كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قرار الكابينت الإسرائيلي وإعادة توصيف الضفة الغربية: من نظام الاحتلال المؤقت إلى الضمّ الإداري الأحادي

قرار الكابينت الإسرائيلي وإعادة توصيف الضفة الغربية: من نظام الاحتلال المؤقت إلى الضمّ الإداري الأحادي

تاريخ النشر: 2026-02-11 | 14:47

في لحظات التحوّل البنيوي في الصراعات الممتدة، لا تُقاس خطورة القرارات السياسية والأمنية بما تُعلنه من مبرّرات رسمية أو عناوين إجرائية، بل بما تُحدثه من تحوّلات صامتة في البنية القانونية والسياسية الحاكمة للصراع. من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة قرار كابينت الاحتلال الإسرائيلي الأخير، الصادر عن حكومة يمينية متطرفة يقودها نتلر بالشراكة مع سموتريتش وبن غفير، بوصفه إجراءً إدارياً أو أمنياً معزولًا، بل باعتباره خطوة مفصلية في مسار إعادة توصيف الضفة الغربية قانونياً وسياسياً، ونقلها تدريجياً من إطار الاحتلال المؤقت المنظّم بموجب القانون الدولي، إلى نموذج ضمّ إداري أحادي يُفرض عبر أدوات تنظيمية وقانونية داخلية.

تكمن خطورة قرار الكابينت الصادر يوم الاثنين 8 فبراير 2026 في بنيته العميقة، إذ يقوم على منطق تجاوز اتفاقيات المرحلة الانتقالية دون إعلان رسمي عن إلغائها. فإسرائيل لا تُعلن نهاية اتفاقيات أوسلو، لكنها تعمل على تفريغها من مضمونها العملي، عبر إعادة توزيع الصلاحيات، وتوسيع السيطرة الإدارية والأمنية، وفرض وقائع ميدانية تجعل من الحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة توصيفاً نظرياً يفتقر إلى أي مضمون سيادي فعلي. بهذا المعنى، لا يُعد القرار خرقاً عرضياً للاتفاقيات، بل تفكيكاً منهجياً لها من الداخل، بما يُبقي الشكل القانوني قائماً ويقوّض جوهره الوظيفي.

من الناحية القانونية، يُعد الكابينت "المجلس الوزاري المصغر" هيئة تنفيذية وأمنية، إلا أن دوره في السياق الفلسطيني تجاوز منذ سنوات وظيفته التقليدية، ليغدو أداة سياسية عليا لإدارة الصراع وفرض الوقائع. القرار الأخير يُعيد تعريف العلاقة مع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بوصفها مجالاً إدارياً خاضعاً للولاية الإسرائيلية، لا إقليماً خاضعاً لقواعد الاحتلال كما نصّ عليها القانون الدولي، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949. ويعكس هذا التحول مسعى واضحاً لإزاحة توصيف الأراضي المحتلة بوصفها موضوعاً قانونياً دولياً، لصالح مقاربة إدارية وسيادية تُمهّد للضم دون إعلان رسمي، عبر تراكم القرارات التنفيذية ذات الطابع المدني.

يتقاطع هذا المسار مع ما جرى تكريسه فعلياً منذ تقسيمات أوسلو الأولى عام 1993 وأوسلو الثانية عام 1995، حيث جرى تفكيك وحدة الإقليم الفلسطيني إلى ثلاث مناطق بصلاحيات متفاوتة. غير أن الفارق الجوهري اليوم يتمثل في الانتقال من إدارة هذا التفكيك عبر توافقات شكلية مؤقتة، إلى فرضه بقرارات إسرائيلية أحادية ذات طابع سيادي. وتحتل مدينة الخليل موقعاً مركزياً في هذا التحول، في امتداد مباشر لاتفاقية الخليل لعام 1997 التي كرّست تقسيم المدينة ومنحت إسرائيل سيطرة أمنية على قلبها. ما يجري اليوم هو توسيع لهذا النموذج وتحويله من استثناء خاص بالخليل إلى قاعدة قابلة للتعميم في عموم الضفة الغربية.

وقد تُرجم ذلك بسلسلة قرارات عملية اتخذها كابينت الاحتلال، شملت نقل صلاحيات التخطيط وإصدار تراخيص البناء في المستوطنات المقامة داخل الخليل، وفي محيط الحرم الإبراهيمي والمواقع الدينية، من بلدية الخليل الفلسطينية إلى مؤسسات التخطيط التابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية. كما شملت رفع السرية عن سجلات الأراضي في الضفة الغربية وفتحها أمام الجمهور، بما يُسهّل عمليات الاستحواذ والتسجيل، وإلغاء المرجعية القانونية الأردنية التي كانت تحظر بيع العقارات لليهود. وأُدرج مجمع قبر راحيل في بيت لحم ضمن إدارة بلدية إسرائيلية مخصصة، إلى جانب توسيع نطاق الإنفاذ والإشراف ليشمل عملياً المنطقتين (أ) و(ب)، وتجديد عمل لجنة الاستحواذ على الأراضي بعد تعطيل دام قرابة عقدين، بما يسمح بتنفيذ عمليات استحواذ استباقية على الأراضي. الغاية الجوهرية من هذه القرارات لا تنحصر في بعدها التنظيمي، بل تستهدف إعادة تصنيف الأراضي الفلسطينية المحتلة باعتبارها أراضي دولة إسرائيل، لا ملفاً سياسياً خاضعاً للتفاوض وفق قرارات الشرعية الدولية. بهذا المعنى، يجري الانتقال من إدارة الاحتلال بوصفه وضعاً قانونياً مؤقتاً، إلى فرض سيادة إدارية أحادية تُنتج وقائع قانونية قد يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

أما توقيت هذه القرارات، فيرتبط بسياق سياسي داخلي وخارجي بالغ الدلالة. داخلياً، تأتي في ظل تآكل متزايد في شعبية نتلر وتحالف اليمين المتطرف، وفق ما تعكسه استطلاعات الرأي داخل المجتمع الإسرائيلي، ما يفسّر توجّه الحكومة لمخاطبة القاعدة اليمينية المتطرفة والمستوطنين مباشرة عبر قرارات تمس جوهر الصراع على الأرض. وخارجياً، تتقاطع هذه الخطوات مع الزيارة المتوقعة لنتلر إلى واشنطن، في إطار مناورة سياسية تهدف إلى جس نبض الإدارة الامريكية قبل الإعلان عن مشاريع ضم متسارعة يقرها الكنيست او قرارات من الكابينت، بالتوازي مع الإبقاء على مستوى منخفض ومضبوط من العمليات العسكرية في قطاع غزة.

إقليمياً ودولياً، كشفت ردود الفعل على قرار الكابينيت عن مأزق بنيوي في المقاربة السائدة تجاه السياسات الإسرائيلية. فقد تحوّلت بيانات الإدانة، بفعل تكرارها وغياب آليات المتابعة، إلى عنصر غير رادع، بل إلى غطاء عملي يسمح بمواصلة فرض الوقائع. هذا العجز عن الانتقال من الموقف اللفظي إلى الإجراء العملي شجّع الحكومة الإسرائيلية المتطرفة على توسيع نطاق الضم غير المعلن، في ظل غياب كلفة سياسية ملموسة. وفي هذا السياق، يبرز دور دول الإقليم، وكذلك دول التحالف من أجل السلام، بقيادة السعودية وفرنسا، حيث لم يعد كافياً الاكتفاء بخطاب إنفاذ حل الدولتين، بل بات مطلوباً تحويل مبدأ التمييز بين إسرائيل والأراضي المحتلة إلى سياسات ملزمة تشمل الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية والتجارية.

على المستوى الفلسطيني، يكشف القرار عن حدود الاستمرار في منطق إدارة الأزمة. فالتعامل مع كل إجراء إسرائيلي بوصفه تطوراً منفصلاً يُفقد الرؤية الشاملة لطبيعة التحول الجاري. ما يحدث اليوم ليس تصعيداً عابراً، بل إعادة تعريف لطبيعة السيطرة الإسرائيلية، بما يجعل من المواجهة السياسية والقانونية خياراً وجودياً لا تكتيكاً ظرفياً. يفرض هذا الواقع بناء جبهة فلسطينية موحّدة، إذ لم يعد الانقسام مجرد خلل داخلي، بل تحوّل إلى أداة استراتيجية تُستثمر لإضعاف أي رد جماعي.

في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى انتقال فلسطيني صريح من منطق إدارة الأزمة إلى منطق المواجهة السياسية والقانونية، يبدأ بتعليق الاعتراف بإسرائيل، وإعادة تعريف وظيفة السلطة الوطنية الفلسطينية عبر تفعيل قرارات المجلسين الوطني والمركزي، وصولاً إلى إعلان دولة فلسطينية تحت الاحتلال. ويستند هذا المسار إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 19/67 لعام 2012، وتعزيزاته اللاحقة لعام 2024، بوصفه استكمالاً لبناء الكيان القانوني الفلسطيني في إطار القانون الدولي، لا مجرد خطوة رمزية أو إعلان سياسي منزوع الأثر.

في الحقيقة إن قرار الكابينت الإسرائيلي يُشكّل، في جوهره، اختباراً حاسماً لقدرة النظام الدولي على إنفاذ قراراته وحماية قواعده. فهل لا يزال النظام الدولي قادراً على حماية قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالدولة الفلسطينية، أم أن سياسات الضمّ الإداري الصامت في الضفة الغربية بما فيها القدس تُنذر بمرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف القانون الدولي ذاته، لا بوصفه منظومة قواعد مُلزمة، بل باعتباره انعكاساً مباشراً لاختلال موازين القوة؟

سامحونا؛؛؛

 

×
أخبار
أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط