كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قراءة لرواية "فرصة ثانية" للأديبة صباح بشير

قراءة لرواية "فرصة ثانية" للأديبة صباح بشير

تاريخ النشر: 2024-08-21 | 14:41

رواية "فرصة ثانية" مشبعة بالدراما والترقّب والأحداث، رواية تعرض الحدث بكلّ تفاصيله وتترك مجالًا كبيرًا لتسأل وتعظ وتفكّر: "شردت أفكاري حول أسرار الحياة والولادة وسرّ الأمومة، فكيف تتحمّل الأمّهات كلّ هذا الألم؟ هل حبّ الأمّهات لأطفالهنّ يستحقّ هذه التضحية؟ أم هي غريزة فطريّة بحتة؟ أم أنّها قوّة طبيعيّة نسير في فلكها دون وعي منّا؟" ص9-10.  ص18: "هل هذا جزاء من وهبن أجسادهنّ معابد للحياة؟" هذه التساؤلات تضفي على بداية الرواية لونًا تأمّليًّا.

لغة الرواية متقنة جدًّا وسليمة وفيها من الجمال ما يفيض عن أحداث الرواية ويشكّل شطحة شاعريّة رومانسيّة حالمة، مثال: "تحوّلت إلى مراقب صامت لمسرح الحياة الإنسانيّة بمختلف مشاعرها وألوانها، فكلّ من مرّ من أمامي كان يحمل حكاية منقوشة بخطوط الفرح أو الحزن، أو الأمل أو الخوف، أو الترقّب" ص15.

تبدأ الرواية بدراما الولادة بكلّ دقائقها ثمّ الموت بعد الولادة ثمّ الحياة الغضّة لرضيع فقد والدته لحظة قدومه إلى الدنيا، وتنتهي الرواية بالحمل المرتجى والزواج السعيد لثلاث نساء العائلة والأصدقاء: هدى ولبنى ونهاية. 

وصف فقدان فاتن في البداية كان عميقًا ودقيقًا وشاملًا حيث يعيش القارئ حالة الفقدان مع مصطفى وهدى وأمّ فاتن ويتفاعل معهم. ص22 "من بعيد يظهر وجه مصطفى يحمل بين ذراعيه طفله، ثمرة حبّ انطفأت شمعته قبل الأوان".

وصف الحالات والأشخاص في الرواية يطول ويتوسّع عبر إطار الحبكة، ويدفع الحالة أو الشخص إلى مركز الرواية.

كل شخصيّات الرواية توصف بمثاليّة كبيرة وبحدّ أقصى حيث أنّ صفة الأفضل تدخل في أوصاف كثير من الشخصيّات، مثال على ذلك: مصطفى ومعرض سيّاراته وإبراهيم والمهنيّة العالية في طبّ الأسنان، رغم أنّه قلع سنًّا صحّيًّا لمريض بدل أن يقلع المعطوب ومثاليّة هدى كانت في لطفها وأخلاقها وتضحيتها بمستقبلها من أجل الرضيع اليتيم ابن أختها.

لغة الوصف في الرواية تحتفل بجمالها ودقّتها وتصبح سيّدة الموقف. في وصف المكان، حيفا مثلًا (ص34 وص83)، ووصف الحب والزمان والشخصيات يتغنّى باللغة واللغة تتغنّى به. والوصف، أيضًا، يتحدّى السياق ويصبو إلى الكمال في المشاعر وفي الممتلكات: وصف الحبّ والعشق أخذ قسطًا كبيرًا من الجمال اللغوي والاستعارات المبتكرة واعتلى عرشًا جميلًا يعبّر عن فكرة رئيسيّة في الرواية: الأمومة والإنجاب (ص 50-51).   

فكرة أخرى عميقة وفاعلة طرحتها الرواية وهي مبادرة المرأة في الحبّ: سناء مثلًا، ومن الناحية الأخرى: تحرُّش المريضة بطبيب الأسنان إبراهيم.

حول كلّ الأوصاف في الرواية، وهي جزء كبير منها، يلتفّ خيال خصب يزيّنه جمال اللغة وتتعاقب فيه الاستعارات التي لا تخلو هي الأخرى من الجمال والخيال.

تتخلّل الرواية أسئلة وجوديّة تضفي عليها عمقًا خاصًّا. بالإضافة إلى أسئلة الأمومة التي تدعو إلى التفكير بالموضوع، هناك أسئلة عن الزواج: "هل الزواج مأوى للحبّ أم قيد للأرواح؟"، ص58.

إجمالًا تتحلّى كلّ مشاهد الرواية بالوصف الحالم المتأمّل، والذي يوجّه القارئ إلى دخول جوّ مميّز تبدعه أصوات الرواة وتترك القارئ متقبّلًا لهذا الجوّ وحريصًا على ألّا يمسّه حين يدخل إليه. مثلًا: جوّ وصف الحبّ ص65 يترك القارئ مذهولًا ومتسائلًا عن أنماط الشخصيّات التي مارست الحبّ جسدًا وروحًا، مثل سناء، سكرتيرة مصطفى، بوصفها "لحظة ضعف انسدلت فيها العتمة على نور العقل، فيها استسلم مصطفى لنداءات الجسد وقرّر أن يشارك سناء ليلة حميميّة" ص65، في حين أنّ سناء لم تكن متأكّدة من مشاعر مصطفى تجاهها ورغم ذلك قالت له: "سأكون معك كلّما احتجت إليّ" ص76. هذا المشهد يترك سناء تعيش بين الأمل وخيبة الأمل وبين لحظات القوّة ولحظات الضعف.

تكثر في الرواية مواقف الأمل وخيبات الأمل، الحبّ وتمثيل الحبّ، الإخلاص والتواجد على شفا الخيانة، وهذا جعل الرواية غنيّة بالمشاعر وبالواقع الخيالي وبالخيال الواقعي.

شخصيّات الرواية تتعدّى خطوط الواقع في كثير من الأحيان، مثال على ذلك شخصيّة عبد الله وشخصيّة لبنى وعلاقتهما.

أمّا مشهد إلحاح والدة مصطفى عليه ليتزوّج من هدى فقد كان تقليديًّا، ولكنّ النتيجة كانت إيجابيّة ومثاليّة. إنّ اتخاذ القرارات المصيريّة عند شخصيّات الرواية كانت تقع في إشكاليّات تتراوح بين الواقعي والمتخيّل.

موضوع الشهر الأوّل من زواج مصطفى وهدى كان أحيانًا طبيعيًّا وأحيانًا أخرى متصنّعًا يميل إلى المثاليّة واليوتوبيا، ولا تظهر فيه سيرورة واضحة. وكذلك وضع إبراهيم ونهاية لم تكن فيه سيرورة.

الاسترسال في الوصف أدّى مهمّة واضحة في زيادة إثارة الترقّب وأبطأ مجرى الحبكة.

أثار اهتمامي تواجد الكثير من التناقضات الداخليّة في شخصيّات مصطفى وعبد الله وهدى، وهذا أعطى الرواية بعدًا نفسيًّا لهذه الشخصيّات وأوحى بكثير من التساؤلات حول كونها جزءً من الحياة الواقعيّة أم أنّها من إبداع الكاتبة فقط، كثرة الأوصاف للشخصيّات أدّت إلى تكرار بعض الصور عنها، مثال على ذلك جمال هدى وفاتن ومصطفى. ومع ذلك لم ألاحظ بأنّ هذه الشخصيّات تغيّرت وإنّما معظمها سار على خطّ مستقيم.

لم أستطع أن أتخلّص من عيني الانتقائيّة، كقارئة مهنتها العلاج الزوجي/الأسري، فوجدتُ أنّ الشخصيّات والعلاقات بينها فيها غرابة معيّنة، وربّما تكون الكاتبة قصدت ذلك.

هذه الرواية أثارت اهتمامي فبعد أن قرأتُها تصفّحتُها مرّة ثانية، ووجدْتُ فيها ثلاثة أبعاد للحبّ: الحبّ حسب التعريف المثالي الموجود في النصّ، والحبّ التلقائي الشعوري النادر، والحب كمسؤوليّة تجاه الآخر وتجاه الذات.

وهناك ثلاث طبقات في النصّ: الطبقة الأولى: الظاهر السطحي من العلاقات الاجتماعيّة، والطبقة الثانية: العلاقات من فئة المتوارث والتقليدي، والطبقة الثالثة: ذوبان الفردي الذاتي بالجماعي وفقدان الفرد لجوهره. وهذه الطبقات تمثّل واقعًا لا مهرب منه.

ويبرز محور مركزيّ على طول الرواية وهو: المرأة والرجل. أورد هنا بعض الأمثلة من شخصيّات الرواية:

• عبد الله الرجل الخاضع بشكل كبير ولبنى المرأة المسيطرة في كلّ المجالات الحياتيّة والتي تأخذ مساحتها كاملة وتلغي مساحة زوجها عبد الله.

• هدى وطيبتها اللامتناهية وتضحيتها من أجل يحيى الرضيع ابن أختها فاتن التي ولدته وتوفّيت.

• سناء تتحايل وتتظاهر بالحب لتكسب مدير عملها مصطفى بعد أن توفّيت زوجته فاتن.

• مصطفى الذي استجاب لتظاهر سناء بالحب من ناحية، ومن الناحية الأخرى لم يستطع القرب من هدى بعد أن تزوّجها حيث أظهر عواطف وحبّ طوباوي لفاتن زوجته الراحلة ولم يتمكّن من منازلة الفقدان، وهدى التي استمرّت بالتضحية بذاتها من أجل الرضيع يحيى على الرغم من تجاهل زوجها مصطفى لأنوثتها.

• إبراهيم عاش فشلًا في زواجه مرّتين وكان محبطًا من هذا الوضع، وعندما تعرّف على جارته نهاية شفته من إحباطه وخيباته، إلّا أنّه تركها عندما طلبت منه أن يتزوّجا. في نهاية الرواية يذكر أنهما أخيرًا تزوّجا.

• لا نعرف الكثير عن أم عبد الله وزوجها المتوفّى، إلّا أنّها تؤثّر كثيرًا في حياة ولديها وكنّتيها. أمّ فاتن وهدى أيضًا تؤثّر كثيرًا على ابنتيها وعلى زوجها. بذلك نرى أنّ أم عبد الله وأم فاتن تتبنّيان العرف والتقاليد وأسس النسيج المجتمعي بعيدًا عن المشاعر.

تعدّد الأصوات الراوية والديناميكيّات في المسارات الفرديّة الذاتيّة والتي تندمج في الاجتماعيّة، شكّلت نسيجًا روائيًّا محكمًا وأعطت الرواية زخمًا أجهدني لولا دراميّة الأحداث وتنوّعها والمفاجآت التي تخلق كثيرًا من الترقّب.

مدّ الأحداث الدراميّة في الرواية يأخذ القارئ خارج حدود الرواية ويلقي بسحره عليه غير تارك له مجالًا للتأمُّل.

رواية جذّابة وجميلة وتستحقّ القراءة.

مباركة جهود الكاتبة صباح بشير ومبارك هذا الإبداع.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط