كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قصة التجويع والترحيل في غزة!  

قصة التجويع والترحيل في غزة!  

تاريخ النشر: 2025-09-17 | 18:31

 قال وهو يبكي: حاولتُ أن أُبعد عن ذاكرتي صورة بيتي الجميل المكون من أربعة طوابق، البيت الذي بنيته في خمس عشرة سنة هو اليوم كومة من الحجارة عندما انهار البرج المجاور عليه بسبب قنبلة من الطائرات الإسرائيلية، غير أنني تذكرت المطعم الفاخر الذي أشرفت على بنائه وسط غزة، هو مطعم يقدم أشهى المأكولات، أرجعتُ هذه الذكرى إلى حاسة الجوع التي أشعر بها في منتصف الليل، أنا لم أستطع النوم، أرجعت السبب إلى الخوف من القصف والنزوح، ومن المرض بسبب الجوع.

كنا نستقي الأخبار ليس من هاتفي القديم من نوع، نوكيا، بل من أصوات وحوارات الجيران ممن يعرفون الأخبار بسرعة قبل أن تُذاع في محطات الإذاعة.

كل الأخبار يمكن احتمالها إلا خبر الترحيل من المكان، فقد رحلنا من غزة في بداية هذه الكارثة إلى رفح، هناك اجتمعنا مع عائلتنا الممتدة، خفَّف اجتماعنا واشتراكنا من مأساة تدمير بيوتنا وممتلكاتنا ومحلاتنا في وسط غزة، استأجرنا بيتا واسعا في رفح خفف عنا قليلا ألم التهجير والتجويع، لأن الدمار طال معظم بيوت أقاربنا في غزة، ظننا أننا نجونا من الإبادة، كنا نسمع تعبيرا نحتته قوات الاحتلال (المناطق الآمنة) في مواصي خانيونس ورفح، غير أننا بعد شهر ونصف اضطرنا للرحيل إلى مواصي خانيونس بعد أن اكتشفنا أنه ليس هناك مناطق آمنة عند المحتلين، لم يمض سوى وقت قصير حتى جرى احتلال مدينة رفح وتدميرها وقتل عدد كبير من ساكنيها، استأجرنا منزلا قديما في خانيونس بمبلغ كبير، ظننا أنه سيكون خاتمة تهجيرنا الأخير، ولكننا بعد خمسة وأربعين يوما، اضطررنا للرحيل من خانيونس إلى المنطقة الوسطى، إلى مخيم النصيرات، وهناك استأجرنا بصعوبة بيتا متواضعا في المخيم كان قريبا من محطة توليد الكهرباء في مدينة الزهراء، كنا لا ننام بسبب أصوات القصف المدفعي وتفجير المنازل بقنابل الطائرات، كنا لا نستطيع الإغفاء ساعة واحدة، لأن أصوات الدبابات والجرافات وهي تطحن البيوت تسلب النوم، وتعيد لنا مسلسل الترحيل من جديد!

صباحات مخيم النصيرات مشحونة بالألم، لأننا كنا مضطرين لشراء الطعام غالي الثمن، قليلون هم من يستطيعون شراء حبتين من الطماطم والبصل والثوم أو الحصول على كيس من الخبز لأن سعرها يتجاوز المائة دولار.

 لم يبق من النقود التي أحملها سوى مبلغ ضئيل لا يكفي ليومين أو أقل، حتى أن أجرة البيت تحتاج إلى أن أبحث عن دكان يصطف على بابه كثيرون ليتمكنوا من صرف بعض النقود المدخرة لهم في البنك باستقطاع بنكي بنسبة خمسين في المائة تقريبا، أي أن من يدفع مائة دولار يستلم خمسين دولارا فقط من العملة المستخدمة وهي الشيكل، وعلي كل من يقبل هذه النسبة أن يستلم النقود المهترئة من صاحب المحل، هذه النقود غير قابلة للشراء، وهي أيضا لا يقبلها صاحب محل الصرافة نفسه لو أعدتها إليه من جديد، معظم الباعة يرفضون استلامها لأنها مهترئة.

لم يعد نور الصباح في تهجيرنا محبوبا كما كان في بداية تهجيرنا في رفح، كنت أخاف على أبنائي وبناتي، فهم قد تغيروا وأصبحوا عاملين يحملون أقراص العجين بعد أن تعده زوجتي، يبحثون عن فرن طيني يخبزون فيه كرات العجين بالنقود، أو باستقطاع خمسة أرغفة من عشرين رغيفا، بحيث يبقى فقط خمسة عشر رغيفا من العشرين، يبيع صاحب الفرن ما يتوفر لديه من خبز ليتمكن من شراء الحطب اللازم للخبز.

لم يعرف أحد مقدار الألم الذي أشعر به وأنا أسير في الطريق بملابس غير نظيفة، لأن الحصول على الماء اللازم للغسيل يحتاج إلى أوعية بلاستيكية فارغة، وهي نادرة، وعندما تصل سيارة مياه مجانية ينطلق خلفها مئات الشباب والأطفال هم يجرون حاملين أوعيتهم الفارغة ليتمكنوا من الاصطفاف أو اغتصاب دور أحدهم بالقوة، شاهدتُ معركة بالسكاكين أمام سيارة نقل المياه، مما جعلني أطلب من أبنيَّ أن يشتريا المياه ممن يبيعونها، حتى لا يحدث لهما مكروه.

كنتُ أعرف أن رائحة ملابسي لا تُطاق، حاولت أن أرش بعض ما تبقى من عبوة صغيرة من العطر الشعبي على صدري، لأخفي رائحة ثيابي وجسدي المغطى بطبقة من العرق.

أبعدتُ صورة الحمامات ودورات المياه في بيتي المدمر، وبئر المياه الخاص، لم أظفر بحمام منذ أسبوعين، كنتُ استحم بعبوةٍ لا تتجاوز عشرة لترات، كنتُ أصب الماء على الأماكن الحساسة في جسدي بحذر شديد، توفيرا لحاجة بناتي اللاتي التصق بهن ثوبُ الصلاة منذ أيام طويلة، ولم يتمكنَّ من الظفر بحمامٍ يغسل أجسادهن!

أدهشتني فرحة أبنائي البالغة باتفاق وقف إطلاق النار في شهر يناير 2025م، لم أكن فرحا مثلهم، لأنني سأعود لأتذكر كل حجر من حجارة البيت، ففي كل زاوية من البيت ذكرى جميلة خبأتها في أوراقي وأعماقي، فسرتُ فرحتهم برغبتهم الخروج من الواقع المرير الذي نحياه، لأنهم لا يُجيدون توقع الآتي من الأيام، فهم لحظيون.

 قررتُ بعد عودتنا لغزة أن نسكن كلنا في مطعمنا الكبير غير المدمر، لم تدم الفرحة طويلا، بخاصة ونحن نرى عدد السيارات المصطفة في شارع صلاح الدين تنتظر التفتيش، فقد أمضينا يومين كاملين ننتظر دورنا على الرغم من قصر المسافة بين النصيرات وحاجز نتساريم.

لأول مرة بعثتْ ابتساماتُ أبنائي في نفسي أملا جديدا، لعله يتغلب على تشاؤمي المستقبلي في أعماقي، حاولت أن أشاركهم الابتسامات، كنت أحاول أن أشجعهم على أن يُطلوا على نافذة الأمل المفتوحة على مستقبلهم، لأن جميع من كانوا ينتظرون دورهم كانوا مشحونين بالأمل، مشتاقين للعودة إلى ما تبقى من بيوتهم، ظللت أحاول أن أُبعد ما يعتريني من إحباط ويأس.

حين عدنا إلى غزة استطعنا أن نسكن في مطعمنا ستة أيام فقط، أحسسنا خلالها بأننا سنتمكن من إعادة الحياة لحجارة بيتنا المدمر، لم نكن نتوقع أن نُهجَّر مرة أخرى لأن هذا التهجير سيكون أكثر قسوة من تهجيرنا الأول، فقد أنذرنا المحتلون وطالبونا بمغادرة المكان، لم نتمكن خلال خمسة عشر دقيقة من انقاذ بعض مقتنياتنا، ها نحن نعيش في العراء من جديد لا يحجبنا عن السماء وعيون الجيران سوى مزق من قماش متعدد الألوان، نحن نعيش وسط أكوامٍ من البشر في ساحة واسعة في شمال غزة.

لم أكن أعلم مصدر الرائحة السيئة التي أشتمها عند النوم إلا بعد أن اكتشفتُ أن مكان وسادتي ومفرشي الأرضي يقع بالضبط قريبا من دورة مياه جارنا، فأنا لا أستطيع أن أغفو ساعة واحدة، على الرغم من رائحة الدخان النفاذة السامة من تفجير العمارات المجاورة.

ابناي الجائعان يستلقيان إلى جواري، أحدهما خريجٌ جامعي والثاني في المرحلة الإعدادية، هناك بقايا ستارة قديمة تفصل زوجتي وبناتي الثلاثة عن مكان نومي، وهناك حفرة بها بقايا جردل بلاستيكي ممزق نقضي حاجتنا فيها، مع العلم أن الحصول على مياه الغسيل ومياه الشرب يحتاج إلى نصف يوم من العراك مع العدد الكبير من طالبي هذه المياه!

سأحدثك عن وجبة الطعام التي تناولناها هذا اليوم في تمام الساعة الواحدة ظهرا، تناولنا بقايا من الخبز الذي خبزته زوجتي في مقلاة سوداء منذ ثلاثة أيام،  بعد أن أشعلت بعض قطع النايلون وبعض قطع الخشب المشترى بثمن غال، اعتدت أن أمسح بقايا الخبز بيدي حتى لا تظهر عليه بقع وندوب الفطريات، فلم تعد هذه القطع المملوءة بالفطريات مستقبحة عند أفراد عائلتي كما كانت في الماضي قبل عصر التجويع، كنتُ أوهم أبنائي بأنني أحصل على نصيبي من الطعام مثلهم بالضبط، كنت أمضغ قضمة الخبز وأستمر في تحريكها في فمي مدة طويلة، حتى لا يحس أولادي بأنني أنام وأنا جوعان، على الرغم من أنني كنت أشتهي وضع قطعة من الجبن أو قرصا من الفلافل في وسط الرغيف.

اعتدت أن أسمع حوار الجيران وشتائمهم وعراكهم الدائم بوضوح، كان العراك يتوقف عندما نسمع انفجارا قريبا، كان المتحدثون يستطلعون مكان الانفجار وهم داخل الخيمة، يشتركون في جدال طويل ينتهي بالسباب والشتائم، كنتُ قبل التهجير حريصا على أن تكون بناتي الثلاثة بعيدات عن سماع الشتائم القبيحة، أما في خيمتنا البالية لم أعد قادرا على حجب تلك المعارك اليومية!

عندما رأيت قصاصات الأوراق تتطاير من الطائرة، ظننتها ستكون بعيدة عن مكان نزوحي، غير أن تجمعا مكونا من أكثر من عشرة رجال كانوا يقرؤون الإنذار، ويعلنون أننا مشمولون بالترحيل.

تذكرتُ قول المتنبي: كفى بك داء أن ترى الموتَ شافيا...وحسبُ المنايا أن يكنَّ أمانيا!

ملاحظة: (هذه القصة الواقعية حصلت على تفاصيلها شفويا من أحد معارفي المهجرين في شهر أغسطس 2025)

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط