كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قراءة في مسودة الدستور (3- 5)

قراءة في مسودة الدستور (3- 5)

تاريخ النشر: 2026-04-24 | 11:11

(1)  المساواة وعدم التمييز

تشكل المساواة وعدم التمييز مفهوماً محورياً وأساسياً في فلسفة البناء الديمقراطي أو وصف النظام السياسي في الدولة وكتابة الدساتير، وعلى أساس هذا المفهوم تقاس مدى انسجام قواعدها الدستورية مع أركان الديمقراطية. بالرغم من أن لجنة صياغة الدستور قد وضعت مفهوم المساواة في أكثر من موضع في مسودة الدستور إلا أنها تراجعت عنه في مواضع رئيسية في باب الأحكام العامة التي تعبر أحكامه عن المبادئ الحاكمة للنصوص الواردة في الأبواب التالية من الدستور والاتجاهات الواجبة للمشرع الفلسطيني لاحقا فيما يتعلق بتنظيم الحقوق والحريات، وحملته أكثر من طاقته في باب الحقوق والحريات.

·        المساواة بين الرجل المرأة في مسودة الدستور

تضع المادة 8 من مسودة الدستور عدة مبادئ أساسية من أجل تطويرها في باب الحريات وهي مهمة وذات أولية، وإن نصت في الفقرة الثانية منها على تكفل الدولة تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في جميع الحقوق والحريات الا أنها ارتدت عن الحديث عند تمثيل المرأة بالنص على " بضمان تمثيل المرأة تمثيلا عادلاً مناسبا في المجالس المنتخبة" أي دون وضع نص دستوري يحدد ما هو التمثيل العادل والمناسب، وخوفا من الارتداد عن نسبة 30% على الأقل في المجالس الانتخابية وفي الحكومة والوظائف العليا كما جاء في قرار المجلس الوطني الفلسطيني فإن يقتضي أن يتم النص عليها في الدستور حيث أن كلمة عادل ومناسب لا تعني بالضرورة المساواة أو الوصول الى المساواة بين المرأة والرجل. كما أن نص المادة لم يحظر التمييز على أساس النوع الاجتماعي، وبطلان أي قرار أو تشريع يقوم على أسس تمييزية.

·      التمييز في مسودة الدستور في مكانة أتباع الديانات السماوية

أشارت المادة 4 من المسودة على أن "الإسلام هو دين الدولة الرسمي في دولة فلسطين" وهو تقليد قائم في أغلب الدول العربية، لكن السعي لوجود دولة مدنية يفرض أنْ لا تكون قائمة على هوية دينية بل هي دولة تقوم على الحقوق والحرية وعلى المواطنة، ومن جانب آخر إن تبني فلسفة الدولة الدينية يعني تعزيز لفكرة الدولة اليهودية القائمة على الدين اليهودي، وهو ما تسعى دولة الاحتلال إلى تكريسه كسمة تحكم الطبيعة والأساس الذي تقوم عليه الدول في المنطقة.

وفي الفقرة الثالثة من المادة 4 وضعت تمييزا آخر بين أتباع النبي عيسى واتباع النبي موسى من الفلسطينيين؛ حيث نصت على أن "للمسيحية مكانتها في فلسطين، ولسائر الديانات احترامها"، إن هذا التخصيص يوحي بعدم الاعتراف بالديانة السامرية/ اليهودية أو إقصاء لمجموعة دينية واتباعها، ويقلل من مكانتها الوطنية ومساهمتها في الحياة العامة. إن القراءة المعاصرة للقرآن الكريم تشير إلى أن كلمة المسلمون موجهة إلى البشر كافة إلى البشر كافة على اختلاف معتقداتهم وأديانهم ومذاهبهم، وأن الملة تتبع الشرائع السماوية التي نزلت على الرسل محمد وموسى وعيسى عليهم السلام. لا ينبغي التفريق أو التمييز بينهم في ظل الدولة. إن النص ينبغي أن يكون " للرسالات السماوية مكانتها في فلسطين، ولسائر المعتقدات احترامها"، ولها تنظيم شؤونهم الدينية واختيار قياداتهم الروحية كل حسب شريعته. ما يحقق المساواة المنشودة في القواعد الدستورية ويمنع التمييز بين المواطنين.

·      الحق بالجنسية لأبناء الفلسطينيين والفلسطينيات

أشارت المادة 6 من المسودة إلى أن "الجنسية الفلسطينية تنظم بقانون" أحال المشرع إلى القانون دون وضع ضوابط محددة مما يتيح الفرصة لإحداث تغيرات سياسية قد تحرم البعض من اكتساب الجنسية على أسس تمييزية قائمة على النوع الاجتماعي كحرمان أبناء الفلسطينيات ممن يتزوجن من غير الفلسطينيين، فمبدأ المساواة يقتضي وضع المبدأ في الدستور والتنظيم للقانون لممارسة هذا الحق عبر النص على " الجنسية حق لمن يولد لأب فلسطيني أو لأم فلسطينية، والاعتراف القانونى به ومنحه أوراقاً رسمية تثبت بياناته الشخصية، حق يكفله الدستور، وينظم القانون ممارسة هذا الحق".

·      المساواة أمام القانون والقضاء

وضعت لجنة صياغة الدستور في المادة 27 من مسود الدستور أن "الفلسطينيون متساوون في الحقوق والواجبات، وهم أمام القانون القضاء سواء" لم تنظر لجنة صياغة الدستور إلى الشق الأول من المادة المتعلق بالواجبات حيث من غير الممكن المساواة بالواجبات فقد غابت فكرة التمايز هنا بسبب الاعاقة أو عدم القدرة مثلا وهي مسائل خارجة عن إرادة الشخص. فيما الشق الثاني المتعلق بالمساواة أمام القانون والقضاء فيه سليمة. الأمر الذي يقتضي تحويل هذا المبدأ الى الباب الأول من جهة واختصار النص على "الفلسطينيون أمام القانون والقضاء سواء لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة."

(2) منزلة المعاهدات الدولية وآلية إقرارها

تنظم المادة 82 من المسودة التعامل مع المعاهدات الدولية من حيث منزلها كونها أقل من الدستور وأعلى من القانون، ومن حيث أنواعها وطرق اعتمادها. فبالإضافة الى سلب مجلس النواب بالمصادقة على أغلب المعاهدات وبخاصة تلك المتعلقة السلم والاتحاد ورسم الحدود أو ما يتعلق بالسيادة في الوقت الذي من اختصاص مجلس النواب ممارسة السيادة نيابة عن الشعب. فيما رئيس الدولة الرئيس يوقع ويصادق على المعاهدات الدولية على إطلاقها. وأن هذه المعاهدات هي التي تنشر في الجريدة الرسمية، فيما لم تتضح مكانة الاتفاقيات التي يصادق عليها مجلس النواب والشعب من خلال الاستفتاء. فيما لم يتضح مكانة هذه المعاهدات من القوانين المكملة للدستور التي جاءت في مسودة الدستور.

إن المبدأ المتعلق بمنزلة المعاهدات المصادق عليها من دولة فلسطين، حسب الشروط المنصوص عليها بالدستور، أعلى من القوانين المعمول بها وأدنى من الدستور. ينبغي أن يكون في باب الأحكام العامة. فيما يقتصر دور الرئيس على التوقيع عليها بصفته هذا التوقيع قرار كاشف وليس منشأ لموقف دولة فلسطين من المعاهدة بعد إقرارها من الحكومة ومصادقة مجلس النواب عليها، أما الاتفاقيات التي تبرمها الحكومة بشأن السلم أو الاتحاد أو الحدود أو السيادة فيتم عرضها على الاستفتاء بعد مصادقة مجلس النواب عليها. 

(3) مؤسسات الدولة الدستورية المستقلة

مما لاشك فيه أن هناك أهمية لدسترة بعض المؤسسات العامة المتخصصة والمختصة التي توفر ضمانات للمواطنين تحسبا من بطش أو تغول السلطة التنفيذية والرقابة عليها، وكذلك ربطها بالهيئة الرقابية العليا "مجلس النواب" لضمان حصانتها وحصانة أعمالها.

حدد الباب التاسع ست مؤسسات مستقلة باعتبارها مؤسسات الدولة الدستورية المستقلة؛ حيث تشير نصوص المواد 145- 150 إلى اختلاف في آلية التعيين لرؤسائها وتبعيتها المرجعية، وآليات المساءلة. الأمر الذي يحتاج إلى توحيد نمط هذه المؤسسات من حيث، آلية التعيين، وضرورة مصادقة مجلس النواب على رؤساء هذه المؤسسات، والمرجعية بحيث تقدم تقاريرها لكل من مجلس النواب والرئيس رئيس الحكومة، وآلية الرقابة ومساءلتها بحيث تكون من قبل مجلس النواب.

وإعادة النظر في دسترة بعض المؤسسات مثل التأمينات الاجتماعية والتقاعد حيث أنه على المستوى العملي من غير المتوقع أن يتم دمجها في الأمد المتوسط، واحتمالية إعادة تجربة الاحتجاجات التي حصلت ضد قانون الضمان الاجتماعي؛ فالدسترة لا تعني إخضاع المواطنين. وكذلك إعادة النظر في دمج هيئة النزاهة والشفافية حيث أنهما مسألتان مختلفتان؛ فهيئة النزاهة/ مكافحة الفساد لها أدوار تتعلق برفع الوعي والوقاية من الفساد وملاحقة الفاسدين، فيما الشفافية تتعلق بحق المواطنين بالنفاذ إلى المعلومات وهما حقلان مختلفان وفي بعض الجوانب متعارضان في الوظيفة والدور.

إن الدسترة لا تعني تحويل القوانين المنظمة لعمل هذه المؤسسات بذات مكانة الدستور في إصدارها أو تعديلها كما نصت المادة 109 من مسودة الدستور، بل النص عليها في الدستور بوضع بعض الأحكام المحصنة لعملها من تغول السلطات عليها من جهة، وترك أمر تنظيمها للقانون العادي الذي يمكن  تعديله بما يتماشى مع التطورات والتحديثات العالمية على مجال عملها، والمعاهدات الدولية المحتمل توقيعها مستقبلاً في مجالات عمل هذه المؤسسات، وكي لا تكون نصوص الدستور المؤقت معطلاً لتطور الدولة ومنع مؤسساتها من تحسين أدائها وفقا للممارسات الدولية الفضلى. 

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط