كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قصة جفرا الحقيقية: جفرا الشهيدة، وجفرا التراث

قصة جفرا الحقيقية: جفرا الشهيدة، وجفرا التراث

تاريخ النشر: 2018-05-24 | 09:38

دأبت مئات المواقع الإلكترونية على سرد قصة جفرا، بالحذف والإضافة حتى تحوَّلت هذه القصة الواقعية إلى أسطورة شائعة الصيت فلسطينياً وعربياً وعالمياً، ذلك أن أبناء الشعب الفلسطيني يرددون (قصتين في قصة)، هما جفرا الشهيدة، وجفرا التراث بالخلط بينهما أحياناً، وبإعلاء إحداهما على الأخرى أحياناً أخرى: جفرا التراث هي الأقدم، لكن جفرا الشهيدة هي الأكثر قداسة وتأثيراً، لأن جفرا التراث يشوبها التكرار، فهي قصة حب من طرف واحد، كما أن جفرا التراث باللهجة الفلسطينية، بينما جفرا الشهيدة بالفصحى. وقد أصبح معروفاً أن جفرا التراث، بطلها هو (أحمد عبد العزيز علي الحسن)، وهو من قرية كويكات، قضاء عكا. أمّا (جفرا الشهيدة)، فعاشقها هو الشاعر الفلسطيني الحديث (عزالدين المناصرة) من محافظة الخليل. وإليكم التفاصيل:

- حتى عام (1982)، كانت (جفرا)، نمطاً غنائياً شعبياً محدوداً يعرفه الفلسطينيون في الوطن والشتات، دون أن يُعرف (مؤلفه الأصلي)، شأن معظم الأنواع الغنائية، الشعبية السائدة في بلاد الشام. أما (قصة جفرا)، فقد كانت مجهولة تماماً إلاَّ في أوساط عائلات قرية (كويكات) العكيَّة، يتناقلونها همساً بينهم، بسبب التقاليد المرعية. ولهذا انفجرت القصة التراثية منذ عام 1982 فقط. ونحن نلاحظ أنَّ بداية تحول  (جفرا) إلى رمز عربي، بل وعالمي، كان منذ (عام 1976) على وجه التحديد. فكيف حدث ذلك، ولماذا؟

- تحولت جفرا إلى رمز فلسطيني، عندما نشر الشاعر عزالدين المناصرة، قصيدته: (جفرا الوطن المسبي) عام 1976 في الصحف اللبنانية. هذه القصيدة من نوع (الشعر الحر التفعيلي الفصيح)، وهي تحكي مأساة الشاعر مع حبيبته التي استشهدت بنيران طائرة إسرائيلية في غارة على بيروت. اسمها الحقيقي، هو (جفرا النابلسي)، وهي طالبة فلسطينية كانت تدرس في (الجامعة الأمريكية)، وقيل: الجامعة اللبنانية، وقيل: الجامعة العربية في بيروت. كادت العلاقة العاطفية بين الشاعر وحبيبته تصل إلى مرحلة الزواج. وقال شهود بأنهم شاهدوا جفرا مع الشاعر في شارع الحمراء في بيروت، وفي وادي العرائش بمدينة (زحلة) اللبنانية، بل في (صيدا، وصور)، وهم يصفونها بأنها (ساحرة الجمال). اشتهرت قصيدة الشاعر المناصرة، عربياً وعالمياً بعد أن ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة أجنبية، وبعد أن غناها من لبنان: مارسيل خليفة، وخالد الهبر. وبعد أن تحولت إلى فيلم يوغوسلافي تضمن الأغنية بصوت مارسيل خليفة، عُرض في مهرجان موسكو السينمائي الدولي عام 1980. كما تحولت إلى رقصة على ألحان خليفة في مدينة (برنو) السلوفاكية. وأنشدها أحد نجوم المسرح الفرنسي بالفرنسية في مسرح موليير في باريس عام 1997، بعد أن ألقاها الشاعر المناصرة بالعربية، بحضور فدوى طوقان، ومحمود درويش، وبحضور (جاك دريدا) فيلسوف التفكيكية الفرنسي، الذي وصفها بقوله (كأنها السحر بعينه). ومن المفارقات العربية حول (جفرا المناصرة)، أن التلفزيون اللبناني الرسمي، أذاعها بصوت خالد الهبر، سبع مرَّات متتالية في ساعة واحدة، خلال انقلاب العميد عزيز الأحدب، الضابط في الجيش اللبناني، حين استولى على التلفزيون، مما أشاع أن الثورة الفلسطينية هي التي تقف وراء الانقلاب آنذاك. وفي الألفية الجديدة غنت القصيدة، التونسية (آمال المثلوثي) عام 2008، وغناها الأردني (محمد عبد القادر الفار) عام 2011. وبتأثير من هذه القصيدة بعد اشتهارها عربياً وعالمياً، منذ عام 1976 وحتى اليوم، نشأت فرق شعبية، ومحلات تجارية، ومواقع الكترونية، تحت اسم (جفرا)، كذلك تأسست إذاعات، وتليفزيون، وعدد كبير من المقاهي، والمراكز والمؤسسات الثقافية، تحت اسم (جفرا). بل ظهرت في (فلسطين - 48) حركة طلابية تحت اسم (جفرا)، وظهرت روايات وقصص وقصائد ومدوّنات تحت اسم جفرا، والأهم أن عشرات البنات في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن وتونس والجزائر والمغرب، أطلق عليهن اسم (جفرا)، بتأثير قصيدة (جفرا الوطن المسبي)، وليس بتأثير الفولكلور. هكذا استطاعت قصيدة حديثة أن تتفوق على الفولكلور الجماعي، كما قالت إحدى الصحف. هذه هي (جفرا الشهيدة)، التي تناقلتها مئات المواقع الإلكترونية، تحت عنوان: (جفرا مارسيل خليفة)، أو (جفرا عزالدين المناصرة). وكان مارسيل قد غنى قصيدة أخرى للشاعر المناصرة (بالأخضر كفناه) عام 1984 في ملعب الصفا في بيروت أمام (مئة ألف متفرج)، اشتهرت أيضاً على أنها نشيد الشهداء، وأصبحت نشيد الثورات العربية عام 2011، بل وصلت إلى الولايات المتحدة، حيث غناها مؤدي فن الهيب هوب الأمريكي (ايرون شيك) في ذكرى رحيل المفكر الفلسطيني (إدوارد سعيد) في عدة ولايات أمريكية.

عزالدين المناصرة مع أحمد عزيز، المؤلف الأصلي للجفرا الفولكلورية الفلسطينية، مخيم عين الحلوة، صيدا، لبنان، 1982

- أما (جفرا التراث)، فقد كشف القصة الكاملة الحقيقية لها لأول مرَّة (الشاعر المناصرة نفسه)، عام 1982، على النحو التالي: لم تكن هناك أية قصة لجفرا أصلاً، لكن الشاعر المناصرة هو من كشفها وصاغها وقدّمها إلى الرأي العام، وقد حدث ذلك عن طريق (الصدفة)، كما أكد ذلك بنفسه: بتاريخ (22/2/1982)، كان الشاعر المناصرة، قد أحيا أمسية شعرية في مخيم عين الحلوة، قرب صيدا، وقرأ عدة قصائد من بينها جفرا، التي طلب منه الجمهور قراءتها بطريقته الاحتفالية، مرَّة أخرى، وفي نهاية الأمسية تقدَّم رجل يدعى (أبو عبدالله) من حركة فتح كان يعمل مع خليل الوزير (أبو جهاد ) نحو الشاعر، وفاجأه قائلاً: هل تريد التعرُّف إلى مؤلف الجفرا الفولكلورية!!. أجابه المناصرة في البداية: (المؤلف الأصلي لنمط الجفرا هو شخص مجهول، ولكن لا بأس من مقابلة هذا الرجل). يضيف المناصرة: (لم أكن واثقاً من صحة الخبر، مع هذا قررت أن أغامر، لعلّ وعسى). تحاور الشاعر الدكتور المناصرة مع صاحب البيت في منزله في (مخيم عين الحلوة) لساعات طويلة. أدرك بعدها أنه أمام مفاجأة واقعية حقيقية، وإن ساورته بعض الشكوك. عاد الشاعر مرة أخرى بعد أيام إلى منزل الرجل، وحاوره مرة أخرى. ثمَّ ذهب إلى (مخيم برج البراجنة) في بيروت والتقى بعض أهالي قرية كويكات. عندئذ وجد نفسه وجهاً لوجه أمام (جفرا الحقيقية) في (حارة حريك) في بيروت. عاد المناصرة إلى بعض المراجع التاريخية لتحقيق الأحداث التي وردت في (سردية العاشق)، وبهذا نشر قصة جفرا الكاملة الحقيقية لأول مرّة في مجلة (شؤون فلسطينية) عدد حزيران 1982، التي كانت تصدر عن مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت، حيث كان (سكرتير تحريرها)، ثمَّ أعاد نشرها في كتابه (جفرا والمحاورات) عام 1993، الذي صدرت منه طبعة ثانية عن دار ورد الأردنية عام 2009. وكان الشاعر المناصرة قد أصدر ديواناً شعرياً بعنوان (جفرا) عام (1981) في بيروت:

- قصة بسيطة: عشق (أحمد عبدالعزيز علي الحسن) من قرية كويكات، قضاء عكا بفلسطين فتاة من عائلته تدعى (رفيقة نايف حمادة الحسن)، وعقد قرانه عليها، لمدة أسبوع، لكنها هربت من بيته، لأنها أبلغته أنها تعشق (محمد إبراهيم العبدالله)، ابن خالتها، وقد أصبح زوجها لاحقاً، بينما تزوج (أحمد عزيز) كما يناديه أهل كويكات بامرأة أخرى. يقول المناصرة في كتابه: (الطريف هو أنني عندما زرته في مخيم عين الحلوة، قرب صيدا، قال لي بعض الجالسين أن زوجته ظلت تناديه باسم: أبو علي الجفرا!!. طبعاً كان أهالي كويكات يسردون قصة الجفرا فيما بينهم همساً، بسبب التقاليد المرعية آنذاك). ويقول المناصرة في كتابه: (وصلت إلى استنتاج أن قصة الجفرا، حدثت عام 1939). وبعد أن كانت الحادثة، ظل أحمد عزيز يعيش حالة عشق لجفرا، وكان (زجّالاً) في الأعراس، وبما أن التقاليد  تمنعه من ذكر اسمها الحقيقي، فقد سمّاها (الجفرا)، ترميزاً لها، وظل يغني في الأعراس (جفرا ويا هاالربع). طبعاً قدَّم لنا (المناصرة)، النصوص الأصلية للجفرا، كما سمعها حرفياً من مؤلفها الأصلي (أحمد عزيز)، بل وغنى أحمد عزيز بعضها أمامه بصوته الشجي الحزين، كما وصفه المناصرة، لكن أحمد عزيز تنكر لبعض النصوص نافياً نفياً قطعياً أن يكون هو قائلها، والسبب معروف، هو أنها تؤكد قصة هربها: (واللّي جوزها نذل ... ترخي السوالف ليش!!).

- استشهدت جفرا النابلسي (جفرا الشهيدة) عام 1976 في بيروت، وتوفي (أحمد عزيز) في حارة الناعمة، جنوب بيروت، عام 1987. وتوفيت (رفيقة نايف حمادة) أي جفرا التراث، عام 2007 في مخيم برج البراجنة، في بيروت، وزار (الشاعر المناصرة) قبرها في صيف 2008. أما قبر (جفرا الشهيدة) فهو في مقبرة مدينتها بفلسطين، على الأرجح، لكن البعض يقول إنه في دمشق. أما الشاعر المناصرة، فهو من مواليد الخليل، 1946، يعمل أستاذاً للأدب المقارن في جامعة فيلادلفيا، في العاصمة الأردنية، عمَّان منذ عام 1995. وهو قليلاً ما يتكلم في الموضوع، لكنه افتتح (مقهى جفرا) لصاحبه عزيز المشايخ بعمّان في أكتوبر 2006، حيث قرأ قصيدته أمام جمهور كبير، وغادر بسرعة. هكذا تحوّلت (جفرا) من قصة واقعية إلى أسطورة، والفضل كله لصانع الأساطير. - أما معنى جفرا اللغوي فهو (أنثى الغزال)، أو الماعز لم يبلغ حولاً، أو بلغة الريف الفلسطيني (الفتاة قمر 14)، أي الجميلة اليانعة.

المراجع:

عز الدين المناصرة: شؤون فلسطينية، عدد حزيران، بيروت، 1982.
عز الدين المناصرة: (الجفرا والمحاورات، وشعرية العنب الخليلي)، دار ورد، (ط2)، عمَّان، الأردن، 2009.
مواقع (جفرا في الإنترنت: (جوجل، فيس بوك، تويتر)).

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط