كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"قراءة في نص الكاتب التونسي السامق طاهر مشي.." عتمات الغروب لها صمتها

"قراءة في نص الكاتب التونسي السامق طاهر مشي.." عتمات الغروب لها صمتها

تاريخ النشر: 2022-05-23 | 14:41

محمد المحسن
محمد المحسن

لحظات الغروب تأخذني خطاي،مع كل غروب..لتلك الربوع القصيّة..

"هناك حيث التقينا منذ زمن بعيد،وبين أشعة الشمس المنتشرة،تتلاشى أشواقي،تهدهدني آهاتي،وآلام جرحي تزداد حدة، تتوارى الشمس وتسلب مني ذاك الحنين، ويزداد الماضي قسوة في مخيلتي، هي ظلمة باتت قابعة على عتبات صبري،تسبح نفسي طويل،وتعيد ليلتي لنقطة البداية، ودون إذن تسيل أحباري، ويكتب قلمي أشعاري، عبير فيه طيبك منذ الأزل،وما أزال بينك وبين ليلي القاسي،أناجي الخلاص من أوهامي،وأشدّ رحالي باحثا عنك في مكان ثان.." (طاهر مشي)

النص الإبداعي يطرح أسئلته،وينفتح عند تفاصيل الدهشة حيث النص يخترق الذاكرة،ويلملم الحلم والغياب في مشهد يتشكل كلوحة يتوغل فيها السحر والمعنى والاحتفال وكذا الحنين والشوق..

هذه الوحة النثرية (عتمات الغروب..لها صمتها) تفتح نوافذ -الكاتب الشاب-د-طاهر مشي على مساحات سرية تقفل رؤيا الكاتب على قراءة الرمز والحلم والحب والهيام بين تراكيب لغوية مكثفة يتشيأ فيها (النص) أحيانا كوحدات قلقة..يفتض عوالمه المشبعة بالحلم والاتساع..أو بين (تهويمات) غنائية،يسعى فيها -الكاتب-إلى استبطان الداخل اللغوي المشبع بسرد انتقائي،يحاول أن ينفذ منه الى حيز آخر،يحيل فيه النص الى علاقة وصفية / رؤيوية..تمزج بين اتساع الحلم..والإشتياق لحبيبة متشظية بين الضلوع..ومحدودية اللغة..

في-نصه النثري-(عتمات الغروب..) يتمثل إلى هذه المحاولة القلقة القائمة على مساحة من التأمل والانفعال باللغة والمعنى..واغواءات الحلم والإشتياق،حيث يحتال بالانفعال في تتبع لغة تخرج من ثقوب ذاكرة غائمة متعبة،أثقلتها الخيبات والمواجع،كي تكتب فاتحة الرؤيا للحلم والحب والحنين..الذي يملك سر الكلمة والبراءة..

 إن مسعى -الكاتب-إلى اقتفاء تضاريس النص،هو محاولة إيقاف حركة زمنه النثري عبر محاولة استقراء حلمه وحنينه،في رؤيا تستبطن كشوفاتها،وتشكل تواصلا مضادا إزاء زمنه المجهض المغمور بالعشق والتماس المعنى الشمولي عبر وعي اشكالي يمكنه ان يكشف جوهر هذا الزمن بكل ما يحمله من اضطراب وغياب..وحنين..

انه زمن خام..قلق..يحفرعميقا خلف شغاف القلب غير مبرر احيانا يتوخى فيه الكاتب فكرة الجوهري / الشعري المشرع على احتمالات التأويل والمبني على (الهمس والتلمس والحس) وهذا الزمن الذي يحاول قراءته -الكاتب-يحيل حتما الى محاولة كشف استبطانات اللغة التي تعتبر الشعر ضرورة كما يقول جان كوكتو في استحضار الحلم والرؤيا والاحتفال..

انه عشق بل قل شوق تقيم الدهشة والغرابة طقوسه التي تحيل اللغة احتفالا له طابع هلامي يتوغل احيانا عبر الذاكرة المفزوعة بالخراب والفوضى وتمرّد االعاشق الولهان على الطقوس القبلية البالية..

إن نص«عتمات الغروب»لا يذهب بعيدا عن محاولة إعارة النص بعض التفاصيل التي تشبع الرغبة -الذكورية-بسرد انتقائي..يلتمس تفاصيله الكاتب الألمعي-طاهر مشي- عبر شبكة من العلاقات اللغوية / الصورية التي تستبطن (معنى) قائما سلفا،حيث تلج المرأة تضاعيف الضلوع..وشغاف القلب.. وتمور نواميس الشبق في وجدان أنثى أرهقته الرغبة العاصفة..ليستمرئ الكاتب لحظتئذ وقع -تمرده-على زمن ملغوم بالدهشة والغرابة والحب-العذري-الذي استهلكته الرأسمالية المتوحشة في زمن ضللنا فيه الطريق إلى الحب بمعناه النبيل.

انه زمن (الخارج) الذي يهزم فيه..ويحاول عبر عشقه -السافر-إيغال الرؤيا في تفاصيل تجعل النص النثري احتفالا ما،يبهج الكاتب أو يؤلمه عند تخوم العطب...

ولصياغة فضائه الإبداعي إزاء هذا الحنين الجارف والعاصف يبدأ الكاتب بالكشف عن تراكيب تندغم فيها الصور سريعة مقطوعة،بمساحات صورية أخرى..بطيئة تحتال باللغة وتتورط معها في استطرادات تثقل النص احيانا بالتجريد والتعمية المقصودة..وهذه التراكيب الصورية التي تشكل فضاء النص تبرر الى حد ما وعي الكاتب إزاء تركيبة النص الحداثي..فالنص المفتوح على الاحتمال والمعنى تكشف فيه الرؤيا عن عوالم متراكبة مأخوذة بالاستطراد كإشكال لغوي وبالتوالد كإشكال بنيوي..انها تأخذ في-نص- (عتمات الغروب..) مثلا إيقاعا شكليا متفاوتا يمزج بين (نثرية) المعنى والخطوط الحلم التي لا تفتأ أن تكون إيقاعا آخرا يتلجلج بشعريته وسط متون متفاوتة في شدها واتساعها،بحيث لايخشى -الكاتب-الطاهر-إزاءها فراغات النص...وبياضه..انه يقترح فضاءا مفتوحا ومبررا حيث تستحيل فيه اللغة الى حلم او خطاب يستبطن العشق في تجلياته الخلاقة..

إن المناخ-الإبداعي-الذي تبرعمت في ظلاله كتابات -د-طاهر مشي- يتسم في مجمله بالتفاعل الخلاق مع الجانب الحداثوي وهذا ما أعطى كتاباته (وهذا الرأي يخصني) تحديثا شديد الألفة،من خلال لغته التخييلية المشكلة تشكيلا عضويا ساعد على خلق معادل فني تلعب الذات دورا بارزا في أساسيات نموه وبالتالي تحوله الى وحدة تكوينية تجمع بين تشكيلاتها المتناهية الدقة كل ما هو متنافر ومتضاد حيث تؤدي هذه الأضداد وظيفتها في إنجاز الهيكلية الهندسية للصورة-النثرية/الإبداعية المتوافقة مع إيقاع حركة الواقع والمتعارضة معه.

عندما يحاول ذلك الواقع أن يفرض منطقا عقلانيا يتعارض والفضاء التخييلي للغة الشعر.

إن هذا البناء اللغوي،سوى في خاماته الأولية او المنتقاة لا ينسحب على النص النثري الحداثي-فحسب،بل يتعداه الى التجارب التي اتخذت من قصيدة النثر(وقد أبدع فيها كاتبنا أيضا) وعاء تصب فيه ما يترشح من عملية التغطية التي تتعرض لها ذات-الكاتب-..

ومن هناك فإن كتابات الكاتب المتميز تونسيا وعربيا د-الطاهر مشي التي انبجست من ضلوع مدينة سيدي بوزيد الشامخة والزاخرة بقامات إبداعية شاهقة،تمثل خطوة أخرى باتجاه قراءة النص الآخر الذي بدأ يشكل خطواته في مسار-النص العربي الإبداعي-..نثر..قصة..شعر..إلخ وهي تتململ اليوم (كتابات الكاتب) بكل اختزاناتها وسحرها وقلقها للخروج الى برية الاتساع حيث الشكل يمسك لذة الحلم،وحيث الحلم يفور في مسارب المعنى..و-الكاتب يقيم طقوسه على تفاصيل الاشياء..حالما او كاشفا او قائما وسط حرائقه وحرائق الآخرين،يفتّش عن أشياء أخرى بلون الجمر او لون النساء او لون الحرية..وهذه الإبداعات المذهلة-التي قاربت بعضها-لا تخرج عن محاولات -الكاتب الطاهر مشي في التماس بنية نصه الحداثي المجبول على كشوفات الرؤيا الايقاع في تركيبة تزاوج بين شكل (تقطيع) وسردية حلمية تتكرر دائما كما وجدنا ذلك في-بعض قصائده الرائعة-التي سبق وان عرضنا لها..

ان الكتابة في -العشق- تظل عصية... والكاتب/الشاعر/القاص طاهر مشي يظل قاسيا مأخوذا ومقموعا بالنص يلم جسده واحزانه ويسافر غاويا وسط ايقاعات يتداعى فيها كل شيء..تخرج من ذاكرة تكتب النص كتاريخ..

انها ذاكرة الآخر الذي مازال يقيم وسط الأشياء حادا وطاغيا...يكتب للآتين في موكب الآتي الجليل...

ولعل هذه جدوى أخرى تضاف-لإبداعات -د-طاهر مشي- التي تلتمس بصدق وجدية الخروج الى الجمال والحلم والاتساع والحرية..

على سبيل الخاتمة:

يبدو الحب موضوعاً شعرياً بامتياز من حيث فكرته وجمالياته وسردياته وتاريخه،وإن كان من تاريخ للحب،فالشعراء من أوائل من كتبوا أو دونوا هذا التاريخ،ونقصد بهؤلاء،شعراء فلسفة الحب،أو الشعراء الذين فلسفوا الحب،وعاشوه على شكل وجود معذب،متقلب،محاط دائماً بما هو تراجيدي (ولعل كاتبنا -د-طاهر مشي واحد منهم)، وهؤلاء قلة وعابرون،وحتى أشعارهم نادرة وقليلة،ذلك أن فكرة الحب ترتبط بالزمن،والموت،والوجود،وحتى الجنون (قيس بن الملوح - مجنون ليلى -في الذاكرة الوجدانية العربية)،وبعض شعراء الحب قتلهم الحب،فلم يعمروا لا حياة ولا كتابة.(أطال الله في عمر مبدعنا -د-طاهر مشي ليزدهر ابداعه ويتبرعم ابداعا خلاقا) فكرة الحب،أيضاً،على المستوى الثقافي العربي ترتبط بما يسمى «الطلل» في الشعر أو في المكان، وترتبط أيضاً بالحنين «أبو فراس الحمداني»، كما ترتبط بالبطولة «عنترة العبسي»، وترتبط فكرة الحب أيضاً بالفراق أو الوداع «معلقة الأعشى»..

إن الحب بهذا المعنى هو «حياة في الحياة»..حياة الشاعر،ومصيره،وخساراته،أي أن الحب هو «إلهام» إلى جانب كونه تجربة حياتية إنسانية قلبية وجودية..الحب الذي لا يعثر عليه في وادي عبقر،وادي «إلهام» الشعراء أو وادي شياطين الشعر (مفهوم ساذج للإلهام).. بل، يعاش، ويلمس،ويرى،ويحلم به، ويتاق إليه.

إنه الحب الذي يأتي مباغتاً،ومفاجئاً،وداهماً..

ويظل لقاؤك بحبيبتك-يا طاهر في بساتين العشق أمرا حتميا لا جدال فيه..

 

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط