كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قصة رعب: صدى الغرفة الصامتة

قصة رعب: صدى الغرفة الصامتة

تاريخ النشر: 2026-02-15 | 08:27

كان "أدهم" مترجماً غارقاً في غبار المخطوطات، رجلاً يعيش بين الكلمات الميتة أكثر مما يعيش مع البشر. بحثاً عن سكونٍ مطلق، استأجر شقة في مبنى يعود لثلاثينيات القرن الماضي، مبنى يئنّ هيكله الخشبي تحت وطأة ذكريات قديمة.
كانت الشقة واسعة، جدرانها مغطاة بورق حائط باهت يشبه الجلد الجاف المتشقق، لكن ما كان يثير قلقه حقاً هو ذلك الباب الخشبي الأسود في نهاية الممر. كان الباب يبدو وكأنه "سدادة" لثقب أسود في الواقع، وقد حذره المالك بصرامة: "هذا الباب مغلق منذ عقود. لا تحاول فتحه، فبعض الأماكن تشفى بالنسيان."
في الليالي الثلاث الأولى، لم يكن الصمت في الشقة غياباً للصوت، بل كان كائناً حياً.
كان أدهم يسمع حفيفاً غريباً، ليس كصوت ريح، بل كاحتراق لحم رطب على حرير خشن.
الصوت ينبعث من خلف الباب الأسود، يتبعه همس مشوه ينطق اسمه: "أأأأدهههم..."
صوت لم يخرج من حنجرة بشرية، بل بدا وكأن الجدران نفسها هي من تحاول النطق.
في الليلة الرابعة، وبينما كان البرد ينهش أطرافه، وجد أدهم المفتاح. لم يكن ملقىً ببساطة، بل كان مزروعاً في سجادة الاستقبال تماماً تحت قفل الباب.
كان مفتاحاً نحاسياً قديماً، وعندما التقطه، شعر ببرودة نحاسية تخترق مسام كفه، وكأن للمفتاح نبضاً خفياً يتزامن مع دقات قلبه المتسارعة. لم يكن مجرد معدن، بل كان يشعر به يتلوى بين أصابعه كدودة معدنية تتوق للعودة إلى جحرها.
وضع أذنه على خشب الباب البارد، فصمت كل شيء فجأة. شعر بوجود "شيء" على الجانب الآخر تماماً، يضع أذنه هو الآخر، يترقب أنفاس أدهم، وينتظر اللحظة التي سيتخلى فيها المترجم عن حذره الأخير.
بحلول منتصف الليل، لم يعد أدهم قادراً على كبح ذلك الجوع المعرفي الذي يلتهم عقله.
أمسك بالمفتاح النحاسي، وعندما وضعه في القفل، لم يسمع صرير معدن، بل سمع صوت تمزق أنسجة، وكأن القفل كان ملتحماً بجسد الباب. انفتح الباب بسلاسة مرعبة، وكأن الجدران كانت تشهق لاستقباله.
انبعثت رائحة "ياسمين مخنوق"؛ مزيج غريب بين قدسية البخور وعفونة المسالخ. دلف أدهم للداخل، ولم يجد مخزناً، بل وجد قاعة احتفالات كبرى تضاء بآلاف الشموع السوداء التي تنزف شحماً آدمياً على مفارش مخملية. لم تكن الجدران حجراً، بل كانت مغطاة بطبقات من جلود بشرية رقيقة جداً، رُسمت عليها نقوش معقدة بمداد من العرق والدموع، ترتجف مع كل نفس يزفره أدهم.
في وسط القاعة، على أريكة من خشب الأبنوس، كانت تجلس "تلك الشيء". امرأة بظهرها له، ترتدي فستاناً من الدانتيل الأبيض الذي يبدو كأنه منسوج من خيوط العنكبوت.
لم تكن تصفف شعرها، بل كانت تغرس مشطاً من العاج في فروة رأسها، وتشد خيوطاً من الأعصاب السوداء لتغزل منها ثوباً لا ينتهي.
توقف حفيف المشط. التفتت المرأة ببطء شديد، ولم يكن وجهها ممسوحاً فحسب، بل كان مساحة من المرمر الحي، يتمدد وينقبض كطبلة مشدودة. وعندما بدأ شق فمها يتسع، لم يخرج منه صوت بشري، بل خرج منه صدى لمئات الأصوات التي ماتت في هذه الغرفة: "لقد تأخرت يا أدهم، نحن نملك القصص، لكننا فقدنا الألسنة التي ترويها."
تصلبت قدما أدهم، وحاول التراجع، لكن الممر خلفه لم يعد موجوداً؛ لقد اختفى الباب وحل محله جدار من الطوب الأحمر البارد الذي نبتت عليه عروق نابضة. أحاط به الضيوف؛ عشرات الكائنات بملابس سهرة فاخرة، لكن وجوههم كانت مجرد فراغات بيضاء، أعمال فنية مشوهة تلمع تحت الضوء الشحيح.
اقتربت منه المرأة، وأصابعها النحيلة الطويلة تلمس وجهه ببرودة تجمد الدماء.
سحبته نحو طاولة في المركز، حيث وجد صورته الشخصية معلقة بجانب صور سكان المبنى السابقين، لكن ملامحه في الصورة كانت تسيح وتتلاشى، وكأن الورقة تمتص هويته لتعطيها للقاعة.
فجأة، بدأت جدران القاعة تهتز بضحكات صامتة، وانفتحت أفواه الضيوف الممسوحين جميعاً في وقت واحد. لم يخرج منها صوت، بل خرجت خيوط سوداء كالدخان الكثيف، تتلوى في الهواء كأمعاء دقيقة تبحث عن مأوى. بدأت تلك الخيوط تتجه نحو وجه أدهم، تخترق أذنيه وأنفه، ليس لتقتله، بل لـ "تعيد صياغته". شعر بعظامه وهي تلين وتتحول إلى مادة هلامية، وبجلده وهو يتمدد ليغطي ثقوب وجهه.
صرخ أدهم، لكن صرخته لم تخرج من حنجرته، بل خرجت من مسام جلده كبخار ساخن. في تلك اللحظة من اليأس الوجودي، لمح على الطاولة الخنجر الفضي؛ كان مقبضه مصنوعاً من عظم بشري لا يزال دافئاً. قبض عليه، وشعر بنبض السلاح يتماهى مع نبضه، كأن الخنجر عضوٌ بُتر من جسد مقدس.
أدرك أدهم اللعبة؛ هؤلاء الكائنات لا يسرقون الأرواح، بل يسرقون الشكل ليتمكنوا من العبور إلى عالمنا. المرأة ذات الفستان الأبيض اقتربت منه، وشق فمها يتسع ليمتص صرخته الأخيرة. في حركة انتحارية، لم يوجه أدهم الخنجر نحو صدرها، بل وجهه نحو انعكاس صورته في المرآة العظيمة الواقفة خلفها؛ تلك المرآة التي كانت تسجن حقيقته المشوهة.
طعن الزجاج بكل قوته. تفرقعت المرآة بصوت يشبه انفجار القنابل، وتصاعد صراخ جماعي من الضيوف كأن أرواحهم كانت مقيدة بذلك الانعكاس. انطفأت الشموع السوداء دفعة واحدة، وشعر أدهم بيد باردة تنغرس أظافرها في جبهته، ثم ساد ظلام تام يشبه الموت.
استيقظ أدهم في الصباح التالي ملقى في ممر الشقة، أمام الباب الأسود الذي كان مغلقاً بإحكام. نهض بجسد مرتجف، وركض نحو مرآة الحمام ليرى أثر الجروح، لكنه لم يصرخ.
لم يصرخ لأنه لم يعد يملك فماً. نظر إلى المرآة ورأى كتلة ملساء من الجلد البارد تغطي كامل وجهه؛ لوحة بيضاء فارغة بلا عين أو أنف. وفي تلك اللحظة، سمع صوتاً مألوفاً جداً يأتي من خلف الباب الأسود. كان صوته هو! أدهم الحقيقي (أو النسخة التي سرقت وجهه) كان يتحدث داخل الغرفة بطلاقة، يضحك ويرتب أوراقه، بينما هو –الكيان الممسوح- أصبح مجرد الصدى الحبيس في ممرات الشقة.
سقط أدهم (النسخة المرفوضة) على الأرض، وبينما كان يفقد الوعي، رأى تحت عقب الباب ورقة صغيرة تنزلق نحوه، مكتوب عليها بخطه هو: "شكراً على الهوية.. لقد أصبحتَ أنت المخطوطة الآن، وأنا من سيكتب النهاية."

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط