كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قراءة في مسرحية صانع الماء بين البعد الفلسفي والبعد الفني للكتابة

قراءة في مسرحية صانع الماء بين البعد الفلسفي والبعد الفني للكتابة

تاريخ النشر: 2020-05-17 | 12:35

السؤال الذي نطرحه: هل فن الكتابة المسرحية يجب أن يقتصر على الكوميديا، سواء الكوميديا الترفيهية أم الكوميديا الساخرة الناقدة ذات الرسائل السياسية والاجتماعية؟ وعلى ذلك هل يمكن للنص المسرحي أن يكون قادرا على أن يكون نصا فلسفيا؟
في الحقيقة الفكر الفلسفي، الذي يقوم على ثنائيات متناقضة، كالخير والشر، الحياة والموت، الجوع والشبع، الحق والباطل، وما ماثل، يحتاج إلى نصوص وقوالب فنية وأساليب كتابة قادرة على توصيل الفكرة إلى المتلقي بمضامينها ورسائلها العميقة، كي تؤثر فيه وتدفعه لإعمال العقل في النفس وما حولها من كونٍ وسيع بكل ما فيه من موجودات. ونعرف أن الكتابات الفلسفية لكبار فلاسفة العالم وعلى امتداد التاريخ كان تكتب بأساليب السرد التحليلي، وقلة من حمّل جانبا من فكره الفلسفي على نص مسرحي.
"صانع الماء" وهي نص فلسفي للدكتور ماجد عياد حمّل على نص مسرحي، يقع في عدة فصول وتدور أحداثها على خشبة مسرح مباشر سيتابعه متفرجون وجها لوجه، وهذا ما يعني أن النص المسرحي هنا سيتعين عليه إحداث اختراقات عميقة وكبير وربما إكراهات لجذب المتفرجين ( المشاهدين) لنص غير كوميدي بل نص يحتاج أثناء المتابعة إلى التّفكّر وإعمال العقل، فيتحول المسرح برمته من ممثلين ومتفرجين وفنيات وتقنيات إلى جلسة فلسفية ليس سهلة. فالمشاهد للنص المسرح الفلسفي سيكون شريكا في التفكر في مضامين النص ورسالته للوصول إلى مقاصده العليا، بعكس المسرح الكوميدي الذي يعتمد بالدرجة الأهم على قدرة الممثل في توصيل الرّسالة ومن ثم إثارة الضحك عند المتفرجين، وسيكون المعنى الذي وصلهم إجماليا وليس تفصيليا.
عندما شرعت بقراءة مسرحية " صانع الماء" ويتجلّى من عنوانها وهو العتبة الأولى للنص، سيميائية البعد الفلسفي للنص/ فهل الماء يُصنع؟ كان واضحا أن الكاتب يدعو القارئ أو المتفرج للبدء بعملية التّفكير، وبالتالي هو جزء من النص ومكتشف غايتها العليا. حينما نفكر عميقا في دلالات العنوان، فإن النص يقودنا إلى عملية الإبداع في كل شيء، وألا يكون المرء ماصا لما يتلقى أو مكتفيا بما يُصنع له، بل هنا تأكيد على إعمال العقل الفردي ومن ثم إعمال العقل الجمعي والجماعي للتطوير وللتغلب على مشكلات الحياة، قد تكون الكوميديا في المسرح وسيلة تفريع ، بينما سنكتشف في نص " صانع الماء" أن الفلسفة هي صانعة الإبداع، مع التأكيد على عدم الإجحاف بمقاصد الكوميديا التي هي ضرورة عند مواجهة تعقيدات الحياة. على لسان وأدوار ست شخصيات رئيسة وأخرى أقل ثانوية، ودون أن يعطيها الكاتب أسماء مباشرة بل رمز إليها بالترتيب ( الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس)، ما يعني أن الكاتب أراد أن يوحي للمتفرج او القارء أنه يكون واحد من هؤلاء، وبالتالي هو جزء من صناعة المستحيل المتمثل في صناعة الماء، أو بدلالات أخرى صناعة الخير ومقاومة الشّ). إذن هنا على لسان هذه الشخصيات الرمزية صنع الكاتب رؤيته وفلسفته في الوجود بتجرد. فعلى لسان هذه الشخصيات في حواراتها، يطرح الكاتب في النص سؤاله الرئيس الجوهري والمركزي:
_ ما هو الإنسان؟
هنا يدور الحوار بين الشخصيات الرمزية، وتتابع الأسئلة العميقة ومنها
_ كيف نهرب من الوهم؟
• والجواب البسيط هو بالهروب الى وهم جديد.
_ وكيف نفكر خارج الصندوق؟
• والجواب البسيط بالخروج الى صندوق أكبر منه
_وكيف نفهم الموت؟
• والجواب البسيط بتجربته ونحن أحياء
_وكيف نرى الصورة الكاملة؟
• والجواب البسيط بالاقتراب حتى لا يمكن الرؤية .
_وكيف نفهم العلم؟
• والجواب البسيط هو بفهم ميتافيزيقيته.
وأخيرا يصل النص إلى السؤال الأهم وهو كيف نكون أحرارا؟
• والجواب البسيط، بأن نولد بدون جغرافيا وتاريخ .
وبالتالي ما هو الإنسان ؟
من الواضح أن طرح هذه الأسئلة الجوهرية من خلال النص وعلى لسان الشخصيات بطريقة عفوية تلقائية، يتجلّى التّنوير للبشرية، وهو البحث عن الإنسان في البشر، أي الخير. فالإجابة عن سؤول من هو الإنسان ومن ثم عن ما هو الإنسانية أي ماهية الإنسان؟ سيكون دور العقل الفاعل للوصول إلى الإجابة الشافية. وهذا ما عبرت عنه لوحة الغلاف وهي رسم بسيط لكن دلالاته الفلسفية عميقة جدا وبعيدة الرؤية نحو مستقبل لا حدود له للبشرية عند البحث عن الخير فيها. فيظهر الرسم قبضة بشري يحاول أن يصنع الماء أي المستحيل فيظهر النور الذي يتمدد في البشرية جمعاء.
على الرغم من طول النص الذي يقع في نحو 150 صفحة من الحجم المتوسط، إلا أن براعة الكتاب في تحويل الرؤية العميقة المعقدة وإجراءها بلغة سهلة رصينة واضحة ومحكمة بصيغة الحوار المكثف سيمكّن من تحويل هذا النص من نص مكتوب إلى أداء مسرحي يمكن أن يُؤدّى على خشبة مسرح أمام متفرجين، ولاسيما أن الكاتب حرص على أن يحد تفاصيل بناء خشبة المسرح وكأنها قائمة في الواقع من خلال عبارات الربط بين المشاهد ومن خلال رؤيته لبناء الديكور وحركة الشخصيات ( الممثلين ) على خشبة المسرح والإضاءة والديكور، وكأن الكاتب لم يكتف بكتابة النص وإنما إخراجه أيضا، وهذا يؤكد أن صانع النص أي نص ( مسرحي أو روائي أو قصصي أو شعري) هو الأقدر على بناء بيئة نصه عند تحويله إلى واقع إما بالحركة على الخشبة أو تحويله من نص مكتوب إلى نص مصور كما في التلفزيون أو السينما.
إن مسرحية "صانع الماء" تمثل إحدى القفزات المهمة في الأدب الفلسطيني، والتحرر من الإغراق في الهم الخاص على أهمية ذلك، إلى التحليق في فضاء إنساني أبعد، كما أنها تعد تطورا في البناء الفني المسرحي، من حيث التّمكّن من الموائمة بين فكر فلسفي منتج في نص مسرحي وإمكانية تحويله إلى مشاهد متحركة مباشرة على خشبة مسرح. ويأتي ذلك في إطار توصيل الفكر والأدب إلى المتلقين مباشرة.

×
أخبار
جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط