كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قصة جاري الحمار، وحمار الحكيم!  

قصة جاري الحمار، وحمار الحكيم!  

تاريخ النشر: 2024-12-04 | 16:13

اعتدتُ أن أراقب الحمار الهزيل ذو اللون الرمادي كل صباح، هو مربوط بسلسالٍ حديدي ينتهي بقفل كبير إلى الهيكل الإسمنتي لعمود الكهرباء، كنتُ أُحس بسعادته عندما يُحرره صاحبه من العربة الخشبية الثقيلة عند حلول المساء، كان يصدر نهيقا طويلا وكأنه تخلص من عبء ثقيل، طلبتُ ذات يوم من صاحبه أن يطيل له الحبل حتى يستلقى على الأرض، نظر إليَّ صاحبُه نظرة استغراب ممزوجة بالاستنكار، ولم يرد عليَّ، كانت المسافة بين مكان نومي ومكان ربط الحمار واستراحته في الشارع العام المكتظ بالخيام أقل من ستة أمتار، يفصلني عن مربطه قماشُ الخيمة فقط!

منذ أن قرأت كتاب (حماري الحكيم) في القرن السالف وأنا أحاول أن أفسر لغة الحمير كما فسرها الكاتب والأديب الساخر توفيق الحكيم،

اعتدت أن أركب على عربة جاري الحمار الخشبية كل يوم، وجهُهُ محاطٌ بلجام من الجلد القاسي، وغطاء من الجلد على جوانب عينيه ليلتزم بالمسار المحدد التزاما تاما، لجام جلدي معقود بين فكيه يصل إلى يد صاحبه، انبوبان من الحديد الصدئ يربطان العربة الخشبية بجانبي ظهره، هو أسير سجين، يجر العربة الخشبية وعلى متنها أكثر من عشرة مسافرين وسط شارع مملوء بمياه سوداء آسنة، على الرغم من كل هذه العبودية فأنه يحتمل كرباج قائده التي أدمت مؤخرته، ظهره لوحة مشوهة من القروح والجروح، كنتُ أبعد نظري عن ظهره المشوه، توقفتُ عن توجيه اللوم والتقريع لصاحبة، كنت دائما أُردد: "حرام عليك، كفَّ عن ضربه"  لكنني تذكرتُ ردا وقحا من أحد مالكي الحمير عندما قال رجلٍ  أحس بالشفقة على حمار أصابه الإعياء لثقل الحمولة فانهار على الأرض، طالب هذا الرجلُ الرحيمُ من صاحب الحمار أن يكف عن ضرب حماره رأفة به، غضب صاحب الحمار المشغول بضرب حماره المنهار على الأرض بعصا غليظة لينهض، قال للرجل الرحيم: "اسكتْ بدلا من أن أربطك مكانه"!

قررتُ أن استكنه شكوى جاري الحمار، وأن أصوغ حوارا بيني وبينه على غرار الحوار الذي دار بين توفيق الحكيم وحماره الحكيم في كتاب، (حماري قال لي) جاري الحمار في خيمة اللجوء قال لي: "أنتم بني البشر ناكرو معروف، تضطهدون من ينفعكم، وتعلون مراتب من تخشونهم ويضرونكم، أنتم تكافئوننا على تضحياتنا من أجلكم بالنكران والجحود، فنحن الحمير الوحيدون الذين يُقايضون العمل الشاق بالأكل فقط، ليس لدينا ملابس فاخرة للحفلات، وسلاسل ذهبية للمناسبات، وليس في جيوبنا أوراق مالية، وليس لدينا مصوغات ذهبية وحسابات بنكية، نتغذى على بقاياكم، وعلى الرغم من ذلك فإننا اليوم نعاني من المجاعة أكثر من معاناتكم، ما أشد ظلمكم لنا أيها المنكوبون بالاحتلال! فأنتم تنفسون فينا ضائقتكم، ألا يكفي أننا أصبحنا بديلا عن سيارات الإسعاف، نحمل مرضاكم وجثث شهدائكم، وننقل متاعكم الثقيل بدون أن نشكو، وها أنتم تركبون ظهورنا صباحا ومساء، نوصلكم إلى مبتغاكم، نحن لا نحتاج إلى شكركم، بل نحتاج فقط إلى أن ترفعوا عن ظهورنا سياطكم، وأن تطعمونا ما يجعلنا نحتمل أوزاركم"

كان جاري الحمار يستغل الفترة القصيرة جدا لاختفاء صوت بوق الطائرة الزنانة الذي يقتحم الآذان ويشوش العقول، لكي يرسل نهيقا طويلا ينتهي دائما بصوت صفيرٍ بكاء حاد، وكأنه صراخ طفلٍ يطلب وجبة إفطارٍ تعينه على شقاء يوم طويل!

كنتُ عندما ألقي له بعض ما يتوفر لديَّ من طعام أحس بأنه يود بحركة قدميه وتحريك أذنيه أن يشكرني، كنت أشعر بألمه وحزنه وبكائه، كنتُ أتجنب أن أنظر إلى ظهره الذي كان أشبه بخريطةٍ جغرافية محفورة بألة حادة!

شكرا للأديب توفيق الحكيم لأنه علمني كيف أستكنه لغة الحمير،  فقد أجرى هذا الأديبُ حوارا شيقا بينه وبين حماره، ومما جاء في كتابه على لسان حماره عندما افتخر بسلالته الحميرية قال: "نحن الحمير ليس عندنا زعماء، وقادة، ولا أوثان، ولا أوطان، بل يوجد حميرٌ على أرض الله، شعورُها واحدٌ، وقلبُها واحد، نحنُ الحمير، نُفكِّر جميعُنا تفكيرا واحدا، ليس عندنا حمارٌ (مثالي) وآخرُ (ماديٌ) فمنذ ظهورنا على الأرض، لم يُعرَف أننا سرقْنَا أكثر مما نستحقُّ بعرق الجبين، ولا نَعِمْنا بالترفِ والدلال، كما تنعم الخيول، حتى أنكم، أيها البشر، تنعتون مَن يعمل بِجِدٍّ وتفانٍ من جنسكم تصفونه بفخر قائلين: إنه (حمار شُغل)"

ذات يومٍ اقترح حمار الحكيم أن يستحدث حزبا سياسيا، فصاغ حمار الحكيم مبادئ الحزب قائلا: "نحنُ نشأنا في هذا البلد، نَعِمْنا بخيرهِ وخميره، رعيْنا برسيمَه، ونجيله، كلنا من أصحاب الفكر الراجح، ومِن قادة الرأي الناصح، لذا قررنا أن نساهمَ في الحركة السياسية بنصيبٍ، والعمل لمصلحة الغير، وإنكار المصالح الشخصية، هذا هو المأثور عن جنسنا، جنس الحمير"

علق توفيق الحكيم على مبادئ حزب الحمير قائلا: "إذا أردنا نحن البشر أن تشكل حزبا بشريا، يجب علينا أن تضع قبل المبادئ السابقة كلمة (لا) أي، لا للعمل لمصلحة الغير، ولا لإنكار المصلحة الشخصية"

وفي لقطة ساخرة من الكتاب قال الحمار لصاحبه: "هل نسيتَ أيها الكاتب يومَ أحصيْنا ما نشرتَه من أفكار في الصحف والمجلات، فوجدنا أنَّ كلَّ آرائكَ السياسية الحكيمة والحصيفة خرجتْ من رأسي أنا الحمار، أما آراؤكَ السخيفة خرجت من رأسكَ أنت؟! اضطرب توفيق الحكيم وهمس في أذن حماره وقال: "هِس، حتى لا يسمعك أحدٌ"

أما عن جاري الحمار المنكوب بالجوع والألم فقد استيقظتُ في صباح يومٍ ماطر، كنت قد جمعت بقايا بعض الأطعمة في كيسٍ صغير لأضعها أمامه كإفطارٍ يعوضه عن شح الغذاء الأخضر واليابس، لكنني لم أجد جاري الحمار، كانت سلسلة لجامه الحديدي ما تزال مربوطة بعمود الكهرباء المثبت بالأسمنت المسلح بدون وجود جاري الحمار!

كنت أظنُّ أن صاحبه قد بكَّر في ركوبه إلى مهمة جديدة، غير أنني فوجئتُ بأن صاحبه يجري نحوي باضطراب يسألني: "هل رأيت الحمار؟ هززتُ رأسي نافيا، ابتسمتُ لتحرر الحمار من ربقة القيد، ظل صاحبه يردد وهو يسأل المحيطين عنه: "سُرقت ثروتي ومصدر رزقي ورزق عائلتي، أنا بعده لا أساوي شيئا، ثمن شراء حمار جديد أغلى من ثمن السيارة الحديثة"!

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط