلغل الاكتئاب إلى نفسه، بحث عن السلام الداخليّ ولم يجده، وحين اعتقد أن كتابة الرواية ستعينه على تجاوز المشكلة وتخطيها، اكتشف بأنه قد ضاق ذرعا بالاكتئاب، وبعد أن عطّل اليأس عقله وقلبه، وقف على جسر عبدون، ونثر أوراقه في الهواء، وكأنه ينثر أحمالا أثقلته لسنوات.

وعن حضورِ المرأة في الرواية، فقد كانت العناصر الأنثوية نماذج بنّاءة، أكثرُ إشراقا أملا وفرحا، فسلافة مثلا، هي امرأة بجمال متواضع، تعاني المشاكل الأسرية، وتدير دار النشر الخاصة بنوح العكاوي، تحاصرها الصعوبات من كل جانب، تقاوم وتعلن انتصارا على الحياة بفضل اجتهادها ومثابرتها، أما سارة فوقفت إلى جانب حبيبها رائف، ولم تتركه رغم اضطرابه النفسيّ.

وهكذا تسير الرواية نحو طرح يدخل إلى عمق النفس البشرية، وكشف عالم الشخوص الاجتماعيّ والفكريّ، وعلاقتها بما يدور حولها.

 ناقش الكاتب فلسفته الخاصة في البحث عن معنى الحياة، فكتب في الصفحة (224) على لسان أحد الشخوص:

"لطالما تساءلت: كيف يتنامى الحقد في الناس بسرعة صاروخيّة، في حين أنّ الحبّ، لا ينمو فيهم إلّا بصعوبة وبطء وتثاقل، لا أريد أن أصدق أنّ الحقد يولد معنا، لأنه إن كان كذلك فالحبّ يجب أن يولد معنا أيضا، القضية غير ذلك، إنها عملية منظمة، تمارس منذ بداية تشكّلنا لغرس بذور الكراهية بيننا، وإخماد أنفاس المحبة فينا.

 وكتب أيضا: لن يحكمنا أحد ويسلب حريتنا، إلا عندما ينجح في زرع الكراهية فينا، ودون ذلك، يبقى عاجزا عن السيطرة والتحكم بنا، لنصبح عبيدا راضين قانعين، وكلما زاد جهلنا صرنا فرحين أكثر بعبوديتنا.

هي مؤامرة عمرها آلاف السنين، تحكاك ضد أنسنة الإنسان، سلاحها الأسطورة، الفلسفة والدين والعولمة.

أخيرا فهذه الرواية هي إضافة نوعية للكاتب لما قدمته من حوار في الكينونة الإنسانية وماهيتها، فمهما استقوت الشّرور واستشرت، يبقى الأمل منتصرا، وتبقى إنسانيّة الإنسان هي الأساس والجوهر، والبقية الباقية.

شكرا للكاتب قاسم توفيق، وإلى مزيد من التألق والعطاء.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط