كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قصة قصيرة : " اللقاء المُر " !!

قصة قصيرة : " اللقاء المُر " !!

تاريخ النشر: 2018-01-23 | 07:25

( هذه قصة واقعية من قصص مآسي شعبنا الفلسطيني , كنت شاهدا عليها في يوم من الأيام قبل ما يقارب أربعين عاما في أواخر سنوات السبعينات ) :-
أنهى محمد دراسته الثانوية في غزة بمنتصف عقد الستينات , وتم قبوله في إحدى الجامعات المصرية , ودع عائلته وسط دموع والدته التي ستفارق ابنها البكر , بعد أن قضى ثمانية عشر عاما بين اخوته , ومساعدا لوالده في كسب قوتهم .. وصل محمد إلى القاهرة ملتحقا بكلية الزراعة , وأنهى عامه الأول بنجاح وتفوق , وبينما كان يستعد في صيف ذلك العام بعد عامين من غربته , للعودة إلى غزة لقضاء الاجازة الصيفية بين أهله ومساعدة والده في عمله و" تحويش " بعض المصروف للعام التالي , وقع العدوان الاسرائيلي في الخامس من يونيو 1967 , واحتلت اسرائيل قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء , وانقطع الاتصال مع الأهل , ولم يتمكن محمد من العودة , كان وقع ذلك قاسيا ومحزنا للجميع , لكن محمد واصل تحصيله العلمي منهيا سنواته الأربع , بعد أن حصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة الزراعية , في ذلك الوقت وكغيره من الشباب الفلسطيني كان محمد يتابع اشتعال الثورة الفلسطينية , وخاصة بعد معركة الكرامة , وكان يُمني نفسه بالالتحاق بصفوق الثورة , وكان له ما أراد عن طريق أحد الأصدقاء الذي عرض عليه التنظيم في حركة فتح , والانتقال إلى قواعد الثورة في الأردن .. وصل محمد وبعض رفاقه وزملائه ممن تم تنظيمهم في صفوف الحركة , وبعد أن تلقى دورة عسكرية قصيرة , تم فرزه للعمل مدربا رياضيا نظرا لكونه رياضيا سابقا , وكذلك تم تكليفه تقديم محاضرات في التوجيه السياسي للأشبال والزهرات , بعد أن تم فرز الحاصلين على شهادات جامعية للقيام بهذه المهمة , وبعد أقل من عام , وقعت أحداث أيلول الأسود , وتم خروج قوات الثورة الفلسطينية من المدن الأردنية , وهنا تم تخيير حملة الشهادات العليا , إما الالتحاق بقواعد الثورة بالجبال والأحراش , أو القبول بما تقترحه القيادة لحملة الشهادات العليا المشاركة في مخطط التعريب والثورة الزراعية في الشقيقة الجزائر , وقبل محمد أن يكون أحد المشاركين في بناء الجزائر بعد ثمانية أعوام من استقلالها , وحاجتها إلى الكوادر العرب , بعد أن استغنت عن الكوادر الفرنسيين , وكان نصيب المهندس الزراعي محمد في إحدى الولايات الصحراوية التي قررت الثورة الزراعية اصلاح أراضيها .
مضت السنون ومحمد يجتهد مع زملائه في العمل , وكانت اتصالاته قليلة مع الأهل , ولم يتمكن من مقابلة أو رؤية أحد من الأهل , سوى شقيق واحد التحق به فيما بعد للعمل مدرسا في الجزائر , ومع اقتراب عقد السبعينات من نهايته , بدأ يشتاق ويحن لأهله وخاصة والدته , التي كادت أن تفقد بصرها من كثرة البكاء على فراق بكرها وفلذة كبدها الكبير , وقرر أن يطلب من والده ووالدته الخروج عبر الصليب الأحمر إلى مصر , وهو يسافر من الجزائر إلى القاهرة لمقابلتهما , ولكن سلطات الاحتلال سمحت للوالدة فقط , ومنعت الوالد من السفر , وكان وصول الوالدة مبكرا قبل وصول ولدها محمد إلى القاهرة قادما من الجزائر .
في هذه الاثناء كنت أنا وشقيقي الأكبر قد تواجدنا في القاهرة لنفس الغرض لمقابلة الأهل القادمين من غزة عن طريق رحلات الصليب الأحمر , وفمنا باستئجار شقة لاستقبالهما , ونظرا لعلاقة الصداقة والجيرة , قمنا باستقبال والدة محمد - دون أن نخبره بوصولها - قبله , لتكون له مفاجأة سارة , وحيث أن رحلة الأهل ستتأخر عن رحلة أم محمد , طلب منا الاهل استقبال أم محمد لحين وصول ولدها , قمنا باستقبال السيدة أم محمد , وتفاجأنا بالحالة التي وصلت إليها من العجز والكبر , رغم عدم تقدمها في العمر كثيرا , وبدت وكأنها في الثمانين من عمرها , وهي بالكاد لم تصل الستين بعد .. بعد اسبوع كان موعد وصول محمد إلى القاهرة , وبعد أن أخبرنا بموعد وصوله , قمنا باستقباله في المطار واصطحبناه إلى مكان سكننا حيث توجد والدته , دون أن نعلمها بوصول ابنها , ودون أن نخبر محمد بوجود والدته في بيتنا , حتى نشهد ونوثق المشهد , وهذا اللقاء بعد طول الفراق , الذي لم يكن طويلا كثيرا ( 14 عاما ) .. دخل محمد بهو المنزل , ووجد امرأة عجوز تجلس على الكنبة , ظنها والدتي , سلم عليها وهي جالسة , حالفا عليها ألا تقوم , قائلا لها : كيف حالك يا خالتي ؟!.
انعقد لساني عن الكلام , ووقفت أنا واخي مشدوهين لا نقوى على الكلام من قسوة المشهد , وكأن على راسنا الطير , شعرت بقشعريرة شديدة , وقف شعر راسي من هول الموقف , ما هذا الذي أراه , ألم تستطع المرأة أن تعرف ولدها , وهل هذا التغيير في شكل والدته لم يستطع محمد التعرف على أمه .. لفت نظر محمد اندهاشنا وصمتنا ... غير أنني أردت أن أقطع هذا المشهد الدرامي الصامت , وقلت له : هذه والدتك يا محمد وليست والدتي ... عندما سمعتني أم محمد أناديه باسمه واخبره بأنها والدته , سقطت على الأرض مغشيا عليها بعد أن حاولت القيام لاحتضانه , بينما محمد ينهار فوقها باكيا يجهش بصوت عال , ولم نتمالك أنا أخي الموقف , وأجهشنا معه في البكاء , لهذا المشهد المر من اللقاء !!
أفاقت أم محمد من الاغماءة القصيرة , بعد أن قمنا بمسح وجهها بالماء البارد , وقمنا بتنشيقها رائحة ( الكولونيا ) , وقامت تحتضن ولدها , غير مصدقة أنه بين يديها مرة أخرى , بينما محمد ما يزال لا يتمالك نفسه , وتنساب دموعه غزيرة دون أن يتمكن من وقفها ... ولا يزال محمد يذكرني كلما التقينا بذلك الموقف من اللقاء المر, قائلا لي : هل تذكر تلك المرأة التي لم تعرف ولدها , وذلك الشاب الذي لم يتعرف إلى والدته بعد سنوات الغربة والفراق ؟! وأنا أجيبه بداخلي وبصمتي الذي لفني حين ذلك اللقاء : اذكر ذلك ولن أنساه ما حييت !!

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط